السعودية والأزمات عبر التاريخ .. بقيت المملكة واختفى خصومها

news image

 

كتب: عبدالله العميره

على مدى ما يقارب ثلاثة قرون، لم تكن الدولة السعودية “تجربة هادئة” في التاريخ، بل كانت مشروعًا يمرّ من اختبار إلى اختبار: حرب، حصار، سقوط، عودة، توحيد، ثم صعود دولة حديثة تواجه أزمات أمنية وسياسية واقتصادية وإعلامية—وتخرج منها غالبًا أكثر تماسكا.

هذه قراءة وعي: ما هي أكبر الأزمات؟ وكيف عبرتها السعودية؟ ولماذا يخطئ من يراهن على سقوطها؟

 

  أزمات التأسيس والوجود (الدولة السعودية الأولى 1744–1818)

أكبر اختبار: الحرب العثمانية، ووكلاء العثمانيين آنذاك في مصر، وانتهاء الدولة الأولى بسقوط الدرعية عام 1818. 
الدلالة: لم يكن السقوط نهاية الفكرة. لأن “الدولة” هنا لم تكن مجرد عاصمة، بل شرعية محلية، وتحالفات، وذاكرة سياسية—وهذا ما سمح بالعودة لاحقًا.

كيف تجاوزت السعودية منطق النهاية؟

إعادة إنتاج الشرعية في قلب المجتمع لا في قصر الحكم فقط.

استيعاب الصدمة ثم العودة بشكل مختلف، لا تكرارًا حرفيًا.

 

أزمات الانقسام والصراع الداخلي (الدولة السعودية الثانية 1824–1891)

أكبر اختبار: الصراع الطويل على النفوذ في نجد وانتهاء الدولة الثانية عام 1891 (ومن أشهر محطاته معركة المليداء). 
الدلالة: هنا لم تكن المشكلة “عدوًا خارجيًا” بقدر ما كانت “نزاعًا داخليًا” يستهلك الدولة من داخلها.

كيف تحوّل الانكسار إلى تمهيد للعودة؟

تعلّم قاسٍ: الدولة لا تُحفظ بالشجاعة وحدها، بل بإدارة الخلاف وتوحيد مركز القرار.

 

 أزمات التوحيد وبناء الدولة (من 1902 إلى 1932 وما بعدها)

أكبر اختبار داخلي: تمرد “الإخوان” وصدام الدولة الناشئة مع من أرادوا فرض مسار مختلف بالقوة، وصولًا إلى معركة السبلة 1929. 
الدلالة: الدولة الحديثة لا تستقيم إذا أصبح السلاح “فوق السياسة”، أو إذا تحوّل الحماس إلى مشروع تفجير داخلي.

كيف تجاوزت السعودية هذه اللحظة؟

حسم مبدأ: الدولة واحدة، والقرار واحد، والسلاح ليس سلطة موازية.

 

 أزمات الأمن الرمزي والصدمة الكبرى (1979)

أكبر اختبار: حادثة اقتحام المسجد الحرام عام 1979؛ أزمة أمنية “رمزية” من أعلى درجة لأنها تمس أقدس مكان. 
الدلالة: هنا التحدي لم يكن أمنيًا فقط، بل “وعيًا عامًا” و”ثقة” و”هيبة دولة”.

كيف أُطفئت النار دون كسر الدولة؟

إدارة الأزمة بوصفها “تهديدًا للكيان” لا حدثًا عابرًا.

حماية الثقة العامة عبر استعادة السيطرة سريعًا ومنع الفوضى.

 

 أزمات الإقليم والتحالفات (1990–1991)

أكبر اختبار: غزو الكويت، وتحول الخليج إلى ساحة تهديد مباشر، مع استدعاء ترتيبات دفاعية كبرى لحماية الأمن الوطني والإقليمي.
الدلالة: أزمات الجغرافيا لا تعترف بالنوايا؛ الدولة التي لا تُحسن قراءة محيطها تُفاجَأ.

كيف نجحت السعودية في عبور لحظة “الخطر الوجودي”؟

بناء تحالفات رادعة عند الضرورة.

تحويل التهديد إلى إعادة هندسة للأمن الإقليمي.

 

 أزمات الإرهاب وأمن الداخل (2003 وما بعدها)

أكبر اختبار: موجة هجمات تنظيم القاعدة داخل المملكة وبداية صراع أمني شديد التعقيد. 
الدلالة: الإرهاب ليس “خصمًا عسكريًا” فقط، بل خصم للثقة والاقتصاد والصورة.

كيف تم احتواء الخطر؟

بناء منظومة أمنية واستباقية ومراجعة مستمرة للأدوات.

