القنديل الأخير في العالم؟
مقال رأي | نبيه البرجي
الرياض | BETH
تنشر وكالة BETH هذا المقال للكاتب والمحلل السياسي اللبناني نبيه البرجي، ضمن المواد الفكرية التي ترد من مؤسسة الفكر العربي في إطار التعاون الثقافي والإعلامي القائم معها.
ويقدم الكاتب في هذا المقال قراءة فلسفية وسياسية تتناول تحولات النظام العالمي، والعلاقة بين التكنولوجيا والهيمنة الدولية، إضافة إلى الأسئلة الكبرى المرتبطة بمستقبل القوة العالمية ودور الولايات المتحدة وإسرائيل في معادلات السياسة الدولية.
ويعبّر المقال عن رؤية الكاتب وتحليله الشخصي في سياق النقاش الفكري الأوسع حول مستقبل العالم.
من يُطفئ القنديل الأخير في هذا العالم؟
نبيه البرجي
نظنّ أنّ البريطانيّ نيل مارشال الذي أَخرج فيلم "يوم القيامة" (Doomsday) كان يقصد "مَن يُطفئ القنديل الأخير في هذا العالَم؟".. وليس على ما يبدو اسكتلندة وعاصمتها أدنبرة حيث تدور أحداث الفيلم فقط.
من جهةٍ أخرى، كم بدا تشارلي كلارك الذي قُتل في أيلول/ سبتمبر الماضي ساذجاً حين رأى في دونالد ترامب كـ "ظاهرة استثنائية في التاريخ"، "نتاجاً فذّاً للضجيج الأميركيّ"؛ ما دام هو الوحيد مَن يستطيع أن يفتح الباب الذي يفضي إلى نهاية العالَم. هذا الكلام قيل في العديد من الأباطرة، حتّى أنّ "كاليغولا" كان يرى أنّ ثمّة قوّة سحريّة في حصانه يُمكن أن تمضي به إلى "عالَم الآلهة".
الولايات المتّحدة هي الظاهرة السياسيّة الشديدة الاختلاف عن أيّ ظاهرة سياسيّة أخرى. وإذا كان الروائي الأميركي دوغلاس كينيدي قد قال عقب زيارته لبنان في سبعينيّات القرن الماضي "هناك لا تدري ما إذا كنتَ في الجنّة أم في جهنّم"... في الولايات المتّحدة تَشعر أنّك في الجنّة وفي جهنّم أيضاً.
قراصنة أم آلهة؟
كلّ إمبراطوريّة يَصنعها رجلٌ مجنون ويقضي عليها رجلٌ مجنون. هذه قوّة الأشياء، أو جدليّة الأشياء. لكنّ الولايات المتّحدة لم تولد هكذا. المفكّر الفرنسي ريمون آرون قال في وصف مَن صاغوا الدستور الأميركي "الله بعث بسبعة أنبياء دفعةً واحدة إلى الولايات المتّحدة"؛ لكنّ خلفيّاتٍ مثيرة كانت وراء وضْع تلك الوثيقة. مَن يدري أنّه كان لقراصنة الجزائر ومراكش دَورٌ في ذلك. هؤلاء كانوا يستولون على السفن القادمة من العالَم الجديد، ويبيعون البحّارة في سوق النخاسة. وكانت المفاوضات التي عَقَدَها جون آدامز (الرئيس الثاني للولايات المُتّحدة) وتوماس جيفرسون (الرئيس الثالث)، إضافةً الى بنيامين فرنكلين، مع داي الجزائر وسلطان مراكش قد عمّقت قناعات جيفرسون، بوجهٍ خاصّ، بضرورة إنشاء مؤسّسات اتّحاديّة مركزيّة تحت مظلّة أو سلطة قانون عامّ هو الدستور.
في ضوء ذلك كان التعليق الساخر للكاتب الجزائري لخضر بن شيبة، وتحت عنوان "آلهة أم قراصنة؟"، قراصنة القرن الثامن عشر في بلادنا ألهموا الرؤساء الأميركيّين ليكونوا قراصنة القرون اللّاحقة. ترابٌ كثير أهيل على "الأنبياء السبعة". لكأنّهم نزلوا عن ظهور الملائكة، كما كَتَبَ المفكّر الفرنسي الآخر ريجيس دوبريه، رفيق تشي غيفارا في أدغال أميركا اللّاتينيّة. محاولات هائلة للإمساك بالعالَم، بالأسلوب ذاته الذي جرى فيه الاستيلاء على الولايات الأخرى. ولكنْ ثمّة ولايات أميركيّة جرى شراؤها مثل لويزيانا من فرنسا النابوليونيّة في العام 1803، وآلاسكا التي تمّ شراؤها من القيصر ألكسندر الثاني في العام 1867.
