قادة المعنى
كتب: عبدالله العميره
في مسيرة العمل الإعلامي، لا تصنع التجربة وحدها الوعي،
ولا تكفي الموهبة لتأسيس معنى مهني طويل الأثر.
ما يصنع الفرق حقًا هو الالتقاء النادر بين:
قادة يفهمون الإعلام بوصفه مشروعًا وطنيًا للوعي،
ومهنيين يتعاملون مع الصحافة والتلفزيون باعتبارهما مسؤولية لا وظيفة.
في محطات مبكرة من حياتي الصحفية، كان لي شرف التتلمذ – بالمعنى المهني العميق – على أيدي شخصيات شكّلت فهمي للإعلام بوصفه صناعة عقل، لا مجرد إنتاج محتوى.
محطات شكّلت الوعي
الأستاذ تركي السديري – رحمه الله
رئيس تحرير صحيفة الرياض،
فتح لي أفق الصحافة، ومنحني فرصة ممارسة العمل الصحفي في واحدة من أكبر الصحف العربية في ذلك الوقت.
عملت في «الرياض» قرابة خمسةٍ وعشرين عامًا، وكانت تلك السنوات مدرسة يومية في معنى المهنية والانضباط والتحرير المسؤول.
الأستاذ محمد العمر
المدير التنفيذي السابق للشركة السعودية للنشر المتخصص في المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق.
كان بالنسبة لي ثلاثة رؤساء تحرير في شخصٍ واحد:
مهنيًا صارمًا، إداريًا دقيقًا، وصاحب رؤية واضحة لمعنى الصحافة السعودية في سياق عالمي.
منه تعلّمت أن الصحافة ليست “حرفة يومية” بل نظام عمل، وإدارة معنى، وقياس أثر.
كنت أقول عنه:
هكذا يكون قادة الإعلام… وإلا فلا.
الدكتور محمد باريان
من الكفاءات النادرة في الإعلام المرئي السعودي.
حين كان مديرًا لقناة الإخبارية في بدايات تأسيسها، منحني ثقة غير محدودة لتقديم برامج مباشرة على الهواء.
إداري قارئ للمستقبل، صادق في الوعد، مباشر في القرار، ويؤمن بأن أي مشروع تلفزيوني يجب أن يُبنى على تحليل عميق قبل التنفيذ، لا على ردّ فعل لحظي.
من التجربة إلى المنهج
هذه التجارب لم تبقَ في إطار الامتنان الشخصي،
بل أعادت تشكيل فهمي لما أسميه اليوم:
المعادلة الصحفية الفاعلة.
كنت أرى المعادلة التقليدية:
الرسالة – الوسيلة – الهدف
معادلة ناقصة لا تصنع أثرًا طويل المدى.
ومع الوقت، وفي إدارة وكالة «بث» للأنباء، تبلورت معادلة أوسع:
الرسالة – الوسيلة – دراسة الحالة – التحليل – الرصد – قياس الأثر والتأثير.
الإعلام ليس ما يُقال فقط،
بل ما يتركه القول في وعي الجمهور بعد أن يهدأ الضجيج.
نقد المشهد: أين يختل الميزان؟
الإعلام يفشل حين:
لا يرسم استراتيجية واضحة.
ولا يحدد هدفًا معرفيًا.
ويتولى إدارته من لا يملك قرارًا، أو لا يفي بالكلمة.
ويستبدل الخبرات بالسطحية، ويسمّي التافهين “مؤثرين”.
السؤال الأهم:
من هو المؤثر؟
وهل التأثير عدد متابعين… أم تغيير طريقة تفكير؟
قوة الإعلام الناعمة لا تُبنى بوجوه فارغة،
بل بعقول تعرف كيف تصوغ معنى الدولة، ووعي المجتمع، وصورة الوطن في العالم.
بين الصحافة والتلفزيون: معنى واحد
الصحافة والتلفزيون ليسا وسيلتين متنافستين،
بل مساران لمعنى واحد:
إنتاج وعي عام مسؤول.
الخلل لا يكمن في الأداة،
بل في من يديرها،
وفي غياب المشروع التحريري الذي يعرف:
لماذا يتكلم؟
ولمن؟
وبأي أثرٍ مستقبلي؟
اعتراف بدور المناخ المؤسسي
ولا يمكن أن أنسى:
معالي وزير الإعلام الأسبق الدكتور عبدالعزيز خوجه،
ومعالي الدكتور عبدالرحمن الهزّاع، رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون بالمملكة سابقًا،
والمدير العام الحالي لجهاز إذاعة وتلفزيون الخليج.
كان لدورهما أثرٌ مهم في مراحل مفصلية من المسيرة،
وفي توفير مناخٍ داعمٍ أسهم في انطلاقة وكالة «بث» وتشكّل ملامحها الأولى.
الدعم المؤسسي الواعي لا يصنع فرصةً عابرة،
بل يؤسس لمسارٍ طويل الأثر حين يقترن بإيمان حقيقي بقيمة الإعلام المهني.
خلاصة الوعي
مثل هؤلاء القادة والمؤثرين الحقيقيين
هم من يجب أن يكونوا مرجعية الذاكرة الإعلامية:
الأموات منهم: يجب أن يبقوا أحياء بسيرتهم وأثرهم.
