الفوضى… وفصل الخطاب

news image

كتب | عبدالله العميره

ليست المشكلة في كثرة الكلام،
ولا في وفرة الإنتاج،
ولا حتى في الجرأة.

المشكلة تبدأ حين يغيب الضبط،
وتتحول الحرية إلى فوضى،
ويُخلط الإبداع بالعبث،
ويُمنح الصوت لمن لا يحسن استخدامه.

هنا فقط، يصبح فصل الخطاب ضرورة… لا ترفًا.

 

الضبط ليس قمعًا… بل حماية

قالوا قديمًا:
من أمن العقوبة أساء الأدب.

وليس المقصود بالعقوبة هنا السوط أو السجن،
بل غياب المحاسبة،
وغياب المعايير،
وغياب السؤال البسيط: إلى أين يمضي هذا المسار؟

كل عمل بلا رقيب،
وكل خطاب بلا مسؤولية،
وكل منتج بلا أثر محسوب،
قد يحقق ضجة مؤقتة، وربحًا سريعًا،
لكنه يراكم الخسارة بهدوء.

الخسارة لا تظهر فورًا في الأرقام،
بل تظهر لاحقًا في:

تشوّه الذائقة

إنهاك المجتمع

وتضخم المشكلة إلى حد يصعب احتواؤه

والتاريخ مليء بأمثلة:
فوضى بدأت ترفيهًا،
وانتهت عبئًا… ثم أزمة.

حين تصنع الشاشة دولة داخل الدولة

منذ الطفولة،
نشاهد أفلامًا ومسلسلات لا تخلو من الجريمة.

لكن المثير للتأمل ليس وجود الشر،
بل مركزيته.

في كثير من الإنتاجات الأميركية،
تُقدَّم العصابات المنظمة ككيانات متماسكة،
ذات نفوذ، وذكاء، وقوة،
حتى يشعر المشاهد – مع الوقت –
أنها دولة داخل الدولة.

الأمن هش،
الخير متردد،
والشر هو القاعدة.

صحيح أن العمل ينتهي غالبًا بانتصار الخير،
لكن بعد ماذا؟
بعد أن يكون الشر قد:
أكل الأخضر واليابس،
وشكّل الوعي،
واحتل الخيال.

 

من الشاشة إلى الملعب… المنطق نفسه

هذا النمط لا يقتصر على الدراما وحدها،
بل يتسلّل حين تغيب المعايير إلى مساحات أخرى يفترض أن تكون جامعة،
مثل الرياضة.

حين تتحول كرة القدم من منافسة إلى فوضى،
ومن شغف إلى عبث،
ومن لعبة إلى ساحة توتر مفتوحة،
فنحن أمام المشهد ذاته ولكن بملابس مختلفة.

ما شهدناه في نهائي كأس أفريقيا لم يكن مجرد خروج عن النص الرياضي،
بل نتيجة طبيعية لتراكم خطاب وإدارة سمحت بأن:

يتراجع الانضباط،

يتقدّم الانفعال،

وتُدار اللحظة بلا حزم ولا فصل واضح بين التنافس والفوضى.

كما في الشاشة،
حين يُترك الشر ليتمدّد دراميًا قبل أن يُهزم،
يُترك العبث في الملاعب ليتضخم،
ثم يُطلب من الجميع تقبّل النتيجة بوصفها “حدثًا عابرًا”.

 

الخيط الناظم

القاسم المشترك واحد:

غياب الضبط في المراحل الأولى
يحوّل أي مساحة – شاشة أو ملعب –
إلى دولة داخل الدولة،
لها قواعدها الخاصة،
ومنطقها المنفلت،
وتأثيرها العميق على الوعي العام.

وهنا لا يعود السؤال:
من أخطأ؟

بل:
لماذا سُمح للخطأ أن يتراكم
حتى أصبح هو المشهد؟

 

سؤال لا يُطرح كثيرًا

لماذا يختلف المزاج في السينما الأوروبية – وبخاصة الفرنسية؟

لماذا تغيب هناك فانتازيا الشر الجامح؟
ولماذا يحضر الإنسان، والعلاقات، والسلام الداخلي،
حتى في الأعمال الدرامية العميقة؟

هل هو اختلاف ثقافة؟
أم اختلاف رؤية؟
أم اختلاف وعي بدور الشاشة في تشكيل المجتمع؟

 

الشاشات العربية… ماذا تريد من المشاهد؟

السؤال الأكثر إلحاحًا:
ماذا عن شاشاتنا؟

مسلسلات طويلة،
حبكات لا تنتهي،
حزن متراكم،
مكائد،
خيانة،
جرائم،
صراخ،
وهمّ لا يهدأ.

