الضجيج يستهلك طاقة… والفهم يصنع الفرق
كتب: عبدالله العميره
الضجيج لا يصنع أثرًا.
هو فقط يستهلك طاقة.
قد يلفت الانتباه لحظة،
وقد يملأ الفراغ بالصوت،
لكنه لا يبني معنى، ولا يخلق قرارًا، ولا يغيّر مسارًا.
على الطرف الآخر، يقف الفهم.
هادئًا، غير صاخب، لكنه مولِّد للطاقة.
طاقة التفكير، وطاقة القرار، وطاقة التأثير الحقيقي.
وهنا تحديدًا… تعمل BETH.
متى يبدأ الفهم؟
يبدأ الفهم عندما نُدرك أن الخلل ليس في سرعة نقل الخبر،
بل في طريقة صناعته.
في بيئة لا تفرّق كثيرًا بين:
وكالة أنباء محلية ذات امتداد دولي
وصحيفة تقليدية تكتب لجمهورها القريب فقط
يصبح السؤال مشروعًا:
أين الفارق؟
الفارق ليس في اللغة،
ولا في العنوان،
ولا حتى في السبق.
الفارق في الصناعة.
هل يستطيع أي صحفي أن يكتب للعالم؟
نظريًا… نعم.
عمليًا… نادرًا.
الكتابة للعالم لا تعني الترجمة إلى لغة أجنبية،
ولا تعني استخدام مصطلحات دولية جاهزة.
الكتابة للعالم تعني:
فهم الرسالة قبل صياغتها
فهم الهدف قبل نشرها
فهم المتلقي قبل مخاطبته
والأهم:
فهم ما تريد قوله… ولماذا… ولمن… وماذا سيحدث بعد أن يُقال.
من لا يملك هذا الفهم، سيكتب كثيرًا…
لكن تأثيره سيبقى محليًا، محدودًا، سريع الزوال.
تحويل المحلي إلى دولي ليس حيلة لغوية
تحويل الحدث المحلي إلى مادة دولية لا يتم عبر “تضخيمه”،
بل عبر وضعه في سياقه الصحيح.
العالم لا يهتم بتفاصيلك…
إلا إذا شرحت له:
لماذا تعنيه
وكيف ترتبط بمصالحه
وما الذي تعكسه عن الصورة الكبرى
هنا فقط، يتحوّل المحلي إلى نافذة على العالم،
لا إلى خبر محلي مكرّر بلغة أجنبية.
الضجيج الإعلامي… علامة غياب الفهم
كلما ارتفع الضجيج:
قلّ الفهم
زادت الانفعالات
اختلط الرأي بالخبر
وتحوّل الإعلام إلى ساحة صراع لا مساحة إدراك
الضجيج سهل…
الفهم مُتعب.
ولهذا يهرب كثيرون إلى الضجيج،
لأنه لا يتطلب شجاعة فكرية،
ولا مسؤولية معرفية.
لماذا نعمل في منطقة الفهم؟
لأن الفهم:
لا يختصر الواقع
لا يزيّفه
ولا يهادنه
بل يضعه أمام القارئ كما هو،
ويمنحه الأدوات ليكوّن موقفه بنفسه.
نحن لا نبيع رأيًا،
ولا نبحث عن اصطفاف،
ولا نراهن على الانفعال.
نراهن على شيء واحد:
أن يفهم من يهمه الفهم.
خاتمة
ليس كل ما لا يُفهم خطأ،
ولا كل ما يُرفض ضعفًا.
بعض الأفكار لا تُكتب للأغلبية،
ولا تُصاغ لمن لا يريد أن يفهم.
لكنها تُكتب لتبقى،
وتُقرأ في اللحظة التي يحتاج فيها العالم إلى الفهم…
لا إلى مزيد من الضجيج.
وهنا،
تبدأ المسافة بين من يكتب…
ومن يصنع أثرًا.
إشارة أخيرة
حين أكتب مقالات من هذا النوع، كثيرًا ما يقال لي:
أنت تكتب للنخبة… العامة لا يفهمونك.
أجيب بهدوء:
نعم، النخبة هم هدفي، لأنهم أصحاب القرار.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا أكتب للنخبة؟
بل: لماذا لا يتحوّل العامي إلى نخبوي؟
ما الذي يمنع ذلك؟
هل هو غياب القدرة… أم غياب الرغبة؟
هل هو العجز عن الفهم… أم الاكتفاء بدور المتأثر المتردد؟
التاريخ يقول شيئًا واحدًا بثبات:
سيأتي يوم يفهمون.
فالغيبة لا تطول، مهما اجتهد المُغَيِّبون (بضم الباء)
في تضليل المُغَيَّبين (بكسرها).
وفي هذا السياق، لا تكتفي BETH بنقل ملامح الإنتاج الحضاري السعودي،
بل تسهم في صناعة الفهم،
وتسليط الضوء على العقول القادرة على القراءة، والتفكير، واتخاذ القرار.
سيقول بعضهم إن هذا الخطاب نخبوي فلسفي، أو نرجسي، لا لأنه كذلك، بل لأن الحديث عن الفهم يربك من اعتاد الاكتفاء بالضجيج.
الفارق بسيط لكنه جوهري: النرجسية ترفع صاحبها فوق الآخرين، أما هذا الطرح فيرفع السقف ويترك الباب مفتوحًا لمن أراد العبور.
من يسعى إلى الفهم سيجد نفسه هنا، ومن لا يريد سيمضي عابرًا، ومن يتردد سيعود حين يهدأ الضجيج.
فليس كل ما يُكتب لليوم… بعض الأفكار تُكتب لتبقى، وتنتظر لحظة يكون فيها الفهم ضرورة، لا ترفًا.
_____
حديث الصورة:
من ضجيجٍ متشابك…
إلى خطٍ مستقيم.
الضجيج يستهلك الطاقة،
والفهم يصنع المسار،
وعند نهايته… يولد القرار.