على قرن ثور
لا شيء تغيّر. دونالد ترامب يريد أن يَجعلَ من كندا، بالمساحة التي تفوق مساحة الولايات المُتّحدة (9.984.670 كيلومتراً مربّعاً مقابل 9.833.520 كيلومتراً مربّعاً)، الولاية الحادية والخمسين، وأن يشتري الجزيرة القطبيّة غرينلاند، وهي أكبر جزيرة في العالَم، لكي يقطع الطريق بين الصين والمحيط المتجمّد الشمالي. الهدف الأبعد أن تبقى الولايات المُتّحدة وحدها في مقصورة القيادة. قيادة الكرة الأرضيّة والتي تقول الأسطورة الأوروبيّة إنّها تقف على قرنِ ثور. هنا الثور إيّاه الذي يرقص الروك أند رول على أرصفة لاس فيغاس أو على أرصفة البيفرلي هيلز، كما كتبت صحيفة "لوكانار أنشينه" الفرنسيّة الساخرة.
ترامب هو الصنيعة الحقيقيّة للروح الأميركيّة تبعاً لقول إلون ماسك.. على شاكلة الكاوبوي الذي كان يُطلق العنان لحصانه وهو في الطريق إلى الذهب (الألدورادو)، كما يُطلِق النار على الحانات الخشبيّة (دول اليوم) إذا ما أطلّ أحدهم برأسه من نافذة الحانة. الرئيس السابع والأربعون، بالأنف الجيولوجي، يُطلِق العنان لحاملات طائراته في الطريق إلى المعادن النادرة، ومن دون أن يكترث بصرخة مورين دوود في "النيويورك تايمز" التي يحذّر فيها من "تفجير الهويّة الأميركيّة"، بعدما بَذَلَ الآباءُ جهوداً أسطوريّة لبلْوَرة تلك الهويّة وسط ذلك الركام المترامي من الثقافات والإيديولوجيّات المتباعدة.
اضمحلال المعجزة الأميركيّة
نذكر مدى الحفاوة التي استُقبِلَت بها نظريّة صمويل هانتنغتون حول "صدام الحضارات".. الحضارة اليهو - مسيحيّة مقابل الحضارة الكونفو - إسلاميّة، من البيوتات الفكريّة والسياسيّة، وحتّى من واضعي الاستراتيجيّات الكبرى في الولايات المتّحدة، بعدما اتّضح البُعد الإيديولوجي لتلك النظريّة، أي إخراج الإسلام من "ثالوث التوحيد". هذا الافتتان انتقلَ إلى ذلك السؤال المتفجّر: "مَن نحن؟"، فقط ليقول إنّ زَحْفَ اللّاتينيّين على الولايات المُتّحدة، لا بدّ من أن يؤدّي الى انتزاع السلطة من البيض. تالياً اضمحلال المعجزة الأميركيّة أو تفكّكها، باعتبار أنّ الجنس الأبيض هو وحده المؤهَّل لقيادة الإمبراطوريّة التي زرعت العَلَم الأميركي في الكواكب الأخرى. بتلك الفظاظة قال ليو شتراوس إنّ الخيال عند الملوّنين يتوقّف عند أكواخ التنك.
إذا ما تجاوزنا البُعد التراجيدي في الحالة الشرق أوسطيّة، فإنّ أوروبا تبدو الضحيّة الأولى للرجل الذي يرى فيها "تلك العنكبوت العجوز التي تحاول أن تتسلّق الجدران المهدّمة" ..أصدقاؤه في قناة "فوكس نيوز" يطربون لتعليقاته التي يصفونها بالعصا الكهربائيّة على رؤوس مَن يَرفع الوشاح الأحمر في وجه الوثن الأكبر. وإذا كان الأوروبيّون يقولون "لولانا لما كانت أميركا" أمام الكاميرات، جاء ردّ دونالد ترامب "لولانا لكان تمثال الفوهرر (أدولف هتلر) محلّ تمثال يوليوس قيصر، ولكان الإمبراطور (هيروهيتو) يبعث بكهنة الشنتو لكي يعظوا كهنة الفاتيكان".
