الإعلام بين التنظير والتطبيق

news image

كتب: عبدالله العميره
رئيس تحرير وكالة BETH

من الرائع أن تستقطب المملكة خبراء عالميين في الإعلام.
ليس لأن أسماءهم لامعة، بل لأن ما يحملونه من أفكار عملية حديثة—في إدارة غرف الأخبار، وصناعة السرديات، وقياس الأثر—هو ما يستحق المتابعة الحقيقية.

لكن في الجهة الأخرى من المشهد، يبرز سؤال لا يصح تجاهله:
هل نتابع إعلاميينا السعوديين كما ينبغي؟
أقصد متابعة المنهج والتطبيق، لا مجرد مشاركة رمزية على المنصات أو تقديم “تجارب محلية” لا تضيف شيئًا جديدًا لأننا نرى إنتاجها يوميًا على الشاشات والمنصات.

ليس في الأمر انتقاص من شبابنا—بل العكس.
الشباب هم المستقبل، لكن المستقبل لا يُبنى بالمنصات وحدها، بل بالمنهج.
والمهمة الأكبر اليوم هي: تقليص الفجوة بين الإعلام المحلي والإعلام الدولي في المنهجية والتطبيق.

 

الفكرة ليست في “التنظير”… بل في تحويله إلى تشغيل

كل منتدى إعلامي يمكن أن يتحول إلى معرض أفكار جميل… ثم ينتهي.
وكل كلمة عن الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، واستراتيجيات المحتوى، يمكن أن تُقال مئات المرات… ثم لا يحدث شيء.

هنا تقع المشكلة:
التنظير بلا تأطير لا ينتج تطبيقًا.

والتأطير هنا ليس كلمة تجميلية، بل منظومة واضحة تشمل:

تحديد الأهم: ما هي القضية التي سنغيّرها فعليًا بعد المنتدى؟

استراتيجية عملية: ما الخطوات؟ من ينفّذ؟ ما الموارد؟ ما الجدول الزمني؟

قدرات تستوعب التطوير: فرق تحرير، ومعايير، وأدوات، وتدريب، وقياس.

إذا لم تتوفر هذه العناصر، فإن أي مناسبة—حتى لو كانت رائعة—ستتحول إلى “سردية حدث” لا إلى “نتيجة”.

 

الخبرة العالمية لا تُستهلك… بل تُترجم

الخبراء العالميون لا يقدمون لنا “إلهامًا” فقط، بل يقدمون شيئًا أخطر وأهم:
منهجًا.

المنهج هو ما يفرّق بين إعلام يملأ الهواء… وإعلام يغيّر الواقع.

العالم اليوم لا يسأل: ماذا قيل؟
بل يسأل: كيف صيغ؟ ولماذا صيغ بهذه الطريقة؟ وإلى من كان موجَّهًا؟ وما الذي غيّره؟

وهنا تأتي الأسئلة التي يجب أن تُكتب على باب أي مركز صحفي، وأمام أي منصة رسمية:

أين تذهب الرسالة؟

من يستقبلها؟

هل تُفهم كما نريد؟ أم تُفهم بعكس ما نقصد؟

هل تعزّز الوعي؟ أم تخلق تشويشًا؟

هل تصنع ثقة؟ أم تستهلكها؟

 

الإعلام اليوم ليس “مغلقًا”… ومن لا يفهم ذلك يخسر

الإعلام لم يعد محصورًا داخل حدود الدولة أو داخل شاشة واحدة.
هو مفتوح… يتناقل… يُعاد تفسيره… ثم يُحاكم عالميًا.

لذلك، لا يكفي أن “نرسل الرسالة”.
بل يجب أن نعرف كيف تُقرأ الرسالة، وكيف تُؤوَّل، وما أثرها بعد أن تغادر غرفة التحرير.

الرسالة التي لا تُفهم… ليست رسالة صحيحة.
والرسالة التي تُفهم على أنها تضليل—حتى لو لم تكن كذلك—تفقد قيمتها، وتفتح بابًا لشكٍّ يصعب إغلاقه.

 

صناعة الأرقام لا تعني صناعة الأثر

في كثير من التغطيات والمؤشرات، نغري أنفسنا بالأرقام:
“مليون رسالة”، “ملايين مشاهدات”، “انتشار واسع”.

