تأخر الإعلام… أزمة الفهم

news image

 *كتب: عبدالله العميره

لم يعد التحدّي الحقيقي في الإعلام اليوم هو سرعة نقل الخبر، ولا تعدد المنصات، ولا حتى وفرة المعلومات.
العالم يعيش فائضًا غير مسبوق من الأخبار، لكنّه يعاني في المقابل نقصًا واضحًا في الفهم.

ما يحدث في المشهد الإعلامي العربي — على اتساعه — ليس أزمة أدوات، بل أزمة وظيفة. فالإعلام، في صورته السائدة، ما زال يؤدي أدوارًا تجاوزها الزمن، رغم تغيّر الجمهور وتسارع العالم.

الإعلام العربي غالبًا يقوم بثلاث مهمات تقليدية:
يشرح ما حدث بالأمس،
أو يلاحق ما يحدث الآن،
أو يعيد سرد الرواية ذاتها بصياغات مختلفة.

ونادرًا ما يسبق الفهم.

وسبق الفهم لا يعني التنبؤ، بل القدرة على تفسير الحدث قبل تضخّمه، وفهم أسبابه لا الاكتفاء بعرض نتائجه، والبحث عن الشرارة الأولى التي أشعلت الحريق بدل الاكتفاء بتصوير ألسنة اللهب.

في كثير من التغطيات الإخبارية، خصوصًا أثناء الحروب والكوارث، يتحول الإعلام إلى ناقلٍ للصورة الظاهرة فقط. الكاميرات تلاحق الدخان، والمراسلون يقفون أمام النيران، بينما يغيب السؤال الأهم: كيف اشتعلت؟ ولماذا؟ وكيف يمكن إخمادها؟

ومن واقع خبرة طويلة في المهنة، يمكن اختصار هذا الخلل بعبارة بسيطة:
إذا أردت ألا تُجهد نفسك في البحث عن الخبر، فأرسل بليدًا لتغطية النيران المشتعلة.

المشكلة هنا ليست في الحدث، بل في العقل التحريري الذي يدير التغطية. فبعض المؤسسات الإعلامية ما زالت تخاطب تصورًا قديمًا عن الجمهور، وكأن المشاهد لا يرى ولا يقارن ولا يفهم.

والحقيقة أن جمهور اليوم أكثر وعيًا واتصالًا بالعالم من كثير ممن يخاطبونه. وحين يُصرّ الإعلام على مخاطبة الفئة الأقل وعيًا فقط، فإنه لا ينزل إلى مستوى الجمهور ليرتقي به، بل ينحدر بالمحتوى إلى مزيد من التسطيح.

يتكرر الخبر ذاته، بالصياغة نفسها، وبالإخراج نفسه، وبالحوارات ذاتها التي لا تضيف معرفة ولا تفتح أفقًا جديدًا.. تتغير الديكورات، لكن الفكر التحريري يبقى ثابتًا. ومع الوقت، لا يفقد المشاهد اهتمامه فحسب، بل يفقد ثقته أيضًا.

يقال أحيانًا إن الإعلام لا يحلّ المشكلات، وهذا صحيح جزئيًا. فالإعلام ليس جهاز إدارة أزمات، لكنه شريك حقيقي في تشكيل مسارها. قد لا يصنع الحل، لكنه قادر على تضييق الأزمة أو توسيعها، على تهدئة الوعي أو إشعال الفوضى.

ولهذا، لم يعد السؤال اليوم: كم خبرًا بثثنا وكررنا؟
بل: ماذا أضفنا لفهم الناس؟

المفارقة أن كثيرًا من المشاهدين يجدون في القنوات الوثائقية والعلمية — مثل National Geographic أو BBC Earth — مستوى من الإتقان والعمق واحترام عقل المتلقي يفوق ما تقدمه بعض القنوات الإخبارية، رغم اختلاف طبيعة المحتوى. والسبب ليس نوع المادة، بل منهج تقديمها: اختيار واعٍ، سرد متماسك، وصناعة قصة تمنح المعرفة معنى.

الإعلام لم يعد مجرد نقلٍ للواقع، بل تفسير له. ولم يعد المشاهد يبحث عن الصورة وحدها، بل عن عقل يساعده على فهم ما وراءها.

العالم يتغيّر بسرعة، والأحداث تتعقّد، والجمهور يتقدّم معرفيًا. أما الإعلام الذي يكتفي بالملاحقة والتكرار، فإنه يخاطر بأن يصبح جزءًا من الضجيج لا مصدرًا للفهم.

وفي زمن تتدفق فيه الأخبار بلا توقف، قد لا يكون الإعلام الأكثر تأثيرًا هو الأسرع، بل الأقدر على أن يسبق الفهم… قبل أن يسبق الحدث الجميع.

 

سبق الفهم

هل أصبح الإعلام منشغلًا بصناعة كبسولات سريعة مبهرة لنا، نظن أنها تبهر الآخرين عند دفعها إلى منصات المجتمع؟

أم في تكرار عرض نيران الحروب، ونقل شرر البؤر الملتهبة دون بحثٍ عمّن أشعلها أو كيف يمكن إخمادها؟

أم في حديثٍ ذاتي نظن أنه يرضي الجمهور، بينما لم نعد نصغي إليه فعلًا؟

أم في إرسال رسائل إلى جمهورٍ لم ندرسه، ولم نفهم احتياجاته وتحولاته؟

أم في بثّ محتوى بلا رصدٍ حقيقي للأثر… ولا معرفةٍ بالتأثير؟

* مدير وكالة بث – رئيس التحرير