الدعاية الأسطورية… أم أسطورة الدعاية؟

news image

وكيف تُصنع الأساطير في زمن لا يُغلق؟

كتب: عبدالله العميره

لم تعد الدعاية اليوم مجرّد أداة لإقناع الناس،
بل أداة لإقناعهم بأنهم اقتنعوا.

وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.

بين الدعاية الأسطورية، وأسطورة الدعاية، والدعاية التي تصنع الأسطورة،
تتشابك الخيوط إلى درجة يصبح فيها السؤال الأهم ليس:
ماذا نقول؟
بل: متى نقوله؟ ولمَن؟ وبأي وعي؟

 

الدعاية الأسطورية: حين تُقنع لأنها لا تبدو دعاية

الدعاية الأسطورية لا ترفع صوتها،
ولا تُكثر من الشعارات،
ولا تُصرّح بهدفها.

هي دعاية تُدار كسردية،
تتخفّى في قصة،
وتزرع الفكرة كرمز،
حتى يظن المتلقي أنها نابعة منه لا مفروضة عليه.

لهذا تنجح.

لا لأنها كاذبة،
بل لأنها انتقائية،
تعرف ما تُظهر… وما تؤجّل… وما تترك للخيال.

لكن خطورتها تبدأ حين تتحوّل من بناء معنى إلى احتكار معنى،
وحين تصبح القصة أكبر من الواقع،
والرمز أقوى من الحقيقة.

 

أسطورة الدعاية: وهم السيطرة الدائمة

في المقابل، هناك وهم شائع :
أن الدعاية قادرة على خداع الجميع، طوال الوقت، وبالأسلوب ذاته.

وهذه… هي أسطورة الدعاية.

في زمن الانفتاح:

المعلومة تُقارن

الرواية تُفكك

الصورة تُراجع

والذاكرة الرقمية لا تنسى

الصوت العالي لم يعد دليل قوة،
بل أحيانًا دليل ارتباك.

ومن يظن أن الدعاية تحلّ محل الحقيقة،
يكتشف متأخرًا أنها لا تفعل… بل تؤجّل الانكشاف فقط.

 

الدعاية التي تخلق الأسطورة: أخطر المراحل

الأخطر ليس الترويج لواقع،
بل صناعة واقع بديل.

حين تُستخدم الدعاية:

لصناعة بطل بلا سياق

أو عدو بلا تعقيد

أو إنجاز بلا مساءلة

فهنا لا تُدار رسالة،
بل يُعاد تشكيل وعي.

قد تكون هذه الأداة نافعة مؤقتًا:

في الحروب النفسية

في لحظات الخوف الجمعي

أو عند بناء هوية وطنية ناشئة (بشروط صارمة)

لكنها تصبح مدمّرة حين:

تحلّ محل الحقيقة

تُستخدم ضد المجتمع لا لحمايته

وتُخدّر بدل أن تُحفّز

الأسطورة المصنوعة بلا جذور،
تنهار عند أول اختبار حقيقي.

 

الدعاية في زمن الانفتاح: قواعد تغيّرت

نحن لا نعيش زمن الدعاية الطويلة العمر.

اليوم:

الدعاية الفجّة قصيرة الأثر

الأسطورة الهشّة سريعة الانكشاف

والجمهور أكثر شكًّا وأقل انبهارًا

السؤال لم يعد:
هل سيصدقون؟
بل:
متى سيسألون؟

والفرق هنا جوهري.

الدعاية التي لا تتحمّل السؤال،
لا تصلح لعصر مكشوف.

 

الانغلاق في زمن الانفتاح: الدعاية التي تقتل نفسها

أخطر ما يمكن أن تفعله الدعاية اليوم
هو الانغلاق المتعمّد.

منع الأسئلة

شيطنة النقد

احتكار الرواية

الخوف من الشفافية

هذا لا يحمي الأسطورة…
بل يقتلها.

لأن الأسطورة التي تخاف الضوء،
ليست أسطورة،
بل هشاشة مؤجّلة.

 

خلاصة BETH

الدعاية ليست شرًا مطلقًا،
ولا فضيلة تلقائية.

هي أداة.

قد:

تبني وعيًا

أو تصنع وهمًا

أو تُنقذ مجتمعًا

أو تُضلله بمهارة

الفرق ليس في براعة الصياغة،
بل في احترام عقل المتلقي.

وفي زمن الانفتاح،
الأسطورة الوحيدة القابلة للبقاء
هي تلك التي تتحمّل النقاش… لا تلك التي تهرب منه.

 

تنبيه تحريري | الدعاية والشائعة

الدعاية مشروع وعي مُدار،
أما الشائعة فهي فراغ معلوماتي ينتشر بلا مسؤولية.
الأولى تُبنى بخطة…
والثانية تتكاثر في العتمة.

بمعنى أدق:
الدعاية تُصاغ لتُقنع،
والشائعة تُطلق لتُربك.
الفرق بينهما ليس في الانتشار… بل في القصد.

وبمعنى أعمق:
الدعاية تُخاطب العقل — حتى حين تُخفي نواياها،
أما الشائعة فتستهدف الغريزة وتفرّ من السؤال.
ومن يخلط بينهما…
لا يفهم لا هذه ولا تلك.

 

سطر ختامي 

إذا كانت الدعاية فنًا،
فهل نمتلك الشجاعة لتحويلها إلى علم…
أم ما زلنا نخشى أن نفهم ما نعمله؟