زيارة الأمير وليام .. فرصة القوة الناعمة التي لم تُستثمر

كتب: عبدالله العميره
ليست كل الزيارات الرسمية تُقاس بجدول أعمالها فقط؛
بعضها يُقاس بما تحمله من رمزية، وبما تتيحه من فرص تأثير ناعم تتجاوز البروتوكول إلى الوجدان العام.
زيارة ولي عهد بريطانيا الأمير ويليام إلى المملكة العربية السعودية تنتمي إلى هذا النوع من الزيارات.
منذ لحظة وصوله، ثم استقباله من سمو ولي العهد في الدرعية — بكل ما تحمله الدرعية من رمزية تاريخية وسيادية — وصولًا إلى تجوّله في الرياض على المسار الرياضي، وزياراته لبعض المقاهي واحتكاكه المباشر بالناس… كانت الزيارة، في جوهرها، مادة إعلامية ذهبية لأي منظومة تفهم معنى الاستثمار في الصورة، لا مجرد نقل الحدث.
لكن المفارقة أن التغطية الإعلامية — في يوم الزيارة الأول — لم ترتقِ إلى أهمية الحدث، رغم أن الزيارة تمتد لثلاثة أيام كاملة.
فهل سيتغيّر الأداء في اليومين المتبقيين؟
أم سنشهد السيناريو نفسه الذي يتكرّر في مناسبات كبرى أخرى: حضورًا رسميًا كثيفًا… وتغطية باهتة لا توازي حجم اللحظة ولا إمكاناتها السردية، ولا تدلّل على قدرة الاستثمار الإعلامي في المناسبات المقامة في المملكة؟
حين تغيب المهنة… لا تغيب الكاميرا
الإشكالية ليست في غياب التغطية، بل في سطحيتها وبعثرتها:
صور جامدة، لقطات بروتوكولية بلا روح، وتعليقات باردة لا تنقل اهتمام الضيف بالمملكة ولا شغفه ببرنامج الزيارة.
وكأننا أمام أداء تقني يؤدي واجبًا روتينيًا، لا فريقًا إعلاميًا يقرأ الحدث بوصفه فرصة تأثير ناعم ذات أبعاد دولية.
الأخطر أن التغطية بدت غير مُدارة مركزيًا من جهة إعلامية متخصصة تمتلك رؤية واضحة للتعامل مع زيارات ضيوف المملكة الكبار.
فالحدث الكبير لا يُغطّى بعشوائية غرف الأخبار، بل يُدار بعقل استراتيجي يعرف ماذا يريد أن يقول للعالم، وبأي صورة، وبأي زاوية سرد.
لماذا هذه الزيارة مختلفة؟
الأمير ويليام ليس “ضيفًا بروتوكوليًا” فحسب؛
هو شخصية تحظى بمكانة واسعة في المملكة المتحدة والعالم، ويمثّل جيلًا شابًا في المؤسسة الملكية البريطانية. وترتبط المملكة العربية السعودية بعلاقات تاريخية راسخة مع العائلة المالكة البريطانية والقيادة السياسية في لندن.
إعلاميًا، كانت الزيارة فرصة لصناعة سردية جديدة عن السعودية المنفتحة القادرة على استقبال رموز عالمية في فضاءات مدنية وإنسانية، لا فقط في القصور وقاعات الاجتماعات.
لكن حين تُختزل التغطية في نقل مشاهد بلا سياق ولا روح، تضيع القيمة الناعمة للحدث، ويبقى مجرد خبر عابر في نشرة.
المشكلة ليست في الموارد… بل في العقلية
المسألة ليست نقص إمكانات ولا شُح أدوات.
الإعلام في المملكة مُنح دعمًا ماليًا ومعنويًا كبيرًا خلال السنوات الماضية.
التحدي الحقيقي هو الفجوة بين الإمكانات والعقلية التخطيطية.
القوة الناعمة لا تُدار بردود الفعل ولا تُصنع بالصدفة؛ بل تحتاج إلى:
وحدة متخصصة لإدارة تغطية الزيارات والفعاليات الكبرى
عقلية سردية تفهم كيف تتحوّل الزيارة إلى قصة
فرق ميدانية مُدرّبة على التقاط التفاصيل الإنسانية، لا الاكتفاء باللقطات الرسمية
تنسيق مركزي يضمن وحدة الخطاب والصورة
أن تُمنح الكاميرا والمايكروفون لمن يقدّم تعليقًا سطحيًا وبنبرة باردة تجاه السعودية في حدث دولي بهذا الوزن — بينما نرى احترافية أعلى حين تكون التغطيات متعلقة بزيارات أمريكية مثلًا — فهذا خلل مهني قبل أن يكون خللًا تقنيًا.
دروس في الاستثمار الإعلامي للمناسبات الكبرى
ما تكشفه هذه الزيارة ليس ضعف حدث، بل ضعف إدارة حدث إعلاميًا.
والدرس الأهم أن:
الزيارة حدث سياسي… والتغطية مشروع صورة
ما يُنقل للعالم ليس “من حضر”، بل “كيف قُدّمت السعودية”.
التفاصيل الإنسانية تصنع التأثير
تجوّل الضيف، تفاعله مع الناس، دهشته، أسئلته… عناصر قوة ناعمة أقوى من عشر بيانات رسمية.
التغطية ليست نقلًا… بل سرد
الإعلام الناجح لا يصف المشهد فقط، بل يرويه كقصة تحمل معنى.
المركزية المهنية ضرورة
لا يمكن إدارة صورة الدولة في مناسبات كبرى بعقلية الاجتهاد الفردي أو بعثرة التغطيات بين جهات غير متخصصة.
خلاصة
زيارة الأمير ويليام كانت فرصة ذهبية لإبراز تحوّل السعودية في عين شخصية عالمية مؤثرة.
لكن جزءًا من هذه الفرصة ضاع بسبب تغطية لم ترتقِ إلى مستوى الحدث.
النقد هنا ليس خصومة مع الإعلام، بل حرص على صورته ودوره.
فالقوة الناعمة لا تُبنى بالنيات الحسنة، بل بالعقل الاستراتيجي الذي يعرف أن بعض اللحظات — إن لم تُستثمر إعلاميًا كما ينبغي — لا تعود.
خاتمة
لا أتحدث عن زيارة الأمير ويليام وحدها، بل عن سلسلة مناسبات كبرى كان يمكن أن تُروى للعالم كقصص عن تحوّل المملكة… لكنها قُدّمت ببرود نقلٍ لا بحرارة سرد.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: ماذا قدّم الإعلام المُمنوح التمكين المادي والمعنوي لصورة الوطن… حين كانت اللحظة تستحق أكثر؟
ما يهمّ ليس كيف نرى الزيارة من الداخل، بل كيف يرانا العالم بعيون الأمير وليام… وبعيون كل ضيف ثقيل ومؤثّر.
صناعة هذه الصورة وقياس أثرها ليست عمل صدفة، بل مهمة عقول احترافية تدير الرواية قبل أن تُدار هي بها.