منتدى الإعلام… ماذا تعلّمنا فعلًا؟
رأي وتحليل | عبدالله العميره
اليوم، الأربعاء،الثاني من فبراير 2026، هو ختام المنتدى السعودي للإعلام في نسخته الخامسة، بتنظيمٍ احترافيّ واضح، وجهدٍ يُحسب للجهات القائمة عليه من حيث الإخراج، والضيوف، وتنوّع المحاور. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أيام من الجلسات والعروض هو:
ماذا أضاف المنتدى فعليًا للعاملين في المهنة؟
من “ماذا يجب أن نفعل؟” إلى “كيف نُطبّق؟”
كثيرٌ من الجلسات قدّمت خطابًا تنظيريًا استعراضيًا عن الصحافة الحديثة، وتقنيات الإعلام، وحدود الحرية، وكأن المتابع والحضور جمهور مبتدئ يحتاج إلى تعريف بالمهنة من جديد.
بينما الواقع أن جزءًا كبيرًا من الحضور إعلاميون وتقنيون درسوا هذه المفاهيم، واطّلعوا عليها، ويُمارس بعضهم تطبيقاتها بالفعل.
وكثير من المتابعين يعرفون ما الذي يجب فعله…
لكن الغائب عن المحاضر والمتابع معًا هو السؤال الأهم: كيف يتم التطبيق؟
وهل كل من يسمع “الكيفية” يمتلك القدرة العملية على تنفيذها داخل مؤسسته وبيئته المهنية؟
نعم، الوعي مطلوب.
لكن السؤال الأعمق:
هل يحتاج كل المتلقّين إلى الإحاطة بتفاصيل المنهج الإعلامي؟
أم أن الإعلاميين هم الأجدر بالتركيز على تعلّم كيفيّة التعامل مع الإعلام، ووسائله، والجمهور، وتحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة مهنية قابلة للقياس والتأثير؟
المشكلة ليست في ماذا يجب أن نفعل—فهذا بات معلومًا—بل في كيف نُطبّق داخل بيئاتنا المؤسسية والثقافية والقانونية. الفجوة ليست معرفية بقدر ما هي تطبيقية وتشغيلية. وهذه الفجوة تحديدًا لم تُعالَج بما يكفي.
“الحرية” كما تُقدَّم… والحرية كما تُمارَس
يُعاد تقديم النموذج الغربي في الإعلام بوصفه نموذج “حرية مطلقة”، بينما التجربة العملية مع كثير من الصحفيين الغربيين تُظهر أن هذه الحرية مقيّدة بسياسات تحريرية، وصور نمطية راسخة، وحدود مؤسسية صارمة.
ليس الهدف هنا نزع المصداقية عن التجربة الغربية، بل تحرير النقاش من الوهم: لا توجد حرية مطلقة في الإعلام؛ توجد مساحات تفاوض بين المهني والسياسي والاقتصادي.
ضيوف لا يغيّرون الصورة
دعوة إعلاميين غربيين يحملون صورًا نمطية مسبقة عن المنطقة قد لا تُنتج تغييرًا حقيقيًا في السردية الدولية. فحتى إن أراد بعضهم نقل صورة مختلفة، فإن سياسات مؤسساتهم التحريرية غالبًا لا تسمح بخطاب خارج القالب المعتاد.
هنا يبرز سؤال الوخز: ما جدوى دعوة من لا يملك حرية تغيير ما ينقله؟
الكفاءات المحلية… الحاضر الغائب
في السعودية كفاءات إعلامية وتقنية عالية المستوى، قادرة على تقديم محتوى تدريبي وتطبيقي عميق، بل أقدر—في كثير من الحالات—على ترجمة المعرفة إلى حلول قابلة للتنفيذ داخل السياق المحلي.
لكن حضور هذه الكفاءات في المنصات الكبرى ما يزال محدودًا. قدرات معطّلة—بقصد أو بغير قصد.
وهنا المفارقة المؤلمة: إن كنّا نعلم بوجودها ولا نستثمرها، فالمشكلة في القرار. وإن كنّا لا نعلم، فالمشكلة في آلية الاكتشاف.
فائدة حقيقية… في الاقتصاد لا في المهنة
الجزء الأكثر فائدة كان في مناقشة اقتصاديات الإعلام والاستثمار الأجنبي. هذه ملفات واقعية، تمسّ مستقبل الصناعة، وتحتاج منصات متخصصة بحد ذاتها. ربما آن الأوان للفصل بين منتدى مهني تطبيقي للإعلاميين، ومنتدى استثماري لصناعة الإعلام.
خلاصة
المنتدى منظّمٌ جيدًا، والجهد واضح.
لكن القيمة المهنية لا تُقاس بكثرة الضيوف ولا بأسمائهم، بل بما تغيّره الجلسات في طريقة عمل الصحفي في اليوم التالي.
نحتاج انتقالًا من منصّات الاستعراض إلى ورش التطبيق،
ومن الإعجاب بالنموذج الخارجي إلى تمكين العقول المحلية،
ومن سؤال “ماذا يقول العالم عنّا؟” إلى سؤال “كيف نبني نموذجنا المهني القابل للتصدير؟”
الرسالة الواضحة:
لا نحتاج مزيدًا من المحاضرات عن الإعلام…
نحتاج أدلّة تطبيقية تُغيّر كيف يُمارَس الإعلام.
خاتمة :
في إحدى الوزارات السيادية، تُبذل جهود حقيقية في الانفتاح الإعلامي: دعوات لصحفيين غربيين ومراسلي وكالات دولية، ( أكثر من مرة خلال العام)، جلسات شرح مطوّلة، إجابات مباشرة على الأسئلة، وشفافية في عرض الوقائع.
ومع ذلك، لا يتغيّر شيء يُذكر في الصورة المنقولة لاحقًا. تُعاد تدوير السرديات القديمة نفسها، وتبقى بعض المعلومات المغلوطة حاضرة في التغطيات، كأن الحوار لم يحدث.
هذه المفارقة تكشف أن المشكلة ليست في ما نقوله، بل في كيف ولمَن يُنقل.
وأن الاعتماد على “تغيير الصورة عبر الضيف” قد لا يكون استراتيجية كافية في بيئة إعلامية محكومة بسياسات تحريرية، وقوالب جاهزة، وحدود غير مرئية لما يمكن قوله أو تغييره.