أوديسا بلا كهرباء
عندما تتحوّل الطاقة إلى سلاح
Odesa | BETH – 12 Feb 2026
قراءة استراتيجية في استهداف البنية التحتية
المشهد
تعرضت مدينة أوديسا الأوكرانية لانقطاع واسع في الكهرباء والمياه عقب هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منظومة الطاقة. الأثر لم يكن عسكريًا مباشرًا بقدر ما كان إنسانيًا ومعيشيًا: مدينة ساحلية محورية تُختبر قدرتها على الصمود في ذروة الشتاء.
ما الذي حدث؟
استهداف مركز في منظومة الطاقة أدى إلى تعطّل خدمات أساسية تشمل الكهرباء والمياه والتدفئة، ما فرض ضغطًا يوميًا مباشرًا على السكان، واختبر قدرة السلطات المحلية على الاستجابة السريعة وإعادة تشغيل الشبكات الحيوية.
هل هذه استراتيجية جديدة؟
استهداف الطاقة والبنية التحتية ليس جديدًا في الحروب الحديثة؛ فقد استُخدم تاريخيًا لكسر القدرة على الإنتاج وإضعاف المعنويات. الجديد اليوم هو دقة الأدوات، وسرعة الوتيرة، وتوقيت الضربات نفسيًا، حيث انتقل من منطق “تدمير القدرة القتالية” إلى تجفيف الحياة اليومية عبر ضرب الكهرباء والمياه والدفء.
خطة متكررة أم استراتيجية واعية؟
ما يجري ليس ضربة معزولة، بل جزء من منهج استنزاف طويل النفس يُعرف عمليًا بـ:
حرب البنية التحتية + حرب المعنويات.
الهدف لا يتمثل في حسم عسكري فوري، بل في إنهاك المجتمع، وخلق ضغط داخلي على القرار السياسي، وتحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى عبء نفسي دائم.
كيف سيُقرأ عالميًا؟
أوروبيًا: عودة “حرب البنية التحتية” إلى واجهة القلق العام، مع تبعات إنسانية وضغط سياسي داخلي.
غربيًا: تأكيد أن الصراع لم يتحول إلى نزاع منخفض الكلفة، بل ما زال قادرًا على قلب المزاج العام عبر صور الحياة اليومية المعطّلة.
اقتصاديًا وتأمينيًا: كل مساس بالطاقة أو الموانئ يرفع علاوة المخاطر على سلاسل الإمداد، حتى قبل انعكاسه على الأسعار.
هل تُنهي هذه الاستراتيجية الحروب؟
تاريخيًا، نادراً ما تؤدي ضربات البنية التحتية إلى استسلام ينهي الحرب.
غالبًا ما تُغيّر شكل الصراع أكثر مما تُنهيه:
قد تُنتج التفافًا مجتمعيًا حول القيادة بدل تفككه.
تُسهم في تدويل الصراع أخلاقيًا عبر استدعاء التعاطف والدعم الدولي.
تُطيل أمد المواجهة عبر تعميق الكلفة النفسية وتراكم مشاعر الثأر السياسي.
ولا تنجح هذه الاستراتيجية إلا في حالات نادرة تتوافر فيها شروط استثنائية (مجتمع بلا دعم خارجي، قيادة منقسمة، ضغط اقتصادي خانق بلا بدائل)، وهي شروط يصعب تحققها في النزاعات الكبرى اليوم.
ماذا يعني ذلك للمستقبل؟
حرب المعنويات: الكهرباء والماء باتتا أدوات ضغط نفسي واجتماعي، لا أهدافًا تكتيكية فقط.
الشتاء كسلاح: المناخ يضاعف أثر الضربة ويحوّل الأعطال إلى أزمات رأي عام.
أوديسا كرمز: مدينة ميناء تعني سيادة ولوجستيات وصورة دولة؛ استهدافها رسالة تتجاوز الجغرافيا.
مؤشرات BETH (سريعة)
التصعيد: مرتفع (استهداف خدمات أساسية لسكان مدنيين).
التأثير العالمي: متوسط–مرتفع (إنساني/سياسي/سوقي).
صناعة الرواية: مرتفعة جدًا (صورة مدينة بلا نور أقوى من بيان سياسي).
ما الذي نراقبه خلال 48 ساعة؟
وتيرة تكرار الاستهداف للعُقد الحيوية.
سرعة استعادة الخدمات بوصفها مؤشرًا على مناعة البنية التحتية.
تحوّل المواقف الدولية من بيانات إلى إجراءات عملية في مجال الطاقة والحماية المدنية.
خاتمة BETH
عندما تُطفأ الأنوار، لا تنطفئ الحروب… بل تتغيّر لغتها.
فالطاقة اليوم لم تعد مجرد مورد، بل صارت أداة تفاوض غير معلنة في معارك الإرادة والصمود.