تبسيط الخلل !
كتب: عبدالله العميره
عندما يحدث خلل في منظومةٍ ما، تكون الرياضة—وكرة القدم تحديدًا—أسرع النوافذ التي يتسلل منها هذا الخلل إلى الوعي العام. لا لأنها السبب، بل لأنها الساحة الأكثر مشاهدة، والأكثر حساسية، والأسرع في تحريك المشاعر.
غير أن الخلل لا يقف عند حدود الحدث نفسه، بل يبدأ خطره الحقيقي حين يتحرك إعلامٌ ما لتبسيطه أمام الجمهور.
ليس التبسيط هنا شرحًا، بل تسطيح.
وليس تهدئة واعية، بل استهانة بعقل المتلقي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل هذا إعلام؟ أم وظيفة أخرى ترتدي قناعه؟
إعلام لا يفسّر… بل يُسكّن
هذا النمط من الخطاب الإعلامي لا ينفي الخلل، ولا يعالجه، بل يقوم بشيء أخطر:
يُدرّب الجمهور على التعايش معه.
يُقال للناس إن ما حدث “طبيعي”،
وإن “الخطأ وارد”،
وإن “الظروف معقّدة”،
وإن “المرحلة لا تحتمل التصعيد”.
وبمرور الوقت، يتحول الخلل من سؤال مشروع إلى تفصيل ممل،
ويتحول الاعتراض من حقّ إلى “مبالغة”،
ويُعاد توجيه الغضب من أصل المشكلة… إلى الجمهور نفسه.
هذا ليس إعلامًا يرفع مستوى الفهم،
بل إعلام يخفض منسوب الحسّ النقدي.
هل يتحرك هذا الإعلام عن وعي؟
وهنا نقطة بالغة الأهمية:
ليس من الدقة، ولا من الإنصاف، افتراض أن كل من يمارس هذا النمط الإعلامي يفعل ذلك عن إدراك كامل أو نية مبيّتة.
في كثير من الحالات، يمكن تشبيه المشهد بحالة مرضية معقّدة:
المريض لا يعرف حقيقة مرضه،
ولا يدرك أعراضه كاملة،
ولا يرغب أصلًا في الاعتراف بالحاجة إلى علاج.
يمارس سلوكه اليومي وكأن الأمور طبيعية،
بل وقد يدافع عن حالته،
ويهاجم من يلفت انتباهه إلى وجود خلل.
في المقابل، قد يكون الطبيب المتخصص—الخبير الحقيقي—واعياً بتشخيص المرض،
مدركًا لأسبابه وتبعاته،
لكنه يقف عاجزًا عن العلاج؛
إما لغياب الصلاحية،
أو لعدم وجود بيئة تسمح بالتصحيح،
أو لرفض المريض نفسه لأي تدخل.
وهنا تتجلى المأساة المهنية:
المرض مستمر، لا لأن الجميع يريد استمراره، بل لأن أحدًا لا يملك شجاعة إيقافه.
من تبسيط الخلل… إلى تطبيع العبث
عندما يُكرَّس هذا الأسلوب، لا يعود الخلل استثناءً، بل يصبح نمطًا.
ويتحول الحدث الرياضي من منافسة عادلة إلى مسرح جدل،
ومن قيمة جامعة إلى أداة استهلاك عاطفي.
هذا هو المدخل الحقيقي لـ مشروع العبث:
ليس الفوضى الصريحة،
بل جعل الفوضى مألوفة،
وجعل الخلل قابلًا للتبرير،
وجعل السؤال عبئًا على من يطرحه.
أين تقف القوة الناعمة من ذلك؟
الدولة حين تستثمر في الرياضة، لا تستثمر في النتائج فقط،
بل في الصورة، والثقة، والعدالة، والاحتراف.
القوة الناعمة لا تُبنى بالإنكار،
ولا تُحمى بالمسكّنات الإعلامية،
بل تُرسّخ بالشفافية، والاعتراف، والتصحيح.
الإعلام الذي يُهوّن الخلل ظنًّا منه أنه يحمي المنظومة،
قد يكون في الواقع أحد أسباب إضعافها،
لأنه يبعث رسالة غير مقصودة:
أن المشكلة ليست في الخطأ… بل في من يلاحظه.
الخلاصة
المشكلة ليست في وقوع الخلل،
فكل منظومة قابلة للخطأ.
المشكلة حين يتحول الإعلام من أداة تفسير إلى أداة تسكين،
ومن شريك في الحل إلى جزء من المشكلة.
وحينها، لا يخسر الجمهور وعيه فقط،
بل تخسر المنظومة أثمن ما تملكه: الثقة.
بوصلة التأثير
كيف تزدهر القوة الناعمة،
وإعلامها يُعوّد الجمهور على التعايش مع الخلل لا فهمه؟
السؤال ليس في الخطأ،
بل في المستفيد من بقائه بلا وعي.
حين تتضح الإجابة،
يبدأ العلاج.
القوة الناعمة لا تتأثر برحيل فرد، بل حين يُختزل معناها في لحظة، ويُدار حضورها بمنطق لا يرى أبعد من المشهد.
وحين يعجز الخطاب عن الإجابة، يلتف بالسؤال… بينما الجمهور، بوعيه، يقرأ الواقع كما هو لا كما يُراد له أن يُقال.