متغيرات البروباغندا
كتب: عبدالله العميره
المشهد
الإعلام العالمي يتغيّر يوميًا، لا لأن “الأحداث” تتبدّل فقط، بل لأن آليات التأثير نفسها تتطوّر:
الدعاية والدعاية المضادّة، الشائعة، الرسائل الإلكترونية، الحسابات الوهمية، المحتوى القصير، وحروب “الإيحاء” بدل التصريح… كلها تتحرّك وفق منطق جديد: التأثير الصامت.
لم تعد الحملات الإلكترونية المباشرة مجدية بذات الخطاب التقليدي؛ لأن الجمهور تغيّر، والمنصات تغيّرت، والأهم: لأن الذكاء الاصطناعي نقل الدعاية من “ضجيج” إلى “هندسة”.
من “الهياط” العشوائي… إلى الرسائل الممنهجة
لم تعد الدعاية تُقاس بعلوّ الصوت ولا بسطوع الصورة، بل بدقّة الخوارزمية التي تقود الرسالة:
من يُخاطَب؟
متى؟
كيف؟
وبأي حمولة نفسية وسردية تستند إلى علم النفس الإعلامي؟
الهياط: تعريفٌ وظيفي (لا أخلاقي فقط)
في السياق الاجتماعي، “الهياط” هو سلوك يقوم على المبالغة والتفاخر والمجازفة بهدف لفت الانتباه، وغالبًا يرتبط بآلية تعويض نفسي عن نقص الثقة أو الشعور بالدونية.
لكن في المجال الإعلامي، الأخطر أنه يتحوّل إلى: أسلوب تأثير بدائي يعتمد على الضجيج بدل الإقناع.
لماذا انتهى “الهياط” كأداة دعائية؟
لأن الدعاية الحديثة لم تعد تبحث عن “الإحراج”، بل عن:
تغيير الإدراك تدريجيًا
تفكيك الثقة بدل إسقاط الخصم مباشرة
توجيه السلوك لا “إثارة الغضب” فقط
تضليل قابل للتصديق لا صراخ قابل للكشف
التحليل العميق: كيف تغيّرت البروباغندا فعليًا؟
1) من خطاب جماهيري إلى “استهداف فردي”
الدعاية القديمة كانت “بيانًا للجميع”.
اليوم هي رسالة مصممة لشخص بعينه: اهتماماته، مخاوفه، طباعه، وتحيزاته.
وهنا تصبح الدعاية: تسويقًا نفسيًا سياسيًا.
2) من “الكذبة الكبيرة” إلى “نصف حقيقة قابلة للانتشار”
الأكذوبة الصريحة تُسقط صاحبها بسرعة.
لكن نصف الحقيقة تعيش طويلًا لأنها:
تُشبه الواقع
تُركّب على حدث حقيقي
وتسمح للمتلقي أن “يكملها” بذهنه
3) من الضجيج إلى “التسلل الهادئ”
الحملات الحديثة لا تحتاج هاشتاق يومين…
بل تحتاج تكرارًا منخفض الصوت لمدة أسابيع، حتى يصبح الفكرة “عادية”.
4) من الذباب إلى “جيوش سرديات”
لم يعد الذباب الإلكتروني مجرد حسابات تردّ وتهاجم؛
بل تحوّل إلى “جيوش سرديات” تُدار عبر:
قصص قصيرة
نكات مُشفّرة
مقاطع مرئية
اقتباسات مُنتقاة
ورسائل مصاغة بصيغة خبرية
تُغلَّف بحمولة عاطفية “إنسانية” تسبق الرسالة السياسية،
ويصنعها اليوم مختصّون في السرد والتأثير الرقمي—لا حسابات عشوائية جاهلة تُطلق الرسائل كيفما اتفق، بما يُضعف الأثر طويل المدى بدل ترسيخه.
الذكاء الاصطناعي… ماذا فعل بالدعاية؟
الذكاء الاصطناعي لم يرفع سرعة إنتاج المحتوى فقط؛ بل غيّر طبيعة المعركة:
تصنيع روايات متعددة للحادثة الواحدة حسب الجمهور
أتمتة الإقناع: ردود فورية “تبدو بشرية”
تشغيل حملات اختبار A/B لمعرفة أي صياغة تؤثر أكثر
التشتيت المقصود عبر ضخ محتوى رمادي يستهلك الانتباه
تزييف الثقة: حسابات تبدو مؤسسات، ومؤسسات تبدو أفرادًا
الخلاصة:
الدعاية صارت نظامًا، لا حملة.