أمّا الباحث الفرنسي ماريك هالتر فكان قد كَتَبَ منذ نحو ثلاثة عقود "لو لم يدخل فرنكلين روزفلت الحرب العالميّة الثالثة، لكان طيّارو الكاميكاز يبحثون عن منزل غريتا غاربو في شوارع لوس أنجلس. ألهذه الدرجة العلاقة الفرويديّة ماثلة بين ضفَّتَيْ الأطلسي، وحتّى بين ضفّتي الباسيفيك؟!".
الشيطان إلى المائدة
منذ نحو قرن حذّر العالِمُ السياسي البريطاني هارولد لاسكي من تدخّل التاريخ في صياغة العلاقات الدوليّة، لأنّه "يستدعي الشيطان إلى المائدة". بعده أبدى فرنسيس فوكوياما قلقه من "تعفّن الإيديولوجيا في العديد من المجتمعات البشريّة"، وحيث ينشغل العقل في فتْح أبواب القلاع أو المقابر القديمة فيما تقتضي جاذبيّة الأزمنة، أو جدليّة الأزمنة، فتْح أبواب الأُفق. هكذا الصراع الأبدي بين النظريّات وبين الأسئلة ليبقى الدوران داخل الدوّامة. الحلّ عند فوكوياما الذي عاد عن نظريّة "نهاية التاريخ" وعن مواراة الإيديولوجيا الثرى ليدعو إلى اعتناق "الديانة الأميركيّة". هنا نعود إلى الاعتراض العاصف من الروائي والشاعر الأميركي جيمس بالدوين الذي قال "لقد انقضى الزمن الذي كانت فيه الجرذان تأكل آذان الزنوج في قعر السفن"، بعدما لاحظ كيف أنّ الرؤساء الأميركيّين لا يطرحون أنفسهم أنبياء القرن، بل و"آلهة القرن". إنّهم يرجمون بالحجارة كلّ مَن يقف على قَدَمَيْن، كما قال الكاتب البرتغالي الفذّ جوزيه ساراماغو.
إعادة تشكيل الحياة
حين نقول "الزمن التكنولوجي"، تلقائيّاً نقول "الزمن الأميركي"، "الفايننشال تايمز" ترى أساقفة المستقبل في وادي السيليكون. مهمّة هؤلاء ليست إعادة صياغة قواعد جديدة للحياة، وإنّما إعادة تشكيل الحياة. الذكاء الاصطناعيّ لا بدّ من أن يُحدِث انفجاراً دراماتيكيّاً في المعنى.. المعنى البشري كامتدادٍ ميكانيكي للوجود البشري. ذاك المجهول الذي ينتظرنا قبل منتصف القرن، ليبدو الحديث الغبي عن الصراع الكلاسيكي بين الإمبراطوريّة الأميركيّة والإمبراطوريّة الصينيّة. الأميركيّون يُضلِّلون البشريّة في وثائقهم الاستراتيجيّة الدوريّة التي نقرأها باهتمام، ونبني عليها رؤيئتنا لمستقبل الكرة الأرضيّة.
المشكلة إذاً ليست في رأس دونالد ترامب؛ وحيث قيل من سنوات إنّ ابنته إيفانكا تتجوّل بالكعب العالي في داخله. الصحافي البارز بوب وودورد يرى في الصهر اليهودي جاريد كوشنر "الملاك اليهوديّ" على كتف الرئيس الأميركي، أو "حاخام العائلة".. ماذا عن الصهر اللّبناني؟ بكلّ فظاظة يقول برنار هنري ليفي إنّه "دجاجة العائلة"... المشكلة في رؤوس مَن يحفرون في وادي السيليكون.
