دافوس يكشف خريطة القوة الناعمة العالمية 2025
القوة التي لا تُرى !
دول تملك كل أدوات القوة… وتخسر
كيف يُصنع النفوذ دون سلاح؟ دافوس يجيب
هل يمكن ترميم سمعة دولة؟ المؤشر يفضح قبل أن يُصلح
تقرير تحليلي | BETH – من دافوس
أُعلن اليوم في منتدى المنتدى الاقتصادي العالمي عن نتائج مؤشر القوة الناعمة العالمي 2025، الصادر عن مؤسسة Brand Finance، والذي شمل تقييم 193 دولة حول العالم، في واحدة من أوسع الدراسات الدولية التي تقيس النفوذ غير القسري للدول.
لكن أهمية التقرير لا تكمن فقط في ترتيب الدول، بل في ما يعكسه من تحول جوهري في مفهوم القوة ذاته.
المملكة جاءت في المرتبة الـ20 عالميًا في مؤشر القوة الناعمة، حسب أحدث إصدار من Global Soft Power Index الصادر عن Brand Finance، بعد أن حققت تقدمًا كبيرًا على مر السنوات الماضية، مع أداء قوي في سمعة الدولة وتأثيرها على الساحتين الإقليمية والدولية.
السعودية تميّزت بدرجات عالية في:
الألفة والمعرفة (Familiarity)
الأعمال والتجارة
السمعة
العلاقات الدولية
القدرة على التأثير
أعلى 5 دول في المؤشر
الولايات المتحدة الأميركية — الأولى عالميًا في القوة الناعمة، متفوقة في سمعة الدولة، العلاقات الدولية، والتعليم والاتصال.
الصين — الثانية عالميًا، متقدمة في النفوذ الدولي والنمو الاقتصادي والثقافي.
المملكة المتحدة — الثالثة عالميًا بدعم من مكانتها في الإعلام والتعليم والثقافة.
اليابان — الرابعة عالميًا بفضل التكنولوجيا والابتكار والثقافة.
ألمانيا — الخامسة عالميًا بمزيج من الاقتصاد القوي والدبلوماسية المستقرة.
المفارقة الكبرى
قد تكون دولة:
قوية عسكريًا
ذكية استخباراتيًا
حاضرة سياسيًا
ومع ذلك:
غائبة عن القوة الناعمة
ما هي القوة الناعمة؟
القوة الناعمة هي قدرة الدولة على التأثير والإقناع والجذب، دون استخدام القوة العسكرية أو الضغط الاقتصادي المباشر.
إنها القوة التي تجعل الآخرين يرغبون في التعاون معك، لا لأنهم مجبرون، بل لأنهم مقتنعون.
المفهوم، الذي بات ركيزة في العلاقات الدولية الحديثة، يقوم على أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى فقط بالترسانة أو الثروة، بل بـ:
الصورة الذهنية
المصداقية
القيم
جودة النموذج الداخلي
القدرة على الإلهام
أدوات القوة الناعمة
يعتمد مؤشر القوة الناعمة على حزمة متداخلة من الأدوات، من أبرزها:
1) السياسة والحوكمة
الاستقرار
وضوح القرار
احترام القانون
كفاءة المؤسسات
2) الاقتصاد والتنمية
جاذبية بيئة الأعمال
الابتكار
الفرص الاستثمارية
الاستدامة
3) الثقافة والإعلام
الفنون
الإنتاج الإعلامي
الخطاب العام
القدرة على مخاطبة العالم بلغة يفهمها
4) الدبلوماسية والعلاقات الدولية
إدارة الأزمات
بناء التحالفات
الوساطة
الموثوقية السياسية
5) القيم والتعليم
جودة التعليم
الانفتاح
التنوع
صورة المجتمع في الخارج
القوة الناعمة، بهذا المعنى، نتاج تراكمي، لا يُبنى بقرار واحد، بل بمسار طويل من الاتساق بين ما يُقال وما يُمارس.
