حين تتحوّل الكتابة إلى مشروع إدراك

news image

قراءة في تجربة عبدالله العميرة الكتابية
إعداد وتحليل | BETH

مقدمة شاملة

ليست كل الكتب مشاريع وعي، وليست كل التجارب الشخصية قابلة للتحوّل إلى أسئلة عامة تمسّ عقل القارئ. بعض المؤلفين يكتبون ليروا أنفسهم على الورق، وقلة يكتبون ليضعوا القارئ أمام مرآته. في هذا الفارق الدقيق تتشكل قيمة التجربة الكتابية حين تتحوّل من سردٍ ذاتي إلى أداة إدراك.

في تجربة عبدالله العميرة، لا تبدو الكتابة فعلاً أدبيًا منفصلًا عن الواقع، بل امتدادًا لمهنة الصحافة حين تتجاوز الخبر إلى تفكيك الوعي: وعي الذات، ووعي الآخر، ووعي الصورة التي تُصنع عنّا في الخارج. هنا، تتقاطع اليوميات مع البحث الإعلامي مع الرواية، لا بوصفها أجناسًا أدبية متباعدة، بل كمسارات مختلفة لسؤال واحد:
كيف يتشكّل الوعي؟ وكيف يُغَيَّب؟

 

التحليل: ثلاثة مسارات.. وسؤال واحد

1) يوميات سعودي في القاهرة | أدب السير بوصفه وعيًا ثقافيًا

في هذا العمل، تتحوّل التجربة الشخصية إلى وثيقة ثقافية. ليست القاهرة هنا مجرد مكان، بل مرآة يرى الكاتب عبرها ذاته، ويرى القارئ عبرها صورة العربي في فضاء عربي آخر. اليوميات لا تُقدَّم بوصفها حكايات سفر، بل كاختبار حيّ للفروق الدقيقة بين المجتمعات، وتقاطعات الهوية، واللغة، والتفاصيل اليومية التي تصنع وعي الإنسان دون أن ينتبه.

هذا النوع من الكتابة يخدم الوعي بطريقتين:

يحرّر القارئ من الأحكام المسبقة عن “الآخر العربي”.

ويحوّل التجربة الفردية إلى سؤال جماعي عن الفهم المتبادل داخل الفضاء العربي نفسه.

2) العرب والإعلام الغربي | بحث أكاديمي بصياغة صحفية

هنا ينتقل المؤلف من التجربة الذاتية إلى تفكيك الصورة الكبرى. الكتاب لا يكتفي بوصف كيفية تغطية الإعلام الغربي للأحداث العربية، بل يلامس بنية السرد الإعلامي ذاتها: من يملك القصة؟ ومن يحرّك الصورة؟ ومن يُختزل في مشهد واحد؟

الميزة في هذا العمل أنه يقدّم مادة بحثية بلغة صحفية، ما يجعله جسرًا بين الأكاديميا والجمهور العام. إنه كتاب يُدرّب القارئ على الشك الصحي في الرواية الجاهزة، وعلى قراءة الخبر لا بوصفه “حقيقة نهائية”، بل كمنتج سردي يخضع لسياسات التحرير، والتموضع السياسي، ومصالح القوة الناعمة.

3) المغيبون | الرواية كتشريح لغياب الوعي

في “المغيبون”، لا يعود الغياب توصيفًا اجتماعيًا فقط، بل حالة وعي معطّلة: مغيَّب في المنفّذ، ومغيَّب في المحقّق، وقضية تظلّ معلّقة لأن العقل ذاته لم يُمنح حق السؤال. الرواية هنا تؤدي وظيفة لا تستطيع المقالة الصحفية أداؤها بذات العمق: الغوص في المنطقة الرمادية بين الجاني والضحية، وبين الحقيقة والرواية الرسمية.

الرواية تُعيد طرح سؤال الوعي من زاوية نفسية وأخلاقية:
هل الغياب ناتج عن قمع خارجي فقط؟ أم عن استسلام داخلي لكسل التفكير؟

 

الربط بالوعي: خيط واحد في ثلاثة أنماط

ما يجمع هذه الأعمال ليس الموضوع، بل الوظيفة:

اليوميات تصنع وعيًا ثقافيًا بالآخر القريب.

البحث الإعلامي يصنع وعيًا نقديًا بالرواية البعيدة.

الرواية تصنع وعيًا أخلاقيًا بغياب الإنسان داخل المنظومة.

بهذا المعنى، لا تبدو كتب عبدالله العميرة مشاريع متفرقة، بل فصولًا في مسار واحد:
مسار تحويل التجربة الصحفية من نقل الواقع إلى مساءلته.

 

الكاتب والمشروع المستمر

عبدالله العميرة، مدير وكالة بث ورئيس تحريرها، لا يقدّم هذه الأعمال من موقع الكاتب المنعزل عن الميدان، بل من قلب التجربة الصحفية نفسها. واليوم، وهو يجهّز كتابه الجديد:

«تجارب.. في مواجهة التحديات
مواقف صنعت مسيرتي الصحفية»

يبدو المشروع ممتدًا:
من تفكيك صورة الآخر، إلى تفكيك صورة الذات المهنية، في محاولة لإعادة تعريف معنى أن تكون صحفيًا في زمن تضخّم الخبر وتضاءل الفهم.

قريبًا | كتاب «تجارب.. في مواجهة التحديات»
ليس هذا الكتاب سيرة ذاتية تقليدية، ولا عرضًا لإنجازات، بل تفكيكٌ هادئ لتجارب مهنية شكّلت مسيرة صحفية على مدى أربعة عقود. يقدّم عبدالله العميرة قراءته للمواقف التي صنعت قراراته، وللأخطاء التي صنعت وعيه، وللتحديات التي صقلت فهمه للمهنة، بوصفها دروسًا في المواجهة لا حكايات في النجاح.
تجارب لا تُقدَّم كإنجازات… بل كدروس في المواجهة.

خاتمة

في زمنٍ تكثر فيه الأصوات وتقلّ فيه الأسئلة الجادة، تكتسب مثل هذه التجارب قيمتها ليس بما تقوله فقط، بل بما توقظه في عقل القارئ. هنا لا تكون الكتابة ترفًا ثقافيًا، بل ممارسة وعي، ومسؤولية تحريرية تتجاوز الخبر إلى الإنسان.