من سنوات وسنوات، قال لنا إدوارد سعيد "لستم بحاجة إلى الأشعّة ما تحت الحمراء لكي تشاهدوا ظلّ يهوه فوق البيت الأبيض". ماذا عن الكونغرس؟ البيوريتانز (الطهرانيّون) الذين هاجروا من إنكلترا إلى العالَم الجديد في النصف الثاني من القرن السابع عشر، رأوا في تلّة الكابيتول "جبل الهيكل". وكان اليهود الأوائل الذي وصلوا إلى هناك في العام 1613 قد غرزوا أظافرهم في اللّاوعي، وفي الوعي الدينيّ للمهاجرين الأوروبيّين الذين كانوا يعانون من "الهشاشة الروحيّة". الرئيس الثاني للولايات المُتّحدة تمنّى في رسالة إلى صديقه اليهودي موردخاي إيمانويل نويه أن يكون هذا الأخير "على رأس مئة ألف من بني إسرائيل.. ويقودهم إلى يهوذا.. لأنّي أتمنّى أن يعود اليهود في مَملكتهم أمّة مستقلّة".
أمّا الرئيس الثالث توماس جيفرسون، فقد اقترح إبدال الرمز الأميركي "النسر الأصلع" برمز من التوراة يمثّل "بني إسرائيل وفوقهم غيمة تقيهم لهيب النهار، وعمود من النور يضيء لهم اللّيل"، حتّى إذا ما عدنا إلى أوراق ناحوم غولدمان، وهو أحد آباء الدولة، لرأينا قوله "لولا الرئيس وودرو ويلسون لما كان وعد بلفور".
معركة نهاية العالَم
رونالد ريغان الذي أَطلقَ على الاتّحاد السوفياتي لقبَ "إمبراطورية الشرّ"، وكان فخوراً بإطلاق لقب "نائب الله" عليه، لاحظ أنّ "إسرائيل ستلعب دَور البطولة في معركة نهاية العالَم". من هنا ربّما كان تعليق إدوارد سعيد على سؤال المُخرج نيل مارشال: "إذاً... إنّه ذاك اليهودي الذي يُطفئ القنديل الأخير في العالَم". هكذا لتكون أوّل أطروحة دكتوراه في جامعة هارفارد في العام 1643 بعنوان: "اللّغة العبريّة". كثيرون كتبوا عن ثلاثة عباقرة يهود أمسكوا بالقرن العشرين (كارل ماركس وسيغموند فرويد وألبرت اينشتاين). ماذا عن روبرت أوبنهايمر الذي صَنَعَ القنبلة النوويّة الأميركيّة، ليَنقلَ أسرارَها اليهودي جوليوس روزنبرغ وزوجته إيتل إلى جوزف ستالين تحسّباً لظهور "الفوهرر الأميركي" القنبلة التي رأى فيها دين أتشيسون، وزير الخارجيّة في عهد هاري ترومان، "الزلزال الذي هزَّ الكرة الأرضيّة لتكون البداية الأخرى للخليقة"، ولكن أَلَم يسأل الفيلسوف البريطاني برترند راسل ما "إذا كانت الكرة الأرضيّة تُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها المقبرة؟!".
المفكّر الأميركي جون ميرشايمر قال إنّ دونالد ترامب يَعتبر أنّه "أقال آدم من مهمّته كأبٍ للخليقة". مع الرئيس السابع والأربعين للولايات المُتّحدة، لا بدّ من ولادة أخرى للبشريّة. أمّا الفوضى التي أشاعها في أصقاع الدنيا فهي المخاض للولادة. هو أعلن أنّ العناية الإلهيّة تدخّلت بشكلٍ مباشر لإنقاذه من رصاصة بنسلفانيا (أين ستكون الرصاصة الأخرى؟). ولكن ألا يَطرَح نفسَهُ إلهاً للقرن الذي يلاعب الكرة الأرضيّة مثلما يلاعب كرة الغولف في منتجع مارالاغو؟. جيفري غولدبرغ يرى فيه "القاطرة التي لا بدّ أن ترتطم بالتاريخ وتتحطّم". هذا ما يُثير غَضَبَ أحد معلّقي قناة "فوكس نيوز" الذي يرى في دونالد ترامب مواصفات الإله الإغريقي الذي يستطيع بأصبعه تغيير شكل العالَم. ردُّ غولدبرغ "هذا الذي نخشاه حقّاً!".
