إيران | الاحتجاجات وقطع الإنترنت .. من أزمة معيشية إلى اختبار شرعية

news image

 

تحليل | BETH

لم يعد المشهد الإيراني يُقرأ بوصفه احتجاجًا اقتصاديًا تقليديًا فحسب، بل كحلقة جديدة من توتر داخلي مركّب تتقاطع فيه الأزمات المعيشية مع فجوة الشرعية السياسية ومعركة السرديات. وفي قلب هذا التصاعد، جاء قرار قطع الإنترنت كإشارة مفصلية، لا باعتباره إجراءً تقنيًا عابرًا، بل أداة سياسية تهدف إلى تعطيل التنسيق ومنع توحّد الرواية.

ما تشهده إيران اليوم لا يمكن اختزاله في توصيف واحد؛
فهو ليس انفجارًا عابرًا، ولا ثورة مكتملة، ولا مجرد أزمة اقتصادية،
بل تراكب ضغوط بلغ مرحلة حساسة، ظهر أحد مؤشراته الأوضح في إدارة الفضاء الرقمي.

 

ماذا يحدث؟

تحمل الاحتجاجات الحالية سمات مختلفة عن موجات سابقة، أبرزها:

اتساع جغرافي غير منتظم

مشاركة شبابية لفئات متضررة اقتصاديًا

تراجع الخطاب المطلبي لصالح نبرة رفض أوسع

تحرك أمني سريع لاحتواء المشهد إعلاميًا قبل ميدانيًا

هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة اقتراب لحظة حاسمة، لكنها تعكس حالة إنهاك داخلي بدأت تتجاوز أدوات الاحتواء التقليدية.

 

لماذا الآن؟ (جذور اللحظة)

1) الاقتصاد كعامل ضغط صامت

التضخم، تآكل الدخل، وانسداد الفرص لم تعد عوامل قابلة للامتصاص عبر الخطاب الرسمي.
الاحتجاج هنا لا يعبّر عن مطالب تحسين، بل عن تآكل الثقة بإمكانية التحسن.

2) فجوة الشرعية مع جيل جديد

جيل ما بعد الثورة لا يتحرك بمنطق “الدَّين التاريخي”،
بل يقيس الأداء بالحاضر، لا بالسرديات.

3) ارتداد الصراع الخارجي إلى الداخل

تكلفة السياسات الإقليمية باتت سؤالًا داخليًا مشروعًا:
لماذا تُدار معارك خارج الحدود بينما يتآكل الداخل؟

4) الخوف من التزامن

السلطة لا تخشى التظاهر بقدر ما تخشى التزامن:
مدن متعددة، رواية واحدة، ولحظة مشتركة.
ومن هنا جاء قطع الإنترنت.

 

قطع الإنترنت… ماذا يعني فعليًا؟

ليس قرارًا تقنيًا، بل رسالة سياسية تهدف إلى:

كسر التنسيق

منع تشكّل سردية موحدة

عزل الداخل عن الخارج

غير أن التجربة تشير إلى أن هذا الإجراء قد يُبطئ الاحتجاج، لكنه نادرًا ما يُنهي أسبابه البنيوية.

 

كيف تُقرأ التحليلات الخارجية؟

في خضم هذه التطورات، ظهرت قراءات سياسية خارج إيران — من بينها مقال للكاتب عبدالرزاق الزرزور (محامٍ وناشط حقوقي سوري) — ترى أن ما يجري تجاوز مرحلة الاحتجاج إلى ما تصفه بـ “الاستهداف البنيوي” للنظام.

قراءة BETH المهنية:

هذه التحليلات تعبّر عن زاوية معارضة وتصعيد في الخطاب

تتضمن استنتاجات حاسمة حول التنظيم والقيادة والبديل

لا تمثل توصيفًا توافقيًا أو قراءة محايدة

ما يمكن الاستفادة منه دون تبنٍّ:

الإشارة إلى تطور أدوات الضغط مثل الإضرابات

لفت الانتباه إلى البعد النفسي لانكسار الخوف

فهم كيف تُقرأ الأحداث خارج إيران لا داخلها فقط

أما توصيفات مثل “السقوط”، أو الحديث عن “بديل جاهز”، أو تحديد فصائل بعينها، فتبقى ضمن رأي كاتبها ولا تمثل قراءة BETH.

 

أدوات الضغط وتأثيرها

الإضرابات

في حال اتساعها، تمثل الإضرابات عاملًا مرجحًا لتصعيد الأزمة، لأنها تنقل الضغط من الشارع إلى حركة الاقتصاد، ما يرفع كلفة الاحتواء.

الأثر النفسي

عندما تتراجع قدرة الدولة على إنتاج الخوف، يصبح الخوف نفسه قابلًا للتآكل، وهو عنصر حاسم في فهم استدامة أي موجة احتجاج.

 

الموقف الدولي

يتذبذب التعامل الدولي مع إيران بين ثلاثة ملفات:

حقوق الإنسان

الأمن الإقليمي

الملف النووي

وغالبًا ما يُستخدم ملف الحقوق كرافعة سياسية، دون أن يتحول بالضرورة إلى موقف موحد يدعم تغييرًا سياسيًا مباشرًا، إذ تحكمه اعتبارات المصالح وتوازنات العواصم.

 

ماذا بعد؟ (السيناريوهات الواقعية)

السيناريو الأرجح – قصير المدى

احتواء أمني موضعي

إعادة تدريجية للإنترنت

تهدئة اقتصادية وإعلامية محدودة

نجاح مؤقت دون معالجة جذرية.

السيناريو المتوسط

احتجاجات أقل كثافة

أكثر مرونة وتنقلًا

مفاجئة في التوقيت

وهو نمط أكثر إنهاكًا للدولة.

السيناريو الأعمق (الأخطر)

حتى مع هدوء الشارع، يبقى الخطر في تآكل الثقة بين المجتمع والدولة، وهي أزمة طويلة الأمد لا تُحل بالأدوات الأمنية.

 

خاتمة | BETH

ما يجري في إيران اليوم لا يمكن اختزاله في عنوان واحد.
إنه مزيج من اقتصاد منهك، فجوة شرعية، صراع سرديات، وخوف السلطة من أن يتحول الشارع إلى شبكة متصلة.

وإذا كان قطع الإنترنت قد يوقف تدفق المعلومات مؤقتًا،
فإنه نادرًا ما يوقف تدفق الأسباب.

— BETH