ماذا يحدث في المنطقة؟ .. إسرائيل بين التطبيع الإيجابي وخلق الفوضى والعبث
ملاحظة وإعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
المنطقة تمر بمرحلة إعادة تموضع لا “إعادة تشكيل كاملة”. الفارق مهم:
الأحداث المتزامنة (نزاعات، أزمات اقتصادية، انقسام داخلي، تنافس دولي) تجعل أي طرف — إسرائيل، إيران، تركيا، الولايات المتحدة، وحتى قوى عربية — يحاول تحسين موقعه في خريطة متحركة، لا رسم خريطة من الصفر.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقات الإسرائيلية–العربية، وما يُعرف بـ “الإبراهيمية”، جزءًا من مشهد أكبر:
بحث عن الأمن، النفوذ، الاقتصاد، وكلفة الصراعات.
كيف تفكر إسرائيل في علاقتها بمحيطها العربي؟
يمكن قراءة العقل الاستراتيجي الإسرائيلي من خلال 3 دوائر متداخلة:
أ) دائرة الأمن المباشر
تقليل احتمالات الحرب التقليدية
بناء ترتيبات ردع/إنذار/تعاون أمني حيث أمكن
ب) دائرة تفكيك العزلة
تحويل إسرائيل من “استثناء” إلى “طرف طبيعي”
نقل الصراع من شرعية الوجود إلى “إدارة خلافات”
ج) دائرة الاقتصاد والتكنولوجيا
فتح أسواق وفرص استثمار وتبادل معرفي
بناء شبكة مصالح تجعل القطيعة مكلفة للجميع
هذه ليست “نية خير أو شر” بحد ذاتها؛ بل سلوك دولة تبحث عن أفضل وضع ممكن في بيئة قلقة.
ما نوع “الإبراهيمية” التي تريدها تل أبيب؟
هنا جوهر السؤال. “الإبراهيمية” ليست تعريفًا واحدًا، بل مستويات:
المستوى الأول: إبراهيمية العلاقات (التطبيع كإطار)
علاقات دبلوماسية، تجارة، سفر، تعاون، أمن.
المستوى الثاني: إبراهيمية السردية (تغيير اللغة)
إعادة توصيف المنطقة من صراع إلى “تعايش/تسامح” في الخطاب العام.
المستوى الثالث: إبراهيمية المعادلة الإقليمية (الأهم)
دمج إسرائيل في ترتيبات إقليمية أوسع (أمنية/اقتصادية/ممرات/طاقة) بحيث تصبح جزءًا من ميزان الاستقرار لا طرفًا خارجه.
الالتباس لدى المواطن العربي يظهر عندما يُقدَّم المستوى الثاني (الخطاب) كأنه بديل عن المستوى الثالث (حلول أمنية/سياسية حقيقية) أو عن ملفات النزاع القائمة.
سؤال المواطن العربي: “ماذا تحقق؟”
هذا سؤال مشروع، لأنه يقيس التطبيع بميزانين:
ميزان الدولة
مصالح اقتصادية
تعاون تقني
تفاهمات أمنية
تهدئة ملفات محددة
ميزان الشارع
هل قلّت الحروب؟
هل زاد الاستقرار؟
هل انعكس ذلك على حياة الناس؟
هل تحسن مسار القضية الفلسطينية أو هدأت توتراتها؟
الفجوة بين الميزانين تخلق فراغًا يملؤه الشك أو التهويل أو التخوين.
السودان واليمن: هل لإسرائيل “يد”؟ أم أن الاتهام مبالغ فيه؟
هنا يجب ضبط الخطاب بدقة.
السودان واليمن ساحتا تعقيد داخلي وإقليمي منذ سنوات طويلة، فيهما:
صراعات محلية على السلطة
تشظي مؤسسات الدولة
تدخلات إقليمية متعددة
اقتصاد حرب وسلاح وشبكات مصالح
قد تحاول إسرائيل — مثل غيرها — استغلال الفرص أو تقليل المخاطر أو تحسين التموضع.
لكن تحويل كل تعقيد إلى “فاعل واحد” يُضعف التحليل.
صياغة BETH المقترحة:
“قد توجد أدوار أو مصالح متقاطعة لقوى عدة، بينها إسرائيل، لكن تفسير أزمات السودان واليمن على أنها نتيجة فاعل واحد فقط يختزل الواقع ويستبدل التحليل بالسردية.”
هل ترى إسرائيل في الفوضى ضمانًا للأمن؟
وأين تقف الدول المطبّعة في هذه المعادلة؟
المدرسة الواقعية في الأمن تقول:
بعض الدول ترى أن “التهديد الأفضل” هو جار ضعيف.
لكن المدرسة الاستراتيجية الأعمق تقول العكس:
الفوضى تُنتج تهديدات غير قابلة للسيطرة.
ولهذا فالسؤال الأدق ليس: “هل تريد الفوضى؟”
بل:
هل تتحمل إسرائيل كلفة الفوضى إذا حدثت؟ وهل تُحسن إدارتها؟
وهنا تظهر المفارقة التي أشرت لها أنت بدقة:
الفوضى قد تنتج جيلًا جديدًا أكثر راديكالية، وأكثر عداءً، وأقل قابلية للاحتواء.
هل إعادة تشكيل المنطقة سهلة على أمريكا وإسرائيل؟
غالبًا: لا.
لسببين:
لأن المنطقة ليست لوحة شطرنج بيد طرف واحد
لأن اللاعبين المحليين يملكون إرادات ومصالح متعارضة
الممكن هو: إعادة تموضع، عقد تفاهمات، بناء ممرات اقتصادية، تحييد بعض المخاطر…
أما “إعادة تشكيل” كاملة فهذا يتطلب شروطًا تاريخية نادرة.
أين تقف BETH؟ (خلاصة محايدة مفيدة)
التطبيع أداة سياسية لا “ضمانة أخلاقية”
إسرائيل — كدولة — تبحث عن أمن ونفوذ واندماج إقليمي، وهذا طبيعي في منطق الدول
بعض سياسات الأمن قد تميل إلى إضعاف الخصوم أو تحييدهم، لكن الفوضى ليست دائمًا خيارًا ذكيًا لأنها ترتد على الجميع
أزمات مثل السودان واليمن أعقد من أن تُنسب لطرف واحد، والتحليل المهني يرفض الاختزال
السؤال الأهم للمنطقة ليس: “من المتهم؟”
بل: ما الذي يجعل ساحاتنا قابلة للاشتعال أصلًا؟
لأن القابلية الداخلية هي ما يتيح للأدوار الخارجية أن تؤثر.
سؤال وعي
إذا كان المواطن العربي يسأل: “ما دور إسرائيل؟”
فالسؤال الموازي الذي يجب ألا يُهمَل هو:
ما الذي جعل بعض ساحاتنا رخوة بحيث تصبح ساحة تصفية حسابات؟
هنا يبدأ التحليل الذي يخدم الوعي… لا الغضب.
خاتمة | BETH
سياسة التخويف والتهديد قد تنجح مؤقتًا،
لكنها تفشل استراتيجيًا.
الأكثر فاعلية هو إدارة الوعي، لا كسر الإرادة.
فالشفافية الذكية أطول عمرًا من الترهيب،
والشراكة في المعنى تُنتج استقرارًا… لا انفجارًا مؤجلًا.
وفي منطق الدول والمجتمعات:
من يقنع الناس، لا يحتاج أن يُخيفهم.
__________________________
جديث الصورة:
هل التطبيع غلاف؟
أم كتاب كامل؟