ضرب الشبكات، لا الاكتفاء بملاحقة الأحداث.

 

 أزمات الطاقة والهجمات على المنشآت (نموذج 2019)

أكبر اختبار: استهداف منشآت نفطية كبرى يرفع حساسية السوق ويختبر قدرة الدولة على استمرار الإمداد وحماية البنية الحيوية. 
الدلالة: في دولة الطاقة، استهداف المنشآت هو استهداف “المكانة الدولية” لا الإنتاج وحده.

كيف تُواجه السعودية حرب الإشارة؟

سرعة الاستعادة والشفافية التشغيلية، لأن السوق يسعّر “الهلع” قبل الكميات.

 

لماذا فشلت “نبوءات سقوط السعودية” تاريخيًا؟

لأن الرهان كان غالبًا على لحظة الأزمة لا على ما بعدها.
خصوم السعودية—في كل مرحلة—قرأوا الحدث كـ “سقوط”، بينما كان يُقرأ داخل الدولة كـ “إعادة تموضع”:

تثبيت الشرعية عبر الدولة والمؤسسات.

بناء تحالفات عند الضرورة.

صلابة داخلية تمنع تحوّل الضربة إلى فوضى.

قدرة على تحويل الأزمة إلى تحديث في الأدوات.

 

قراءة في خطاب الخصوم

في كثير من الأزمات، لا يظهر الخصم الحقيقي في ساحة المواجهة المباشرة، بل يفضّل العمل عبر وكلاء يفتقرون إلى الجرأة على المواجهة الصريحة، ويعتمدون بدلًا من ذلك على خطاب إعلامي قائم على التهويل والتمنّي أكثر من اعتماده على قراءة واقعية لموازين القوة.

وتكشف بعض الأصوات الإعلامية المتطرفة — التي تبني توقعاتها على الخرافة أو على أمنيات سياسية غير قابلة للتحقق — عن حالة نفسية أكثر مما تعكس موقفًا استراتيجيًا حقيقيًا.

فحين يعلو صوت الانفعال على صوت العقل، ويتحوّل الخطاب إلى شعارات ورغبات لا إلى تحليل ومعرفة، يصبح ظهور هذه الأصوات مؤشرًا غير مباشر على ما يحاول صانعوها إخفاءه: القلق، وفقدان القدرة على التأثير الفعلي.

ولهذا قيل قديمًا:
«تُعرف أحوال القوم من أكثر أصواتهم اضطرابًا».

أو كما يقول المثل العربي الشعبي:
«خذ علوم القوم من سفهائهم»،
فكثيرًا ما يكشف الخطاب المنفلت ما تحاول الجهات التي تقف خلفه إخفاءه، إذ إن الأصوات الأعلى ضجيجًا غالبًا ما تفضح ما تعجز الخطابات الرسمية عن إعلانه.

في زمن الأزمات، لا يكشف الخصوم قوتهم بما يقولونه… بل بما يضطرون إلى قوله.

إيران والخصومة الممتدة: أين تقع “المرحلة الحالية”؟

حين يتحوّل نظامٌ ما إلى مصدر اضطراب دائم لجيرانه، فإن أكبر ما يخسره ليس المعركة… بل “القدرة على البقاء طبيعيًا” داخل الإقليم والعالم.
ومهما اختلفت التقديرات حول المسارات، فإن الحقيقة الأهم: الدول لا تسقط لأن خصومها تمنّوا سقوطها… بل حين تفقد توازن الداخل وتُرهق نفسها في صناعة الأعداء.

 

نصيحة ختامية

المملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من عمقٍ عربي وإسلامي، واستقرارٍ مؤسسي راسخ، وقوةٍ اقتصادية متنامية، وقدرات دفاعية متقدمة، ورؤية قيادية تستشرف المستقبل بثباتٍ وعقلانية — لم تكن يومًا عامل اضطراب، بل عنصر توازن واستقرار إقليمي ودولي.

وعبر التاريخ، أثبتت التجربة أن الشراكة مع المملكة تفتح آفاق التنمية والتعاون، بينما لم تجلب محاولات استهدافها أو الرهان على إضعافها سوى الخسارة لمن اختار طريق المواجهة.

فالسياسة قد تختلف، والمصالح قد تتباين، لكن حقيقة واحدة بقيت ثابتة:

الدول التي تبني مستقبلها بالتعاون تعيش…
أما المشاريع القائمة على العداء والصدام، فغالبًا ما تنتهي خارج حركة التاريخ.

__________
 

الصورة :

ثلاثة قرون من الأزمات .. ومسارٌ لم يتوقف نحو المستقبل.