ثقافة الضوضاء
بعض المؤرّخين يعتقد أنّ الفارق بين دونالد ترامب ومَن كانوا قبله في البيت الأبيض، يقوم على افتتانه بـ "ثقافة الضوضاء".. بالأحرى "ثقافة الضوء والضوضاء". يوجين روغان المؤرِّخ المختصّ في تاريخ الشرق الأوسط يؤكّد وصْفَ آخرين للمنطقة بالقول "مثلما هي مقبرة الآلهة هي مقبرة الأباطرة". يسأل "كيف لك امتياز إقامة الريفييرا قَبل أن تقفل أبواب جهنَّم؟".. أليست المنطقة العالقة بين العالَم والعالَم الآخر؟
لكنّه الشخصيّة النرجسيّة التي إذ تهوى قرع الطبول على مدار الساعة، ترى في الفلسطينيّين بقايا الهنود الحمر.. لا دولة لهم ولا موطئ قدم لهم في "أرض الميعاد". هذا ما يُحذِّر منه السناتور بيرني ساندرز، الوجه اليهودي اللّيبرالي الرائع، أي محاولة فرْض أوديسه النسيان بالفصل الفظّ بين الكائن الفلسطيني والأرض الفلسطينيّة، وحتّى بين الفلسطيني والفلسطيني، كما يذكّر بأنّ المنطقة تعيش بفائض الإيديولوجيا وفائض التاريخ، وحيث "الأجراس لا تُقرَع إلّا للموتى".
لكن متى لم تؤدِّ الايديولوجيا إلى تحطيم الأزمنة وإلى تحطيم الأُمم بإبقائها خارج الزمن التكنولوجي؟. لكن اسحق دويتشر الذي وَضَعَ "اليهودي واللّايهودي" رأى في إسرائيل الظاهرة الوحيدة بالتفاعل السريالي بين الإيديولوجيا والتكنولوجيا. حقّاً كيف لأناسٍ يأخذون بالتأويل الدمويّ، وحتّى بالتأويل القبليّ للتوراة، أن يطرقوا بقوّة بوّابة الحداثة، بعدما لاحظنا دَورَ مفكّرين وباحثين يهود في بلْورة مفاهيم ثوريّة وديناميكيّة للحداثة. ألبرت آينشتاين الذي زار القدس في العام 1923 ورأى تلك الطقوس الغرائبيّة أمام حائط المبكى.. قال "هؤلاء المخبولون لا مستقبل لهم، ولا مكان لهم في الحياة".
الآن يكتب رئيس تحرير "هآرتس" آلوف بن تحت عنوان "نهاية إسرائيل" إنّ إسرائيل، على الأقلّ النسخة العلمانيّة والتقدميّة منها التي أَسَرَتِ العالَم، قد ولّت"؛ في حين ترتفع أصوات كثيرة في وجه بنيامين نتنياهو. رئيس الحكومة السابق الجنرال إيهود باراك الذي تتكدّس على صدره أكبر كميّة من الأوسمة قال "إذا جاء اليوم الذي ينهار فيه حلّ الدولتَيْن، وواجهْنا صراعاً على غرار ما حدث في جنوب أفريقيا من أجل المساواة في حقوق الاقتراع، عندئذ بمجرّد حدوث ذلك ستنتهي "دولة إسرائيل".
يوجين بروسيلوفسكي كَتَبَ في "تايمز أوف إسرائيل" تحت عنوان: "ماذا لو اختفى اليهود؟. تجربة فكريّة حول إسرائيل والعالَم"، ما يوحي بنهاية أبوكاليبتيّة للدولة العبريّة.
حتّى أنّ الفيلسوف الفرنسي آلان فينكيلكروت الذي كان من الأصوات الكبرى في الغرب المؤيّدة لإسرائيل، يعتبر "أنّ الحمقى وحدهم يعتبرون أنّ قيام الدولة الفلسطينيّة يَستتبِع، تلقائيّاً، اندثار الدولة الإسرائيليّة. أمّا المنطق فيقول إنّ قيام دولة فلسطينيّة هو مَن يؤمّن البقاء للدولة اليهوديّة". ثمّة أستاذ في هارفارد استغرب كيف أنّ إدارة جو بايدن لم تأمر بطرد بنيامين نتنياهو عندما قال أمام أعضاء الكونغرس، وسط تصفيقٍ مذهل من الحضور: "لولا إسرائيل لما كان هناك وجود للولايات المُتّحدة في الشرق الأوسط"، داعياً إمّا إلى منعه من دخول البلاد أو نقله إلى مصحّ للأمراض العقليّة.