ليس الاعتراض على وجود الدراما،
بل على تحولها إلى نمط دائم.

ماذا يُراد من المشاهد؟

هل نُهيّئه للقلق؟

أم نُطبّعه مع الفوضى؟

أم نُقنعه أن الألم هو القاعدة؟

حين يتكرر المشهد،
لا يعود نقدًا للواقع…
بل يصبح تكريسًا له.

من الإنصاف القول إن الشاشة ليست شرًّا خالصًا، كما أن كرة القدم ليست عبثًا بطبيعتها.
ففي الإعلام أعمال جمالية وإنسانية تُلهم وتُهذّب الذائقة،
وفي كرة القدم متعة خالصة وجماليات توحّد الناس.
الإشكال لا يكمن في الوسيط، بل حين يُترك بعض المساحات بلا ضبط،
فتُخترق من العبث الجماعي، ويُساء توظيف التأثير.

 

المستشارون… حين يُرسم الطريق

هنا نصل إلى السؤال الأخطر:
ما دور المستشارين؟

التاريخ يعلمنا أن:قد تتحول دولة مسالمة إلى شراسةٍ تنعكس سلبًا عليها،
بسبب نصيحة سيئة، سواء قُصد بها ذلك أو جاءت انعكاسًا لخلل في وعي صاحبها.
فالنصيحة السيئة، مهما تلونت، لا تحصد إلا عداوةً وتفككًا وعبثًا.

وكذلك مجتمعٌ قابل للنهوض،
قد يُغرق في الوهم… بتجميلٍ زائف.

هناك مستشار:
يجعل الطريق يبدو سهلًا،
ويمهّد للخطأ،
ويبرر الانزلاق.

وهناك مستشار آخر:
يزيّن السماء والأرض بالألوان،
يخلط الإبداع الحقيقي برماد ملوّن،
حتى لا يميّز الناس بين النور والانعكاس.

كلاهما خطر،
لأن كليهما يضلل… بطرق مختلفة.

وهناك مستشار  :

لا يُسهِّل الطريق ولا يُزيِّنه،
بل يوضّحه.

لا يَعِد،
ولا يُهوِّل،
ولا يُجمِّل الخطأ.

يضع الاحتمالات كما هي،
ويذكّر بالكلفة قبل المكسب.
يقرأ المآلات،
ويملك فكرًا استراتيجيًا نافعًا يحسب الأثر قبل القرار.
ويقدّم الرأي بصدق،
ثم يترك القرار لصاحبه.

هذا المستشار لا يصنع ضجيجًا،
لكنه يحمي المسار،
ويمنع الانزلاق قبل أن يبدأ.

الرابط بين كل هذا

حين يتحول الترفيه إلى تأزيم،
والإعلام إلى ضجيج،
والنصيحة إلى تجميل أو تحريض،

يصبح الإبداع الحقيقي محاصرًا،
وتتحول الحرية من فرصة إلى عبء،
ويغيب السؤال الأهم:

هل ما ننتجه يبني… أم يرهق؟
هل يفتح أفقًا… أم يكرر الفوضى؟
هل يخدم الإنسان… أم يستنزفه؟

 

فصل الخطاب

فصل الخطاب لا يعني المنع،
ولا يعني الوصاية،
ولا يعني قتل الخيال.

فصل الخطاب يعني:

وضوح الرؤية

ضبط المسار

محاسبة بلا صخب

ووعي بأن ما يُبث اليوم…
سيُفكَّر به غدًا.

حين نفهم هذا،
لا نقتل الإبداع،
بل نحميه.

وحين نضبط المسار،
لا نخنق الحرية،
بل ننقذها من نفسها.

هنا فقط…
تتراجع الفوضى،
ويبدأ فصل الخطاب.

_____

حديث الصورة
حين لا يُضبط العمل،
تتقدّم الفوضى… وتغيب الفكرة.