إيران على حافة الانكسار
إحاطة استراتيجية | BETH Global Analysis
12 يناير 2026
تشهد إيران واحدة من أعنف موجات الاضطراب الداخلي منذ سنوات، بعدما تحولت الاحتجاجات التي انطلقت أواخر ديسمبر على خلفية الأوضاع الاقتصادية إلى تحدٍّ وطني واسع لسلطة الدولة.
وقد سُجّلت تظاهرات في طهران وكردستان وبلوشستان ومدن صناعية رئيسية، مع مؤشرات متزايدة على أن المشهد لم يعد محصورًا في مطالب معيشية، بل دخل مرحلة سياسية أعمق تمس جوهر النظام الحاكم.
في المقابل، ردّت قوات الأمن باستخدام القوة المفرطة، بما في ذلك الرصاص الحي، والاعتقالات الجماعية، وقطع شبه كامل لخدمات الإنترنت والاتصالات في مناطق واسعة من البلاد. وقد صعّب هذا التعتيم الإعلامي عملية التحقق المستقل، إلا أن مصادر إقليمية ودولية عدة تصف الوضع بأنه يتدهور بوتيرة مقلقة.
من احتجاجات اقتصادية إلى أزمة شرعية
ما بدأ في 28 ديسمبر بوصفه احتجاجات على التضخم والبطالة وتراجع مستويات المعيشة، تطور تدريجيًا إلى موجة رفض أوسع للنموذج السياسي الحاكم.
إن اتساع رقعة التظاهرات جغرافيًا واجتماعيًا يشير إلى أن الأزمة لم تعد فئوية أو محلية، بل باتت تمثل تحديًا بنيويًا للدولة الإيرانية نفسها.
وفي حين تؤكد الحكومة أن الأوضاع “تحت السيطرة”، متهمةً قوى خارجية بالتحريض، ومحذّرة الولايات المتحدة وإسرائيل من التدخل، فقد شهدت البلاد أيضًا تنظيم مسيرات مؤيدة للنظام، ما يعكس حالة استقطاب داخلي حاد.
سلطة الدولة تحت ضغط غير مسبوق
يرى محللون أن لجوء النظام إلى الإعدامات، والاعتقالات الواسعة، وقطع الاتصالات، هو مؤشر على الضغط لا القوة.
في الأنظمة السلطوية، غالبًا ما تعكس هذه الإجراءات فشل أدوات الاحتواء التقليدية، وانتقال السلطة إلى منطق السيطرة القسرية فقط.
أما استمرار تعطيل الإنترنت، فيحمل دلالة استراتيجية خطيرة، إذ لا يهدف فقط إلى تعطيل التنسيق بين المتظاهرين، بل إلى عزل البلاد عن الرقابة الدولية، وخلق بيئة مغلقة قد تتفاقم فيها الأحداث دون شهود.
المرأة في قلب المشهد
من أبرز ملامح هذه الاحتجاجات الدور القيادي والمتقدم للمرأة الإيرانية.
في عدد كبير من المدن، ظهرت النساء في الصفوف الأولى للتظاهرات، وفي تنظيم الشبكات، وفي توثيق الأحداث قبل انقطاع الاتصالات، ما حول الانتفاضة إلى مواجهة ثقافية وجيلية عميقة، لا مجرد خلاف سياسي.
ويرى كثير من المراقبين أن هذا البعد يجعل هذه الحركة مختلفة جذريًا عن موجات الاحتجاج السابقة.
شبكات منظمة داخل الحراك
تشير تقارير إلى وجود شبكات معارضة منظمة تعمل داخل إيران، من بينها مجموعات مرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
ورغم أن لهذه الشبكات دورًا في التعبئة والتنسيق، فإن المشهد الاحتجاجي يبقى أوسع بكثير، إذ يضم طلابًا وعمالًا وأقليات قومية وشرائح من الطبقة الوسطى الحضرية، ما يجعل اختزاله في فصيل واحد أمرًا مضللًا.
ردود دولية: قلق بلا التزام
أصدرت عدة دول غربية، من بينها كندا ودول أوروبية، بيانات تدين استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين وتدعو إلى ضبط النفس.
غير أن هذه المواقف ما تزال في إطار الضغط الدبلوماسي، دون مؤشرات على خطوات عملية قد تغيّر حسابات طهران، في ظل تخوّف دولي من تداعيات زعزعة استقرار دولة إقليمية كبرى دون بديل سياسي واضح.
السيناريوهات الاستراتيجية
تقف إيران اليوم أمام ثلاثة مسارات محتملة:
احتواء مؤقت بالقوة مع خسارة طويلة الأمد للشرعية.
عدم استقرار ممتد عبر موجات احتجاج وقمع متكررة.
انكسار سياسي أعمق يهدد قابلية النظام الحالي للاستمرار.
لكن المؤكد أن حاجز الخوف قد انكسر، وعندما يحدث ذلك، نادرًا ما تعود الأنظمة إلى توازنها السابق.
تقدير BETH
إيران لم تعد تواجه احتجاجات…
بل أزمة هوية للدولة نفسها.
السؤال المطروح في الشارع لم يعد عن الأسعار أو الرواتب، بل عن:
من يملك الحق في الحكم؟ وعلى أي أساس؟
وهذا أخطر سؤال يمكن أن يواجه أي سلطة.