أين نحن من القوة الناعمة؟
كتب | عبدالله العميره
أُعلن اليوم في منتدى المنتدى الاقتصادي العالمي عن نتائج مؤشر القوة الناعمة العالمي 2025، الصادر عن مؤسسة Brand Finance، والذي قيّم 193 دولة حول العالم.
جاءت المملكة العربية السعودية في المرتبة العشرين عالميًا.
طالع التقرير
الترتيب ليس مخيبًا… لكنه مستفز فكريًا.
ليس لأن المملكة متأخرة،
بل لأن السؤال الطبيعي يفرض نفسه بقوة:
لماذا لم نكن ضمن الخمسة الأوائل؟
ما الذي ينقصنا فعلًا؟
المقومات موجودة… وبقوة
المملكة لا تعاني نقصًا في عناصر القوة الناعمة.
بل على العكس، تمتلك مقومات لا تتوافر مجتمعة في كثير من الدول المتقدمة:
ثقل سياسي متزن
تأثير اقتصادي حقيقي
عمق ديني وثقافي فريد
استقرار داخلي
مشاريع تنموية كبرى
شباب وشابات يصنعون إنجازًا حقيقيًا على الأرض
المشكلة ليست في ما نملك…
بل في كيف نُديره، وكيف نُقدّمه للعالم.
نصنع المقومات… لكن لا نُحسن فرزها
من الواضح أننا نجيد صناعة الإنجاز،
لكننا لا نجيد دائمًا:
فرز ما يستحق التقديم عالميًا
ترتيب الأولويات
تسويق الحقيقة كما هي… بلا ضغط ولا تزويق
القوة الناعمة لا تحتاج تضخيمًا،
بل تقديمًا ذكيًا لما هو قائم فعلًا.
والمفارقة أن لدينا مقومات يصنعها شباب وشابات المملكة،
بينما من يقود الفكر التسويقي والإعلامي في بعض الجهات
لا يرتقي لمستوى هذا الجهد ولا يفهم كيف يُحوَّل إلى نفوذ ناعم.
الترويج للذات… بدل الترويج للوطن
الإشكال الأعمق ليس في الظهور في المحافل الدولية،
بل في كيف نَظهر ولماذا.
في كثير من الأحيان:
يطغى “الشو”
يتقدّم الخطاب الشخصي
يُسوَّق المسؤول قبل أن يُسوَّق البلد
تُختزل القوة الناعمة في صورة أو تصريح
بينما المطلوب هو العكس تمامًا:
أن يكون الفرد وسيطًا ذكيًا لعرض صورة الوطن
لا أن يكون الوطن خلفية لعرض الذات.
القوة الناعمة لا تُدار بالإعلام فقط
إعادة برمجة القوة الناعمة لا تعني تطوير خطاب إعلامي وحسب،
بل تعني ضبط المنظومة كاملة:
مراجعة البرامج
تقييم الجدوى
إيقاف ما يستهلك المال دون أثر
تعزيز ما يصنع تأثيرًا حقيقيًا وإن كان هادئًا
القوة الناعمة ليست حملة،
بل عملية مستمرة:
رصد → تحليل → قياس أثر → تصحيح مسار → إعادة تقديم.
شهادة تجربة… لا ترويج ذاتي
ما سأذكره هنا ليس استعراضًا،
بل دليلًا عمليًا على الخلل القائم.
على مدى 14 عامًا، تعمل وكالة BETH في صناعة إعلام تحليلي احترافي،
يساهم بوضوح في الأثر والتأثير المرتبط بالقوة الناعمة للمملكة.
قد لا يعترف بعض القائمين على الإعلام بذلك،
لكن قناعتي بسيطة:
لو كانت المهمة لديهم مهنية بحتة، لما تأخروا عن فهم تأثير BETH.
الدليل؟
شاركت BETH – بتكليف من وزارة المالية –
في رصد وتحليل ودراسة الأثر والتأثير العالمي لإعلان ميزانية المملكة.
هذا ليس اجتهادًا ذاتيًا،
بل شرف مهني نعتز به:
أن تُكلّفك وزارة سيادية محورية
برصد الصدى العالمي وتقديم تقارير تحليلية وتوصيات استراتيجية.
العمل الحقيقي خلف الكواليس
النجاح لم يكن عمل جهة واحدة،
بل فريق متكامل من شباب وشابات الوزارة،
عملوا على مدار الساعة لشهر كامل:
رصد
تحليل
متابعة
تصحيح خطاب
قياس تغير الصورة الذهنية عالميًا
ولمن يتابع جيدًا،
سيرى بوضوح تحولًا في الخطاب وتأثيره.
الخلاصة؟
المهمة ليست صعبة…
لكنها تحتاج فهمًا عميقًا للوجستيات، لا مجرد إصدار بيان.
المقومات ضخمة… لكن التنسيق مفقود
المملكة تصرف على الإنجازات ما لا تصرفه دول كبرى،
لكن قوة الصرف يجب أن يوازيها ذكاء في صناعة القوة الناعمة.
القضية ليست أدوات،
ولا منصات،
ولا ميزانيات إضافية.
القضية عقل يفهم ماذا يفعل، ولماذا، ولمن.
الدول الخمس الأولى في المؤشر
لم تنجز بالضرورة ما أنجزته المملكة،
لكنها عرفت كيف:
تستثمر القليل بذكاء
تبني صورة متماسكة
تربط الفعل بالرسالة
وتتابع الأثر حتى آخر نقطة
الخلاصة
القوة الناعمة ليست رقمًا في تقرير.
هي حصيلة وعي.
وعي بأن:
الإنجاز وحده لا يكفي
الصمت لا يصنع صورة
والضجيج لا يصنع نفوذًا
المملكة تملك كل ما يؤهلها لتكون في الصفوف الأولى.
ما ينقصها ليس المقومات…
بل إدارة ذكية لما تملكه بالفعل.
السعودية لا تستجدي موقعًا في المؤشرات العالمية،
بل تفرض حضورها بمقوماتها الفريدة حين تُدار بذكاء
_____
حديث الصورة
الصورة تجسّد مفهوم القوة الناعمة بوصفها شبكة تأثير غير مباشرة:
خطوط متداخلة ترمز إلى العلاقات، ونقاط مضيئة تمثل السمعة والأثر المتراكم عبر الزمن.
لا حضور للقوة الصلبة أو الصدام، بل مسارات هادئة تبني النفوذ عبر الفهم، والثقة، واستمرارية السلوك.