الإعلام حين يخطئ العالم… لا الجمهور

news image

كتب: عبدالله العميره

لسنا في أزمة أدوات، ولا في نقص منصات، ولا حتى في شُحّ الكفاءات.
أزمة الإعلام العربي اليوم أعمق من ذلك بكثير:
إنها أزمة فهم للدور قبل أن تكون أزمة ممارسة.

المفارقة الصادمة أننا نعيش زمن انفتاح غير مسبوق على العالم،
بينما ما يزال الإعلام العربي—في جوهره—منغلقًا.
منغلقًا ذهنيًا، ومنهجيًا، وسرديًا.

الأدهى من ذلك، أن هذا الإعلام المنغلق يحاول مخاطبة العالم…
لكن بالمنهج القديم نفسه.
لغة قديمة، افتراضات قديمة، ومعادلة متكلّسة لم تعد صالحة حتى للاستخدام الداخلي، فكيف بالتواصل العالمي؟

المعادلة المتكلّسة: أصل الخلل

لا يزال كثير من المؤسسات الإعلامية العربية تعمل وفق معادلة بدائية:
الرسالة – الوسيلة – الهدف.

هذه ليست معادلة خاطئة فحسب،
بل معادلة ناقصة وخطيرة،
لأنها تفترض أن الهدف واضح سلفًا،
وأن المتلقي واحد،
وأن التأثير يحدث تلقائيًا بمجرد الإرسال.

وهنا يقع الخطأ الأكبر.

الإعلام الحديث—الجاد—لا يبدأ بالرسالة،
بل يبدأ بـ فهم الهدف قبل صياغة الرسالة،
ودراسة السياق،
وتحديد نوع الخطاب،
واختيار الوسيلة المناسبة،
ثم الرصد،
ثم قياس الأثر والتأثير،
ثم—وهذا هو الفارق الحقيقي—التطوير المستمر.

غياب هذه السلسلة لا يعني ضعفًا تقنيًا،
بل يعني غياب عقلية إعلامية ناضجة.

تقليد الغرب… دون فهمه

كثيرون يظنون أن تقليد الإعلام الغربي هو بوابة التقدم.
لكن ما جرى فعليًا هو تقليد أسوأ ما فيه:

افتراض أن الجمهور لا يفهم،

تضخيم السرديات،

استسهال التبسيط المخل،

والخلط بين الحرية والفوضى.

الحقيقة غير ذلك تمامًا.
الإعلام الغربي لا يعمل بلا قيود،
ولا بلا توجيه،
ولا بلا حساب.

لكنه يتقن أمرًا واحدًا بإحكام:
إقناع العالم بأنه حر، حتى حين لا يكون كذلك.

أما الإعلام العربي،
فلا هو مارس حرية حقيقية،
ولا أتقن حتى صناعة الانطباع بها.

حين يُساء فهم الإعلام… لا تكون المشكلة في الجمهور

أحد أخطر الأخطاء التي ورثناها—وما زلنا نكررها—
هو افتراض أن الطرف الأساسي في المعادلة الإعلامية لا يفهم.
وأن العالم جاهل،
وأن الجمهور يحتاج إلى تلقين لا إلى حوار.

هذا الافتراض لا يهين الجمهور فقط،
بل يدمّر الإعلام نفسه.

الجمهور—حين يُعامل كعاقل—يرتقي.
وحين يُخاطَب بسطحية—ينسحب أو يستهلك بلا وعي.
وفي الحالتين، الخسارة واحدة.

الرسالة لا تُقاس بقِصرها ولا بسرعة انتشارها،
بل بمدى فهمها للمتلقي،
فالقوة الناعمة لا تُخاطب النخب وحدها،
وإنما تُبنى على وعي متدرّج يحترم اختلاف العقول.

الصحفي السايكولوجي… لا الناقل

ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الناقلين،
ولا محترفي الضجيج،
بل صحفيين سايكولوجيين:
يفهمون العقل قبل العنوان،
والسياق قبل الخبر،
والأثر قبل الانتشار.

هذا ليس استعراض معرفة،
ولا تنظيرًا للنخبة،
بل درس عملي لكل من يريد أن يكون:
صحفيًا مثقفًا،
واعيًا،
وطنيًا،
ومؤثرًا.

الإعلام ليس ما نُرسله،
بل ما يحدث في عقل المتلقي بعد أن نغادر.

الخلاصة

الإعلام العربي لا يحتاج إلى صوت أعلى،
ولا إلى تقليد أسرع،
بل إلى عقل أعمق.

وحين نُخطئ في فهم العالم،
لا ينبغي أن نلومه…
بل أن نُعيد تعريف أنفسنا أولًا.