الحرب على إيران .. شقوق في المعسكر الغربي
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الإستراتيجي – وكالة BETH
مقدمة
مع اتساع نطاق الحرب الدائرة في المنطقة، بدأت ملامح تباينات واضحة تظهر داخل المعسكر الغربي نفسه، حيث برزت مؤشرات على اختلاف في مقاربة إدارة الصراع بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من بريطانيا وفرنسا من جهة أخرى.
ورغم أن الأطراف الثلاثة تنتمي إلى تحالف استراتيجي طويل، فإن تطورات الحرب الحالية كشفت عن تباين في تقدير الأولويات وحدود التصعيد، بين رؤية أميركية تميل إلى تكريس معادلة ردع عسكرية واسعة، ومقاربات أوروبية أكثر حذرًا تسعى إلى احتواء الصراع ومنع تحوّله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
هذا التباين لا يعني بالضرورة انقسامًا داخل التحالف الغربي، لكنه يعكس اختلافًا في الحسابات السياسية والاستراتيجية، وفي قراءة ما يمكن أن تؤول إليه الحرب إذا تجاوزت حدودها الحالية.
ومن هنا تبرز أسئلة جوهرية حول ما الذي تريده كل من واشنطن ولندن وباريس من مسار الحرب، وما إذا كانت هذه التباينات تمثل مجرد اختلاف في التكتيك، أم أنها تعكس رؤى أعمق حول شكل النظام الإقليمي الذي قد يتشكل بعد انتهاء المواجهة.
لماذا يظهر “الخلاف” الآن؟
لأن الحرب الحالية ليست مجرد عمليات عسكرية، بل حرب شرعية وسردية:
واشنطن تتصرف بمنطق “الإنجاز العسكري السريع وفرض الإيقاع”.
الأوروبيون يتحركون بمنطق “خفض التصعيد وحماية الاستقرار ومنع الانفلات”.
ولهذا ترى التباين واضحًا في: القانون الدولي، فكرة توسيع الحرب، ومسألة “تغيير النظام”.
ماذا تريد أمريكا؟
المعلن (كما يظهر في الخطاب السياسي والأمني):
تقييد/تدمير قدرات إيران العسكرية التي تُهدد القوات والمصالح والحلفاء.
تعزيز الردع ومنع تحوّل الحرب إلى استنزاف طويل ضد واشنطن وحلفائها.
إعادة ترتيب ميزان الإقليم بحيث تُدفع طهران للتراجع خطوة كبيرة (أو تُدفع للتفاوض من موقع أضعف).
غير المعلن (محتمل ومنطقي سياسيًا):
تثبيت صورة “القيادة الأميركية” في لحظة ارتباك عالمي.
قطع الطريق على أي تسوية تُعيد إيران لاعبًا “طبيعيًا” دون أثمان استراتيجية.
ترك الباب مفتوحًا لسيناريو “تغيير السلوك/النظام” دون الالتزام رسميًا به كهدف نهائي—وهنا أصل الاحتكاك مع أوروبا.
ماذا تريد بريطانيا؟
بريطانيا عادةً تقف في مساحة دقيقة: قريبة من واشنطن أمنيًا لكن حسّاسة قانونيًا وداخليًا.
أهداف لندن العملية:
حماية القوات والمصالح والقواعد والربط الاستخباراتي مع واشنطن.
منع امتداد النار إلى الخليج وخطوط الطاقة.
الظهور كطرف “مساهم في الردع” دون أن يُتهم بأنه يدفع نحو حرب مفتوحة.
إبقاء قنوات الدبلوماسية الأوروبية (E3) قابلة للعمل، لأن بريطانيا تاريخيًا تستفيد من لعب “وسيط صلب”.
خلاصة لندن: مع الردع… ضد الفوضى.
ماذا تريد فرنسا؟
فرنسا غالبًا تتحرك كقوة “استقلال قرار” أكثر من بريطانيا، وبحساسية أعلى تجاه:
القانون الدولي
هيبة الدبلوماسية
أمن المتوسط والشرق
وتداعيات الحرب على أوروبا (اقتصاد/هجرة/إرهاب)
أهداف باريس العملية:
وقف الانزلاق إلى حرب ممتدة تُحرق الإقليم وتفجّر آثارًا على أوروبا.
تثبيت دور فرنسا كقائد أوروبي في إدارة الأزمات، لا كملحق بالموقف الأميركي.
إبقاء باب التسوية مفتوحًا ومنع “خيار إسقاط النظام” كعنوان علني لأنه—من منظور باريس—قد يفتح سيناريو فوضى على طريقة العراق/ليبيا.
خلاصة باريس: ضربات قد تقع… لكن “استراتيجية ما بعد الضربة” أهم من الضربة.
حقيقة الخلاف: أين يشتعل؟
ليس “عداء خلف الستار” بالضرورة—بل ثلاث عقد واقعية:
1) الشرعية القانونية
الأوروبيون (وخاصة فرنسا) أكثر تشددًا في سؤال: هل ما يحدث قابل للدفاع قانونيًا؟
واشنطن تميل للتعامل مع الشرعية باعتبارها “لاحقة” طالما الردع والميدان يمشيان.
2) سقف الحرب
أميركا تحتمل سقفًا أعلى من التصعيد لأنها بعيدة جغرافيًا.
أوروبا تدفع ثمن الانفلات مباشرة: طاقة، أسواق، أمن داخلي، موجات لجوء.
3) “تغيير النظام”
هذا هو خط الانقسام الأكبر:
واشنطن تلوّح أو تترك الانطباع بأنها لا تمانع “هندسة ما بعد النظام”.
باريس (وأحيانًا لندن بدرجة أقل) تخشى أن يفتح ذلك فوضى تاريخية جديدة.
ما الذي “يُقال بصوت منخفض”؟
إذا أردنا كشف المستور بشكل مهني:
المستور ليس مؤامرة… بل صفقة مصالح متضاربة:
أميركا تريد نهاية “مُسيطر عليها” تُثبت الردع.
فرنسا تريد نهاية “مُدارة سياسيًا” تمنع الفوضى.
بريطانيا تريد نهاية “تجمع الاثنين”: ردع مع مخرج دبلوماسي يحمي العلاقة الخاصة مع واشنطن ويحمي أوروبا.
خلاصة BETH
الخلاف الأوروبي–الأميركي هنا ليس صراعًا على “من مع من”، بل صراع على سؤال أخطر:
من يكتب نهاية الحرب… ومن يدفع فاتورتها؟