لكن السؤال الحقيقي ليس: كم أرسلنا؟
بل: ماذا حدث بعد الإرسال؟

هل تغيّر وعي؟

هل تحسّن فهم؟

هل زادت الثقة؟

هل انخفض الالتباس؟

هل انتقلت الرسالة من “صوت” إلى “قناعة”؟

قبل أن يقرأ الناس رسالتك، هم يفعلون شيئًا أخطر:
يقيمون مصداقيتك.
فإن شعروا أن الأرقام مبالغ فيها، أو الصور بلا معنى، أو المعلومات غير قابلة للتحقق، أصبحت الرسالة عبئًا لا قيمة.

 

منتدى بحجم السعودية… يجب أن يقاس “بالأثر”

فكرة المنتدى السعودي للإعلام رائعة.
لكن الرائع لا يكفي.

الأهم هو الرصد… ثم القياس.
قياس ما تغيّر بعده داخل المؤسسات:

في صياغة الخبر

في إدارة السرديات

في جودة التحقق

في سرعة الاستجابة

في وضوح الرسائل

في علاقة الإعلام بالجمهور

هنا يصبح المنتدى منصة تحويل لا منصة عرض.

 

الفجوة ليست في الإمكانات… بل في خطاب الذات

لأكون صادقًا:
أنا أتابع الإعلام العالمي ومنهجيته في التعامل مع الخبر.
وأتابع في المقابل ما تبثه بعض منصاتنا—حتى الرسمية منها—فأجد فارقًا كبيرًا.

ليس لأننا أقل قدرة،
بل لأننا أحيانًا ما زلنا أسرى خطاب الذات:
نخاطب أنفسنا، ونفترض أن العالم سيصفق، ونبني الرسائل على ما نحب نحن سماعه… لا على ما يحتاج العالم فهمه.

بينما الخطاب الإعلامي المؤثر يبدأ من سؤال واحد:
كيف يفكر المتلقي؟

ومادام المتلقي هو الحكم النهائي، فإن أي إعلام لا يفهم عقله، سيظل يدور في دائرة مغلقة—حتى لو بدا صوته عاليًا.

 

السؤال الكبير

هل ما يُطرح في المنتدى من أفكار وتجارب عالمية… يمكن تحويله إلى عمليات تُطبّق؟
هذا هو الامتحان الحقيقي.

وأول خطوة في الإجابة ليست المزيد من الكلمات…
بل قرار مؤسسي شجاع يقول:
لن نكتفي بالتنظير بعد اليوم.

سنأخذ ما تعلمناه،
ونحوّله إلى تدريب، ومعايير، وغرفة أخبار، وقياس أثر.
ثم نعود في العام القادم… لا لنكرر الشعارات، بل لنعرض ما تغيّر.

 

الإعلام بين التنظير والتطبيق ليس مشكلة منتدى،
بل اختبار عقلية.
والمستقبل لن يكافئ من يتحدث عنه…
بل من يطبقه.

 خاتمة

لا تستهينوا بوكالة بث.
فبعد 13 عامًا من تأسيسها، لم تعد معركتنا مع “فهم البعيد”،
بل مع فهم القريب لمعنى الإعلام الدولي.

مهمتنا نعم… دولية.
لكن تحدّيها يبدأ من الداخل،
من إدراك بعض المؤسسات — وحتى بعض المسؤولين — أن الخطاب المحلي،
وخطاب الذات، والخطاب الرسمي المغلق،
لا يمكن تصديره كما هو إلى العالم.

الإعلام الدولي لا يعني ترجمة البيان،
ولا تلميع الصورة،
ولا فرض الرواية.

بل يعني إعادة صياغة الخطاب
ليُفهم،
ويُصدق،
ويؤثر…
دون أن يشعر المتلقي الأجنبي أنه أمام رسالة مفروضة أو دعاية مقنّعة.

وهنا تمامًا،
يبدأ الفرق بين إعلام يُقال…
وإعلام يُفهم.

__________

شرح الصورة | Image caption:

الفجوة بين التخطيط والتنفيذ: عندما يبدو الجدول مثاليًا… لكن الواقع يختلف.  
The gap between planning and execution: when the schedule looks perfect, but reality disagrees.