الخبثاء والطيبون

news image

 

كتب – عبدالله العميره

المقدمة

ليس الصراع في هذا العالم بين أقوياء وضعفاء،
ولا بين أذكياء وسذّج،
بل بين خبيثٍ يعرف ماذا يريد، وطيبٍ يعرف من يكون.

الفرق بين الخبيث والطيب ليس في المظهر ولا في الخطاب،
بل في النية، والمنهج، وطريقة النظر إلى الإنسان والحياة.

فالخبث ليس ذكاءً،
كما أن الطيب ليس ضعفًا.

 

الخبث والطيب في السياسة

في السياسة، يصبح الخبث مهارةً عند البعض،
وتُسوّق القسوة على أنها حنكة،
والغدر على أنه واقعية.

لكن السؤال الجوهري:
هل يمكن أن تتوافق السياسة مع العمل الطيب؟

التاريخ يقول: نعم… ولكن بثمن.
فالسياسة النظيفة لا تعيش طويلًا في بيئة ملوّثة،
لكنها حين تظهر، تغيّر المعادلات ولو بعد حين.

 

من هم الخبثاء اليوم؟ ومن هم الطيبون؟

الخبثاء ليسوا أولئك الذين يرفعون أصواتهم،
بل من يبتسمون وهم يطعنون.

هم الذين:

يتغذّون على الفوضى

يزرعون الشك

ويستثمرون في كسر القيم قبل كسر الخصوم

أما الطيبون،
فهم من يدفعون ثمن التمسك بالمبدأ،
لا لأنهم لا يرون الشر،
بل لأنهم يرفضون أن يكونوا جزءًا منه.

 

الطيب في ميزان الشعر والحياة

يقول الشاعر:

من قدّم الطيب يلقى الطيب قدّامه
والناس بأفعالها من قبل أساميها

أحدٍ على الطيب يتعب دايم أقدامه
وده جميع البشر بالطيب يرضيها

هذه ليست مثالية شعرية،
بل حكمة مجرّبة:
الفعل يسبق الاسم، والنية تُفضَح مع الوقت.

 

كيف يرى الخبيث الطيب؟

أصحاب الجينات العفنة لا يفهمون الطيب.
يرونه:

ساذجًا

سهل الاختراق

قابلًا للاستغلال

لأنهم يقيسون الناس بأنفسهم،
ولا يتصورون أن أحدًا قد يختار الخير… وهو قادر على الشر.

 

كيف يرى الطيب العالم؟

أما أصحاب الجينات السليمة،
أهل الشيمة والكرم والمرجلة،
فيرون الطيب قيمة لا صفقة.

يعرفون أن:

الطيب لا يمنع الحزم

والأخلاق لا تلغي القوة

والمرجلة لا تعني الغفلة

بل تعني القدرة على الفعل دون خسارة الذات.

 

هل الطيب موجود في هذا الزمن؟

نعم… لكنه متعب.
يمشي عكس التيار،
ويُتهم كثيرًا بالسذاجة،
لأنه لا يجيد الصراخ ولا الطعن من الخلف.

في زمن يُكافأ فيه الخبيث،
يصبح الطيب نشازًا أخلاقيًا.

 

لماذا يُمجَّد الذئب ويُهان الكلب؟

في بعض المجتمعات،
يُوصف الخبيث بالذئب… إعجابًا بدهائه،
ويُهان الإنسان الطيب بوصفه كلبًا… استنقاصًا له.

وهي مفارقة مؤلمة،
فالذئب لا يعرف الوفاء،
بينما الكلب رمزٌ له.

لكنها أزمة مفاهيم:
حين تختلط القوة بالشر،
ويُختزل الوفاء في الضعف.

 

لماذا تفتقد المرجلة في بعض المجتمعات؟

لأن المرجلة:

تحتاج شجاعة أخلاقية

وتربية طويلة

وقدرة على قول “لا” حين يغري الربح

وعندما تُربّى الأجيال على النجاة الفردية لا الكرامة،
تذبل المرجلة،
ويكثر الخبثاء،
ويُترك الطيب وحيدًا في الساحة.

 

الخلاصة

الخبث قد يربح جولة،
لكن الطيب يربح الزمن.

والأمم لا تنهار حين يكثر أعداؤها،
بل حين تسخر من طيبيها، وتُكافئ خبثاءها.

ويبقى السؤال الحقيقي:
في عالم يصفق للذئاب…
هل نملك الشجاعة لنحترم الوفاء؟

 

خاتمة

قبل سنوات، دار بيني وبين زميل حديث طويل عن الطيب والخبث.
وكان لافتًا أن حياته، وتعاملاته، وحتى قراءته للناس… كلها قائمة على الخبث، بلا استثناء.

استنكرت عليه هذا الإفراط، وقلت له بهدوء:
لماذا كل هذا الخبث؟

ابتسم بثقة وقال:
إن لم تكن ذئبًا…

قاطعته مباشرة:
أكلتك الذئاب؟
أليس هذا هو المثل؟

قال: لا، ذاك مثل قديم.
اليوم تغيّر الأمر.
إن لم تكن ذئبًا أجرَدَ كثيرَ الأذى، بالت عليك الثعالب.

والأجرَد – كما شرح – هو الذئب الذي تقطّعت أذناه من كثرة الصراع،
رمزًا لمن لا يعيش إلا في معركة،
ولا ينجو إلا وقد فقد جزءًا من إنسانيته.

صمتُّ لحظة، ثم قلت له:
وما الذي يُجبرني أصلًا أن أعيش بين الحيوانات؟

أنا أفضّل أن أكون بعيدًا عن هذا العالم،
مع الحذر… لا مع التحوّل.

وأجعل نصب عيني قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يخدعني.»

ومن تجربة، أجزم أن الإبداع الإنساني
لا يمكن أن يولد، ولا أن يعيش،
في بيئة قذرة، مليشاوية،
مليئة بالمماحكات والمؤامرات.

الإبداع يحتاج هواءً نظيفًا،
وبيئة سليمة،
وصبرًا طويلًا…
فالطيب، وإن أتعب، أبقى أثرًا.

 

استدراك:
الصحفي لا يكتب ليُفرغ ذاته، بل ليقرأ الناس أنفسهم في ما يكتب.
ولهذا تبقى القاعدة ثابتة:
الصحفي البارع هو السيكولوجي الماهر.