كعربيّ في هذه المنطقة الضائعة بين جنون الإيديولوجيا وجنون التاريخ، وتأثير ذلك في إشاعة الفوضى الجيوسياسيّة والجيوستراتيجيّة الراهنة، تشغلنا "العلاقة المُلتبِسة" بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. المُمثِّلة الأميركيّة جنيفر ويلش، إذ تشعر بالتقزّز من هذه العلاقة، وحيث "التماهي في جاذبيّة الدمّ"، تعلّق "لا يُمكن للإمبراطور أن يرقص الفالس مع الثعبان". ويلش تستغرب استنفار حاملات الطائرات و"الاقتراب من يوم القيامة"، من أجل تلك الوجوه التي تبدو وكأنّها خارجة للتوّ من ليل الأُمم ومن ليل الأزمنة.
مرّة أخرى البروفسور الأميركي جون ميرشايمر الذي يعرب عن ذهوله لإشاحة دونالد ترامب النظر عن وضع الفلسطينيّين، وعن حقّهم الطبيعي في أن يكون لهم مكان يليق بالكائنات البشريّة على أرضهم، قال إنّ ذلك "ليس اختباراً أخلاقيّاً للولايات المُتّحدة فقط، بل إنّه اختبارٌ فلسفيّ وحتّى اختبار استراتيجيّ، لأنّنا قد نَصِل إلى ذلك اليوم الذي نكتشف فيه كم كان التغاضي عن الحقيقة مدمّراً حتّى لوجودنا في الشرق الأوسط".
في رأيه أنّ الولايات المُتّحدة لا تقوم، لا على "جنون التاريخ"، ولا على "جنون الأيديولوجيا"، مثلما هي حال إسرائيل في زمن ذلك النوع المتوحّش من اليمين، وحيث لا حدود لتلك النزعة الإسبارطيّة سوى حدود المقبرة.
لا تحتاج المسألة سوى إلى عودة خاطفة إلى التاريخ، وحيث يموت قطّاع الطرق في العراء. ذات يوم قال مؤرّخ المسيحيّة بيتر براون (90 عاماً) "كنّا نتصوّر أنّ أميركا ستكون الإمبراطوريّة التي تقف على أبوابها الملائكة، لا ذلك النوع من الآلهة الذين تسلّلوا من الجحيم تحت جنح الظلام".
صاحب "رحلة طائر الدودو" يستغرب كيف أنّ الكاوبوي يجثو في نهاية رحلته أمام يهوذا، لا أمام المسيح، ليسأل: "من تراه يتصوّر كيف تكون نهايتنا في هذا القدّاس الجنائزي الطويل؟".. السؤال طرحه براون على التاريخ. قد تكون الإجابة في ذلك الهذيان اليومي على أبواب الشرق الأوسط. لا بدّ أن يكون هناك مَن يستنتج.. لعلّ بنيامين نتنياهو بالهيستيريا النوويّة والتوراتيّة.
__________
قراءة BETH
يثير المقال سؤالًا فلسفيًا عميقًا حول مستقبل النظام الدولي في زمن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، حيث تتداخل السياسة مع التكنولوجيا، وتتقاطع الأيديولوجيا مع الاقتصاد والقوة العسكرية.
فالعالم اليوم يقف أمام مرحلة انتقالية معقّدة، لم تعد فيها الهيمنة الدولية تُقاس فقط بالقوة العسكرية أو النفوذ السياسي، بل أيضًا بالقدرة على التحكم في المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، تشير العديد من التحليلات الاستراتيجية إلى أن النظام العالمي يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية، تتنافس فيها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين، إلى جانب صعود قوى إقليمية مؤثرة في مختلف مناطق العالم.
وبينما يطرح المقال تساؤلات درامية حول مستقبل الهيمنة والصراعات، يبقى السؤال الأهم الذي يواجه البشرية اليوم هو:
هل سيقود التطور التكنولوجي المتسارع إلى مرحلة جديدة من التعاون العالمي، أم إلى أشكال جديدة من الصراع بين القوى الكبرى؟
وهو سؤال مفتوح يظل محورًا رئيسيًا في النقاشات الفكرية والسياسية حول مستقبل العالم.