لماذا أصبحت القوة الناعمة حاسمة اليوم؟
لأن العالم دخل مرحلة:
تتراجع فيها جدوى الإكراه
ترتفع فيها كلفة الصدام
ويتزايد فيها وزن السمعة
الدول التي تُحسن إدارة قوتها الناعمة:
تجذب الاستثمار
تُكسب التعاطف الدولي
تُخفف كلفة الأزمات
وتملك هامش حركة أوسع في السياسة والاقتصاد
أما الدول التي تُهمل هذا البعد، فقد تملك أدوات قوة صلبة، لكنها تخسر المعركة الأعمق: معركة الصورة والثقة.
نتائج المؤشر
بحسب ما أُعلن في دافوس:
شمل التقرير 193 دولة
استند إلى آراء أكثر من 150 ألف مشارك حول العالم
قيّم الدول عبر عشرات المؤشرات الفرعية
أبرز الملامح العامة:
استمرار تصدر الدول الكبرى للمشهد، مع تباينات في الأداء
صعود دول نجحت في ربط التنمية بالخطاب الدولي المتزن
بروز دول إقليمية استطاعت تحويل الاستقرار والتنمية إلى نفوذ ناعم
التقرير يُظهر بوضوح أن النفوذ العالمي لم يعد حكرًا على القوى التقليدية، بل مفتوح أمام من يُحسن إدارة صورته وتحسينها.
هل يمكن استغلال مؤشر القوة الناعمة لتحسين سمعة متأثرة؟
نعم، بشرط فهم المؤشر كأداة إصلاح لا كأداة تلميع.
ما الذي لا ينجح؟
استخدام المؤشر كشعار إعلامي فقط
تضخيم الترتيب أو القفز عليه دعائيًا
إنكار أسباب تراجع السمعة
تصدير خطاب “نحن مظلومون”
هذا الأسلوب يزيد الشك ولا يُصلح الصورة.
ما الذي ينجح فعليًا؟
قراءة المؤشر بصدق
الدولة الذكية تسأل:
أين خسرنا النقاط؟
في الحوكمة؟
في القيم؟
في السياسة الخارجية؟
في الإعلام؟
في السلوك الأخلاقي؟
المؤشر هنا يصبح مرآة تشخيص لا شهادة حسن سيرة.
اختيار معركة واحدة فقط
الدول التي تحسّن صورتها لا تحاول إصلاح كل شيء دفعة واحدة.
تختار محورًا واضحًا مثل:
السلام
العمل الإنساني
الاقتصاد الأخضر
الابتكار
التعليم
الثقافة
وتبني عليه سلوكًا حقيقيًا قبل أي خطاب.
تغيير السلوك قبل الرسالة
القوة الناعمة لا تُصنع بالتصريحات، بل بـ:
قرارات
سياسات
مواقف
أفعال قابلة للرصد
ثم يأتي الإعلام ليشرح لا ليبرر.
استخدام المؤشر بذكاء
ليس بالقول:
“نحن في المرتبة كذا”
بل بالقول ضمنيًا:
“نحن نفهم كيف يُقاس التأثير، ونعمل على تحسينه”
أي:
توظيف المؤشر كإطار مرجعي
لا كوسام يُعلّق
متى يفشل الاستغلال؟
يفشل عندما:
تكون السمعة السلبية ناتجة عن سلوك مستمر
أو عن تناقض صارخ بين الخطاب والفعل
أو عن تعالٍ أخلاقي دون مراجعة
في هذه الحالة:
كل ترويج للمؤشر يُفسَّر عالميًا كـ محاولة تغطية.
الخلاصة
المؤشر لا يُصلح السمعة… لكنه يكشف الطريق لمن يريد إصلاحها.
ومن يفهم ذلك،
يحوله من رقم في تقرير
إلى خارطة تحول.
خلاصة BETH
ما أُعلن في دافوس اليوم ليس مجرد ترتيب دولي،
بل خريطة نفوذ جديدة تُرسم بأدوات مختلفة:
الفهم بدل الفرض
الجذب بدل الضغط
الصورة بدل الصدمة
في هذا العالم،
من لا يستثمر في قوته الناعمة…
سيُضطر يومًا لاستخدام قوته الصلبة بثمن أعلى.