لماذا يختلف المسلمون في بداية رمضان؟
وحدة الشعيرة… لا وحدة الساعة
متابعة وتفسير | BETH
الرياض – 29 شعبان 1447هـ الموافق 17 فبراير 2026م
يشهد العالم الإسلامي في كل عام تباينًا في إعلان بداية شهر رمضان،
وفي هذا العام أعلنت دول عدة بدء الصيام يوم الأربعاء، فيما بدأت أخرى يوم الخميس،
في مشهدٍ يتكرر سنويًا ويثير تساؤلات لدى المسلمين،
ويستوقف أيضًا مجتمعات غير مسلمة حول أسباب هذا الاختلاف في توقيت عبادة واحدة داخل أمة واحدة.
كيف تُحدَّد بداية رمضان؟
تعتمد غالبية الدول الإسلامية على إثبات رؤية الهلال لإعلان دخول شهر رمضان، امتثالًا للحديث النبوي الشريف:
«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».
وبينما تثبت الرؤية في بعض البلدان، لا تُثبت في أخرى في الليلة نفسها، إمّا لاختلاف ظروف الرصد أو لاختلاف المعايير المعتمدة بين الرؤية البصرية المباشرة والحسابات الفلكية المساندة.
الفقه الإسلامي… مساحة اجتهاد منضبط
يُلاحظ أن هذا التباين قد يُفهم خارج السياق الديني الإسلامي بوصفه تناقضًا،
بينما هو في حقيقته امتداد لاجتهاد فقهي منضبط داخل منظومة تشريعية واحدة.
اتفق جمهور العلماء على أن الرؤية هي الأساس الشرعي لإثبات دخول الشهر،
غير أن الفقهاء اختلفوا في بعض التفاصيل الإجرائية المرتبطة بما يُعرف بـ “يوم الشك”، وفق مدارس فقهية معتبرة:
من ربطه بوجود حديث عن رؤية لم تثبت بشهادة معتبرة.
من قيده بحالة تعذّر الرؤية بسبب الغيم أو العوامل الجوية.
من ربطه بانتشار خبر الرؤية دون تحققها.
ومن اعتبر اليوم الثلاثين من شعبان يوم شك إذا لم تثبت الرؤية.
ويُنظر إلى هذا الاختلاف بوصفه تنوعًا فقهيًا مشروعًا لا يمس أصل العبادة، بل يعكس مرونة الشريعة في التعامل مع اختلاف البيئات وتباين المطالع.
وحدة التوقيت في الحج… فلماذا لا تتكرر في الصيام؟
يوحّد الإسلام الزمان والمكان في ركن الحج، لأن العبادة مرتبطة بموقع جغرافي واحد (مكة المكرمة والمشاعر المقدسة)،
فتتوحّد الشعيرة عالميًا في زمان ومكان محددين.
أما الصيام، فهو عبادة زمنية تُؤدّى في مختلف بقاع الأرض،
ويخضع تحديد بدايته لاختلاف المطالع القمرية بحسب الموقع الجغرافي،
ما يجعل اختلاف بدايات الشهور أمرًا متسقًا مع طبيعة العبادة ومنهج التشريع.
هل يمكن توحيد بداية رمضان عالميًا؟
تقنيًا، تسمح الحسابات الفلكية الحديثة بتحديد ولادة الهلال بدقة عالية على مستوى العالم.
لكن من الناحية الشرعية، لا يزال الاتجاه الغالب في العالم الإسلامي يربط الحكم بثبوت الرؤية أو تحققها شرعًا،
مع الاستفادة من الحساب الفلكي في نفي الخطأ أو الترجيح عند التعارض، دون أن يتحول إلى بديل كامل عن الرؤية.
وبذلك يبقى توحيد بداية الصيام ممكنًا تقنيًا،
لكنه غير مُلزِم شرعًا ما دام النص النبوي قد جعل الرؤية مناط الحكم.
زاوية BETH | وحدة المعنى قبل وحدة التوقيت
لا تُقاس وحدة المسلمين بتطابق التواريخ بقدر ما تُقاس بوحدة المقصد والمعنى.
فالصيام تجربة روحية جماعية يعيشها المسلمون في سياقات جغرافية وثقافية متعددة،
ضمن إطار تشريعي واحد، حتى وإن اختلفت بداياته الزمنية.
الرسالة الأعمق:
وحدة المسلمين ليست في أن يبدأوا الصيام في اليوم نفسه،
بل في أن يصوموا للغرض نفسه:
تزكية النفس، وتعزيز التقوى، وترسيخ قيم التراحم والتكافل.
الخلاصة
الحج توحّد توقيته لأن المكان واحد.
الصيام يختلف توقيته لاختلاف المطالع.
الإسلام حدّد المنهج (الرؤية)، وترك آلية التطبيق لاجتهاد العلماء والواقع الجغرافي.
وحدة الشعيرة… لا وحدة الساعة.
الإسلام و التقويم الهجري
يعتمد الإسلام في عباداته الزمنية على التقويم الهجري القمري، وهو تقويم يقوم على دورة القمر حول الأرض، حيث يبدأ كل شهر برؤية الهلال.
وبخلاف التقويم الميلادي الشمسي المستخدم عالميًا في الشؤون المدنية والاقتصادية، فإن التقويم الهجري مرتبط مباشرةً بمواقيت العبادات الكبرى مثل الصلاة ، والزكاة في نهاية رمضان، والصيام والحج .
هذا الارتباط ليس تقنيًا بحتًا، بل يحمل دلالة دينية وثقافية:
فالزمن في الإسلام ليس مجرد إطار حسابي، بل جزء من منظومة العبادة والهوية، حيث تتحرّك الشعائر مع الفصول والسنوات، فيعيش المسلمون رمضان والحج عبر ظروف مناخية مختلفة على مرّ الزمن، بما يعزّز البعد الإنساني المشترك للتجربة الدينية.
كما أن الاعتماد على التقويم القمري، القائم على الرؤية أو ثبوتها، يجعل تحديد بدايات الشهور مرتبطًا بالواقع الطبيعي والمشاهدة، لا بالتجريد الحسابي وحده، وهو ما يفسّر استمرار حضور مسألة “رؤية الهلال” في النقاشات الدينية المعاصرة، حتى في عصر الدقة الفلكية العالية.