والأحياء: يجب أن يكونوا في صدارة المشهد لا على هامشه.
الإعلام لا يتطور إلا بـ:
خبرات ناضجة + شغف شباب واعٍ + إدارة تفهم أن التأثير مشروع طويل النفس.
أما الإعلام الذي يدار بالارتجال،
ويُبنى على الضجيج،
ويُسلم واجهته للسطحية…
فهو إعلام بلا قوة ناعمة، وبلا أثر حضاري.
الخاتمة
أولئك العمالقة في الإعلام ليسوا مجرد أسماء مرّت في مسيرتي، بل شخصيات مؤثرة في حياتي المهنية وحياة كثيرين.
بعضهم ما زال على رأس العمل، لكن في مواقع أقلّ مما يستحقون،
وبعضهم أُخرج من المشهد الإعلامي عن سبق ترصّد، وبإصرارٍ على التهميش والإقصاء.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
لماذا يحدث هذا؟
وليس الأمر مقتصرًا على هؤلاء وحدهم؛
فهناك شخصيات أخرى تركت أثرًا إيجابيًا عميقًا في حياتي،
ربما يأتي يوم أذكر أسماءها ،
وربما يأتي يوم تُكشف فيه أسماء من ترصّدوا، وأسباب هذا الترصّد،
ليس بدافع الانتقام، بل بدافع الفهم… والتوثيق.
على أي حال،
كل هذه التجارب – الإيجابية منها والسلبية – لم تكن يومًا سببًا للتراجع،
بل كانت دافعًا لمواصلة الطريق بجدّ أكبر، ووعي أعمق، وإصرار أشد.
هي تجارب يمرّ بها كثيرون، ولها مثيلاتها في دروب المهنة… فلا بأس.
وكما قال زميل خبير لزملاء المهنة من المهنيين المثقفين:
«واصلوا الطريق… ففي النهاية لا يصحّ إلا الصحيح،
أمّا الزيف، فمصيره مزبلة التاريخ».
ولا الأموال،
ولا فبركة المؤامرات،
ولا تضخيم الواجهات،
تستطيع أن تُنقذ إعلامًا بلا مشروع،
ولا قيادة بلا معنى.
الإعلام ليس مرآة للحدث فقط،
بل مرآة لوعي من يصنع الحدث سرديًا.
وحين نفشل في اختيار من يقود المعنى،
لا يفشل الإعلام وحده…
يفشل الوعي العام.
__________
كيف تُقرأ هذه الفكرة؟
هذه ليست “مقال ذكريات” كما قد يتوهّم البعض،
بل كُتبت لتكون وثيقة وعي إعلامي:
تربط التجربة الشخصية ببناء فلسفة تحريرية،
وتحوّل الامتنان للأشخاص إلى منهج تفكير في معنى القيادة الإعلامية والتأثير الحقيقي.
هي ليست سردًا لأسماء،
بل قراءة في أسئلة جوهرية:
كيف يُصنع القائد الإعلامي؟
كيف تتشكّل المدرسة المهنية؟
ولماذا يفشل الإعلام حين تُدار واجهته بلا مشروع؟
هذا مستوى مختلف عن المقالات الانطباعية أو النوستالجيا الصحفية.
المنهج في هذا النص يتنقّل من:
الأشخاص → إلى المنهج → إلى نقد بنيوي للمشهد الإعلامي.
وقد جرى تجنّب جلد الذات أو تقديم تبريرات رسمية،
لصالح قراءة مهنية هادئة تسعى لأن يُعاد الرجوع إلى هذا النص بعد سنوات،
كمرجع لفهم:
“كيف فكّر جيلٌ من الصحفيين حين حاول بناء إعلام واعٍ”.
لم يُقدَّم الحنين بوصفه قيمة،
بل قُدِّم النقد بوصفه وعيًا.
ولم يكن الاشتباك مع أشخاص،
بل مع منظومة إدارة الإعلام حين تُدار بلا مشروع واضح.
ينقل النص القارئ من سؤال:
من هم القادة؟
إلى سؤال أعمق:
لماذا نفتقد القادة في المشهد اليوم؟
كيف قد يُستقبل هذا النص؟
1) لدى الإعلامي المهني الواعي
سيقرأه كنصّ صادق، مؤلم أحيانًا، ومحفّز لإعادة التفكير في دوره الحقيقي.
2) لدى صانع القرار الإعلامي
قد يزعجه قليلًا،
لأنه يضع إصبعًا على الجرح:
المشكلة ليست في الأدوات… بل في من يدير المعنى.
3) لدى الجيل الجديد
قد يكون نقطة وعي مبكرة:
أن الإعلام ليس “ظهورًا” بل “أثرًا”.
4) لدى إعلام الضجيج
غالبًا سيُتجاهل،
لأنه لا يُستخدم كـ “ترند”، ولا يُقتطع في مقطع من 15 ثانية.
سؤال مفتوح
هل ما يُقدَّم اليوم يُسمّى إعلامًا؟
أم أننا نخلط بين الصوت العالي والمعنى العالي؟