قل لي من تشجّع… أقول لك من أنت

news image

كيف تفكّر؟ سأقول لك من أنت

كتب: عبدالله العميره

ليس السؤال الحقيقي:
من تشجّع؟

بل السؤال الأعمق:
كيف تشجّع؟ ولماذا؟ ومتى تبرّر؟ ومتى تغضب؟

في تلك اللحظات العفوية، حين يسقط القناع،
تكشف كرة القدم – دون قصد – طريقة تفكير الإنسان،
ومستوى وعيه،
وحدود أمانته،
وقدره من الرقي.

كرة القدم ليست قضية كبرى…
لكن ردود أفعالنا تجاهها غالبًا ما تكون أكبر من حجمها.
وهنا تكمن المفارقة.

 

التشجيع كمرآة للعقل

التشجيع في جوهره انتماء،
والانتماء حاجة إنسانية طبيعية.

لكن المشكلة تبدأ
حين يتحوّل هذا الانتماء من متعة…
إلى تعطيل للعقل.

نرى ذلك حين:

نبرّر الخطأ لأنه “لصالحنا”.

نرفض الحقيقة لأنها “ضد فريقنا”.

نهاجم الأشخاص بدل مناقشة الفكرة.

نغضب لا لأن ظلمًا وقع… بل لأن الظلم لم يخدمنا.

هنا لا نكون مشجّعين،
بل أسرى لهوية مؤقتة تحكم تفكيرنا.

 

الرقي والوعي والأمانة: معيار القياس الحقيقي

الرقي لا يُقاس بالهدوء عند الفوز،
بل بالسلوك عند الخسارة.

والثقافة لا تظهر في كثرة المعلومات،
بل في القدرة على التفريق بين العاطفة والحقيقة.

أمّا الوعي،
فهو أن تدرك أن كثيرًا مما يُقال لك في الإعلام الرياضي
ليس بريئًا،
وأن الشحن والاستفزاز وصناعة الخصومة
جزء من اللعبة خارج الملعب.

والأمانة
هي الاختبار الأصعب:

هل تعترف بالخطأ إن كان لصالحك؟

هل تقول: نعم، استفدنا من قرار غير عادل؟

هل تستطيع أن تكون منصفًا حتى حين لا يخدمك الإنصاف؟

الرقي لا يعني أن تُحب أقل،
بل أن تُفكّر أكثر.

 

كيف نكون راقين، صادقين، واعين؟

لسنا مطالبين بإلغاء العاطفة،
ولا بالتخلّي عن التشجيع،
بل بإدارته بعقل ناضج.

نكون راقين حين:

نرفض الإساءة مهما كان الاستفزاز.

نفصل بين النقد والكراهية.

نحترم الخصم لأنه جزء من اللعبة.

نكون صادقين حين:

لا نزوّر الواقع لننتصر نفسيًا.

لا نكذب على أنفسنا قبل الآخرين.

نملك شجاعة الاعتراف.

نكون أمناء حين:

لا نخون الحقيقة من أجل الانتماء.

لا نُسقط مبادئنا عند أول اختبار عاطفي.

ونكون واعين حين:

ندرك أن الإعلام قد يصنع بطلًا وعدوًا في أسبوع.

نميّز بين المتعة والتجييش.

نرفض أن نكون قطيعًا… حتى ونحن نحب.

 

الإعلام… من يصنع من؟

كثير من التعصّب
لا يولد في المدرجات،
بل على الشاشات.

الإعلام لا يبيع مباراة فقط،
بل يبيع:

شعورًا

خصومة

وسردية “نحن” و“هم”

وهنا يُختبر الإنسان:
هل يتلقّى؟
أم يُحلّل؟
هل ينفعل؟
أم يسأل؟

 

الخلاصة

كرة القدم لا تصنعنا…
لكنها تكشفنا.

تكشف:

كيف نختلف

كيف نغضب

كيف نبرّر

وكيف نتعامل مع الحقيقة حين لا تعجبنا

فإن كان تشجيع فريقٍ ما
يجعلنا أقل عدلًا،
وأقل صدقًا،
وأقل وعيًا…

فالمشكلة ليست في الفريق،
بل في طريقة التفكير.

قل لي كيف تشجّع… أقول لك من أنت،
وقل لي من تشجّع… أقول لك في أي درجة من الوعي تقف.

فارتداء ألوان النادي في المدرج مفهوم،
أمّا حملها وأنت مسؤولًا أو مذيعًا…
فخلل في الوعي.

من يقدّم ناديه على المنتخب، ويختزل الوطن في لاعب، لا يكشف انتماءه… بل مستوى وعيه

إبر توقِظ النائم

هل الأندية تصنع جماهير… أم تُدار بها جماهير؟

من يصنع وعي المشجّع اليوم: النادي أم المنصّة أم خوارزمية الغضب؟

هل الصمت عن الشائعة حياد… أم مشاركة في التضليل؟

حين ينتصر فريقك بالكذب، من الخاسر الحقيقي؟

هل التشجيع بلا وعي متعة… أم وقود للفوضى؟

لماذا تُستثمر الملايين في اللاعبين، ولا يُستثمر شيء في عقل الجمهور؟

أليس غياب خطاب أخلاقي واعٍ داخل الأندية فراغًا تملؤه غرف الشائعات؟

هل نخاف من جمهور واعٍ… لأنه أصعب قيادة؟

 

هل تحتاج الأندية إلى غرف وعي؟

نعم.
لكن ليس غرف دعاية، بل:

غرف تفكيك الشائعة

غرف رفع منسوب الأمانة

غرف تثقيف لا تعبئة

غرف تُعلّم الجمهور كيف يفرح دون أن يكره

لأن ترك الساحة
يعني أن غرف التضليل تعمل وحدها.

 

باختصار : ما العلاقة بين الوعي وثقافة القطيع؟

كلما غاب الوعي… حضر القطيع.
وكلما حضر الوعي… تراجع الصوت الواحد.

القطيع:

يُفكّر جماعيًا

يغضب جماعيًا

ويُخطئ جماعيًا

الواعي:

يشجّع… لكنه يسأل

ينتمي… لكنه لا يُعطّل عقله

يفرح… دون أن يخون الحقيقة

الوعي عدو القطيع الأول.
ولهذا يُحارَب.

الدوري اليوم تحت عين العالم؛ والوعي هو الفارق بين سمعة تُصان، وعبثٍ يدمّر.

وإذا لم تكن سمعة بلدك تعني لك شيئًا، فأنت في الدرك الأسفل من الوعي.