حراس الكرسي
كتب: عبدالله العميره
في مدينةٍ كبيرة كانت هناك قاعة واسعة، تتوسطها منصة مرتفعة، وفوق المنصة كرسي كبير.
لم يكن الكرسي مميزًا في شكله، لكنه كان مميزًا في شيء آخر:
كل من يجلس عليه يعتقد أن القاعة كلها خُلقت من أجله.
ومع مرور السنوات، صار الجالسون على الكرسي يتشابهون في أمرٍ واحد؛
ليس في أفكارهم… بل في خوفهم.
كانوا يخافون من شيءٍ غريب:
المرآة.
لم تكن مرآةً عادية، بل مرآة كبيرة تُوضع أحيانًا في طرف القاعة، تعكس ما يحدث في الخارج… حيث العالم يتغير بسرعة لا تصدق.
المدن تتغير.
التقنية تتغير.
الناس تتغير.
حتى طريقة الكلام مع العالم تغيّرت.
لكن الكرسي بقي كما هو.
ذات يوم دخل شاب إلى القاعة، يحمل بين يديه فكرة جديدة.
لم يكن يحمل ضجيجًا، ولا شعارات، بل آلية عمل مختلفة.
قال بهدوء:
"لو وضعنا هذه الآلية هنا… سيأتي الناس أكثر، وسيكبر المكان، وسنربح أكثر."
نظر صاحب الكرسي إلى الفكرة طويلاً…
ثم قال جملة قصيرة:
"لا."
سأله الشاب:
"لماذا؟"
فأجاب بصراحة نادرة:
"لأنني لا أفهمها"!
خرج الشاب بهدوء، لكن السؤال بقي معلقًا في سقف القاعة:
هل المشكلة في الفكرة؟
أم في الكرسي؟
مع الزمن اكتشف أهل المدينة سرًا آخر:
الكرسي لا يخاف من الفكرة…
بل يخاف من صاحبها.
فالكرسي يحب العقول التي تشبهه،
ويطمئن للعقول التي تدور حوله،
لكنه يقلق من العقول التي تستطيع أن ترى أبعد منه.
وهكذا بدأت ظاهرة غريبة في المدينة.
كلما جاء شخصٌ بفكرة جديدة، قيل عنه:
إنه مشاكس.
إنه غير واقعي.
إنه لا يفهم طبيعة المكان.
وبمرور الوقت لم يبق في القاعة إلا نوع واحد من العقول:
العقول التي تعرف ما يعرفه الكرسي فقط.
وهنا توقّف الزمن داخل القاعة.
في الخارج كانت المدن تبني منصات جديدة،
وتخلق إعلامًا مختلفًا،
وتصنع طرقًا مبتكرة للحديث مع العالم.
أما داخل القاعة…
فكان الجميع يناقشون السؤال ذاته منذ سنوات:
كيف نطوّر الإعلام؟
لكن أحدًا لم ينتبه إلى حقيقة بسيطة:
الإعلام لا يتطور حين نفهم كل شيء،
بل حين نعرف كيف نستعين بمن يفهم أكثر.
القيادي الحقيقي لا يصنع فريقًا يشبهه…
بل فريقًا يكمله.
ولا يخاف من المبدع…
بل يحميه.
لأن المبدعين — مهما كانوا مشاكسين —
هم الهواء الذي يمنع الغرف من الاختناق.
أما الكرسي الذي يخاف من المرآة…
فغالبًا ما يكتشف متأخرًا
أن العالم قد تغيّر…
وأن القاعة التي كان يحرسها جيدًا
أصبحت فارغة.
في الأزمات تنكشف العقول التي تدير الإعلام .. لا الكراسي التي تحرسه.
تقول حكاية قديمة:
حين لا يعرف المصلون؛ يطول ارتجال الإمام.
لكن يكفي أن يتنحنح من يفهم؛ حتى تنكشف الحكاية.
وهكذا هو الإعلام أيضًا.
موضوع ذو صلة:
تنبيه
هذا رأيٌ من أحد أبناء الإعلام، يُقدَّم طلبًا لعملٍ إبداعيٍ أفضل.
«رَحِمَ اللهُ امرأً أهدى إليَّ عيوبي».
فهل يُستقبل مثل هذا الرأي بوصفه نصيحة صادقة… أم يُصنَّف ضمن “الخزعبلات” غير المفهومة؟
لماذا تُستدعى شركات الإعلام الأجنبية لصناعة الرواية..
هل غابت الثقة أم غاب الالتفات للكفاءة الوطنية؟