المشكلة الأخطر: اختلاط “العدائي” بين الداخل والخارج
حين تختلط الرسائل العدائية بين:
محتوى داخلي سطحي يُضعف الصورة ويشوّش الرسالة
ومحتوى خارجي يستثمر هذا التشويش
تتحول بعض المنصات الداخلية (دون قصد) إلى مواد خام لمن يهاجمونك.
مثال واقعي دالّ
اتصال هاتفي من جهة ادّعت أنها شركة تشغيل أموال في الولايات المتحدة، عرضت اشتراكًا بمبلغ صغير مقابل عائد ضخم سريع. وحين سُئلت عن سبب اعتقادها بإمكانية تمرير العرض، كان جوابها صادمًا:
“أنتم من يصنع هذه الصورة عن أنفسكم عبر بعض ما يُعرض ويُكتب.”
الرسالة هنا ليست عن المكالمة… بل عن:
كيف تتحوّل بعض المنتجات الإعلامية السطحية إلى دليل اتهام ضد المجتمع نفسه.
سؤال محوري
إذا كانت الدعاية اليوم تُدار كـ”هندسة إدراك”…
فهل ما زلنا نواجهها بعقلية “ردّ اعتبار”؟
أم بعقلية “نظام حماية وعي”؟
ما المطلوب الآن؟
ليس المطلوب المزيد من الصرف… بل تغيير نموذج الإدارة:
1) الانتقال من “حملات” إلى “منظومة تأثير”
منظومة تشمل: رصد + تحليل + بناء سرديات + توزيع ذكي + قياس أثر.
2) إنشاء وحدة “دفاع إدراكي”
وظيفتها ليست الرد، بل:
كشف السرديات قبل انتشارها
تفكيكها بصياغة عقلانية
إنتاج سردية بديلة قابلة للتصديق
3) ضبط “الداخل” قبل مطاردة “الخارج”
أي سياسة إعلامية لا تراقب منتجاتها الداخلية، ستدفع ثمنها خارجيًا.
4) قياس الأثر بدل قياس الضجيج
عدد المشاهدات لا يعني تأثيرًا.
المؤشر الحقيقي:
هل تغيّر فهم الجمهور؟
هل زادت الثقة؟
هل تراجع الالتباس؟
هل قلّت قابلية تصديق الشائعات؟
5) تدريب جيل “مديري سرديات” لا “صنّاع محتوى” فارغ فقط
المعركة ليست على الفيديو…
بل على الزاوية، السياق، التوقيت، والبوصلة.
مؤشرات سريعة
تحوّل الدعاية إلى هندسة ممنهجة: مرتفع جدًا
خطورة التشويش الداخلي على الصورة الخارجية: مرتفعة
جدوى الحملات المباشرة التقليدية: منخفضة
أهمية الرصد والتحليل وقياس الأثر: حتمية
ما ليست الدعاية؟ (تفكيك الأوهام الشائعة)
الدعاية ليست كنس الأخبار وتجميعها، ثم إعادة تصديرها بلا فلترة ولا تحليل.
وليست إنتاج “برومات” لامعة تُنشر في وسائل الإعلام العالمية كيفما اتّفق، بلا سياق ولا هدف استراتيجي.
الدعاية ليست رصدًا بلا قياس، ولا حضورًا بلا أثر.
وليست تبجيلًا للذات من دون فهمٍ لعقلية المتلقّي، ولا تكرارًا للرسائل من دون اختبار صداها في الوعي العام.
الدعاية ليست متابعة ردود الفعل فقط… بل صناعة فعلٍ يُحدث فرقًا.
الدعاية الفاعلة اليوم هي:
صياغة رسالة، بناء سردية، اختبار أثر، ثم إعادة ضبط المسار بناءً على ما يحدث في عقول الناس، لا على ما يُقال في غرف الاجتماعات.
خاتمة
المشكلة ليست أن الدعاية أصبحت أقوى…
بل أن بعضنا ما زال يواجهها بأدوات أضعف من زمنها.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الحرب على الوعي تُخاض بالصوت العالي،
بل بالرسالة الدقيقة، والتوقيت الصحيح، والمنهج القابل للقياس.
ومن لا يعيد رسم استراتيجيته… سيظل يردّ على حرائق لا يعرف؛ بالضبط من أشعلها.
الانتقال من الخطة القديمة إلى الأحدث لم يعد خيارًا تجميليًا بل ضرورة استراتيجية، كما أن تجديد الأدوات دون تجديد صُنّاعها يبقي النتائج رهينة الماضي؛ فالتغيير في الصنّاع… ضرورة بقدر التغيير في المنهج.