البعير وبعرة الأرنب!
كتب: عبدالله العميره
ليس كل ما يُرى يُقال،
وليس كل ما يُقال يُراد به ما يُقال.
بعد العملية الأميركية في فنزويلا، انشغل كثيرون بالسؤال السهل:
لماذا الآن؟
وانشغل آخرون بالتفسير السطحي: مخدرات، فوضى، نظام خارج عن القانون.
لكن السؤال الأهم، الذي طرحه صديق بذكاء، كان مختلفًا:
ألم تكن الولايات المتحدة تعلم بكل هذا منذ البداية؟
ألم تكن ترى المسار، وتقرأ الاتجاه، وتعرف النهاية قبل أن تتضخم؟
الجواب المختصر:
نعم… كانت تعلم.
لكنها لم تكن مستعجلة.
جنون الثروة… حين يُصاب المخيخ
الثروة، حين تُدار بعقل دولة، تصبح تنمية.
وحين تُدار بعقل فرد، تتحول إلى غطرسة.
بعض الرؤساء لا يُفسدهم الفقر، بل يُفسدهم فائض المال.
النفط، الغاز، الموارد… حين تصيب المخيخ، تُنتج وهم العظمة، وتضخم الطموحات، ورغبة في لعب أدوار أكبر من الحجم الطبيعي للدولة.
وهنا تبدأ المشكلة.
ليس لأن الدولة قوية، بل لأنها تظن نفسها كذلك.
المستشارون… العدو الذي لا يُحسن التنفيذ
في لحظة التضخم، يظهر “الصديق الخطأ”.
مستشارون، خبراء، قوى خارجية…
يعرفون جيدًا كيف يرسمون خرائط العبث، لكنهم لا يجيدون التنفيذ.
فيبحثون عن أدوات.
ولا يجدون أفضل من رؤوس منتفخة، وأنظمة متعبة، ودول صغيرة تظن نفسها محورًا كونيًا.
هؤلاء لا يصنعون الاستراتيجية،
بل يستعيرون دولة لتنفيذها.
لماذا لم تُجهض واشنطن العبث في مهده؟
لأن الولايات المتحدة، تاريخيًا، لا تُجيد الاستراتيجيات بعيدة المدى كما يفعل آخرون،
لكنها تُجيد شيئًا واحدًا بإتقان شديد: استغلال الفرص.
هي لا تقتل الفكرة وهي جنين.
تتركها تكبر،
تراقبها،
تسمح لها بالتمدد،
ثم… حين تشطّ عن الإرادة الكبرى، تتحرك.
ليس بدافع الأخلاق،
ولا بدافع القانون،
بل بدافع الميزان.
هكذا حدث مع أنظمة سابقة،
وهكذا يتكرر المشهد اليوم.
لا زلت أتذكر، قبل سنوات، لقاءً تلفزيونيًا مباشرًا سُئلت فيه عن وزير في دولة ما، انكشف فساده بعد وصوله إلى الكرسي.
سألني المذيع حينها:
ألم يكن من اختاره يعلم؟
أجبت بهدوء:
من اختاره، وصله فحص كامل وشامل، وتقارير وتوصيات تؤكد صلاحيته.
لكن… ما ذنب من اختاره إن تغيّر الرجل بعد أن جلس على الكرسي؟
بعض المسؤولين تكون بداياتهم طيبة فعلًا،
ثم يُصابون بالغرور،
خصوصًا أولئك الذين لا تمتّ جيناتهم ولا تكوينهم الحقيقي بصلة للإدارة أو طبيعة المنصب.
الكرسي يُغري،
والمال يُضخّم الوهم،
ومع الوقت يبدأ الميل الخفي نحو الطريق الخطأ،
حين يُحيط المسؤول نفسه بمستشارين فاسدين… أو بلا عقل.
هنا لا يسقط الرجل فجأة،
بل ينحرف تدريجيًا… حتى لا يعود هو ذاته الذي اجتاز الفحص الأول.
الشاه… ومادورو… والتشابه الخادع
التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا،
لكنه يُكرر أنماطه.
كما وُجد شاهٌ ظن أن العرش أقوى من الجغرافيا،
ويوجد اليوم من ظن أن الثروة تحميه من الحساب.
الأسماء تتغير،
لكن القاعدة واحدة:
من يخلط بين الدور المسموح والدور المتخيَّل…
يضع نفسه على طاولة الإزالة، ولو بعد حين.
أشباه… لا يُرون، لكن تُرى آثارهم
ليس كل بعير ظاهرًا في الأفق.
لكن البعرة… لا تكذب.
أثر المال،
أثر الخطاب المتعالي،
أثر التحالفات غير الطبيعية،
أثر الطموح الذي سبق الحجم…
كلها بعَر.
ومن يتقن القراءة، يعرف أن بعرة الأرنب لا تصدر عن بعير.
وكما قال العرب قديمًا:
“البعرة تدل على البعير، وآثار السير تدل على المسير.”
الخلاصة
ما جرى في فنزويلا ليس حادثة معزولة.
هو رسالة باردة، بلا ضجيج:
من يظن أن العبث لعبة دائمة،
سيكتشف أن الصبر الأميركي ليس عجزًا…
بل انتظارًا للحظة المناسبة.
والأذكى ليس من يسأل: من التالي؟
بل من يسأل نفسه بصدق:
هل ما أتباهى به بعير… أم بعرة؟
فبعضهم يخلط بين الأثر والحجم،
ويُضخّم بعرة حتى يراها بعيرًا،
ثم يفتخر بها،
دون أن ينتبه أن هذا “البعير المتوهَّم”
لا يقوده إلى مجدٍ أو قوة،
بل يجرّه، بثقلٍ بطيء،
إلى حيث لا يريد…
ملاحظة لغوية على الهامش:
ما يُسمّى بعرةً في لسان العرب يخصّ البعير،
أما الأرنب فله زِبلٌ أو قِضامة…
والخلط بين الأسماء لا يُغيّر من حقيقة الأثر.
موضوع ذو صلة
مادورو في قبضة ترمب