حين يُسرق الإدراك
4
كيف تُهندس السينما والإعلام وعيًا يُصفّق للاختراق ويُهمل الفهم؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
مدخل: المتعة التي لا تبدو بريئة
ليست كل المتعة بريئة،
وليست كل الحكايات مجرّد تسلية.
بعض الأعمال السينمائية والدرامية تُشاهَد بخفة،
لكنها تُزرع في العمق بثقلٍ لا يُرى.
وحين نضحك، أو نندهش، أو نصفّق لعبقرية بطلٍ ما،
قد لا ننتبه أننا لا نتابع قصة فحسب،
بل نشارك – دون وعي – في تشكيل نموذج ذهني
يُعيد تعريف الذكاء، والنجاح، والعلاقة مع النظام.
قصة تتكرر… من الشرق إلى الغرب
في عام 2012، قدّم المسلسل المصري «فرقة ناجي عطا الله» حبكة تقوم على سرقة بنك داخل إسرائيل،
بقيادة شخصية ذكية، وفريق منسجم، وخطة محكمة،
تُقدَّم فيها الحيلة بوصفها بطولة.
بعد ذلك بسنوات، وفي عام 2021، ظهر الفيلم الإسباني
The Vault (Way Down)
بحبكة مختلفة في الشكل، متشابهة في الجوهر:
مهندس عبقري، نظام أمني معقّد، حدث عالمي للتشتيت،
واختراق يُقدَّم بوصفه ذروة الذكاء.
هنا لا نقف عند سؤال:
هل العمل الثاني اقتبس من الأول؟
ولا نُسارع إلى اتهام السرقة.
السؤال الأذكى هو:
لماذا تتكرر البنية الذهنية نفسها، مع اختلاف الإخراج العبقري لصالح الفيلم الأجنبي؟
ثلاثة احتمالات… ونتيجة واحدة
أمام هذا التشابه، تظهر ثلاثة تفسيرات محتملة:
1) رواية عالمية واحدة
نعم، هناك حبكات نمطية عالمية (سرقة بنك، عقل عبقري، وقت ضيق)،
لكن هذا لا يفسّر التشابه العميق في طريقة تصوير الذكاء.
2) توارد خواطر
احتمال وارد، لكنه يضعف حين تتشابه الرسالة والنتيجة الذهنية، لا الحدث فقط.
3) إعادة إنتاج غير واعٍ لنموذج ناجح
وهو الاحتمال الأخطر؛ لأنه لا يحتاج نية،
بل يحتاج فقط كسلًا فكريًا.
ومهما كان التفسير، فالنتيجة واحدة:
إعادة تدوير رواية ذهنية واحدة… دون مساءلتها.
هنا يقفز سؤال مشروع:
هل يعني هذا التطابق سرقة فنية؟
والسؤال الأبعد: من سرق من؟
قد تتراجع هذه الأسئلة إذا وضعنا الأمر في سياقه الأوسع؛
فالتاريخ السينمائي حافل بقصص متشابهة تدور حول سرقة البنوك،
والعقل العبقري،
واختراق الأنظمة المعقّدة.
من The Italian Job (2003)،
إلى سلسلة Ocean’s Eleven (2001–2007)،
مرورًا بـ The Bank Job (2008)،
وPublic Enemies (2009)،
تتكرر الحكاية بصيغ مختلفة،
لكن بالهندسة الذهنية نفسها.
وهنا لا يعود السؤال:
من سرق الفكرة؟
بل:
لماذا تُعاد الفكرة ذاتها؟
ولماذا يُقدَّم الذكاء دائمًا بوصفه اختراقًا لا فهمًا؟
أين تكمن الخطورة؟
الخطورة ليست في السرقة،
ولا في الحبكة،
ولا حتى في الخيال.
الخطورة في الهندسة الذهنية غير المعلنة.
حين تُقدَّم العبقرية بوصفها:
قدرة على الخداع،
أو مهارة في الالتفاف،
أو شطارة في كسر النظام،
يتشرّب اللاوعي الجمعي فكرة خطيرة:
أن الذكاء لا يبني… بل يخترق،
ولا يُصلح… بل يراوغ.
وهنا يتحوّل الإعجاب إلى تطبيع ذهني.
السينما والإعلام: من نقل الوعي إلى تشكيله
السينما والإعلام لا يعملان فقط على مستوى الوعي المباشر،
بل على مستوى أعمق: اللاوعي.
لا يقولان للمشاهد:
«اكسر النظام».
بل يكرران صورة جذابة حتى تصبح مألوفة،
وحين تصبح مألوفة… تصبح طبيعية.
وهنا لا يعود المشاهد يسأل:
لماذا نُصفّق للاختراق؟
ولماذا لا نُعجب بالإصلاح؟
ولماذا يبدو البناء أقل إثارة من الهدم الذكي؟
الهندسة الذهنية الحقيقية… في مكان آخر
الهندسة الذهنية الحقيقية لا تُعجب بالنظام لتخترقه،
بل تفهمه لتطوّره.
الذكاء الحقيقي:
لا يبحث عن الثغرة أولًا،
بل عن السبب،
ولا يحتفل بإرباك المنظومة،
بل بإعادة تصميمها.
لكن هذا النوع من الذكاء:
أبطأ،
أقل صخبًا،
وأقل جذبًا بصريًا.
ولهذا نادرًا ما يكون بطلًا سينمائيًا.
من المتعة إلى الوعي: أين نقف؟
هذا التحليل لا يدعو إلى:
مقاطعة السينما،
ولا شيطنة الإبداع،
ولا مصادرة الخيال.
بل يدعو إلى استعادة الوعي أثناء المشاهدة.
أن نسأل:
ماذا يُقدَّم لنا بوصفه ذكاءً؟
وما الذي يُغَيَّب بوصفه مللًا؟
وهل نُكافئ في وعينا الاختراق… أكثر من الإصلاح؟
الخلاصة: السرقة الأعمق
في بعض الأعمال،
ما يُسرق ليس المال،
ولا الفكرة،
ولا الخزنة.
بل الإدراك.
وحين يُسرق الإدراك،
نصفّق لما يُضعفنا،
ونُعجب بما لا نبنيه،
ونخلط بين الذكاء… والحيلة.
وهنا يصبح دور الإعلام والسينما أخطر من الترفيه:
إما أن يكونا أدوات وعي،
أو آلات تكرار لهندسة ذهنية مريحة… لكنها مزيّفة.
ليس كل ما يُبهر العقل يوقظه…
بعض الإبهار يُخدّر الإدراك.
ما الهدف من صناعة مثل هذه الأفلام؟
ليس الهدف واحدًا،
ولا الإجابة بسيطة،
ولا النية بالضرورة شريرة.
لكن حين ننظر إلى الأثر المتراكم، لا إلى نوايا الصنّاع،
تتضح الصورة.
أولًا: الهدف الظاهر – المتعة والربح
تشويق،
إثارة،
عقل عبقري،
قصة ذكية،
وشباك تذاكر.
وهذا حقيقي ولا يمكن إنكاره.
لكن لو كان الهدف هو المتعة فقط،
لما تكررت الهندسة الذهنية نفسها عبر ثقافات وأزمنة مختلفة.
ثانيًا: الهدف غير المعلن – إعادة تعريف الذكاء
هذه الأفلام، مجتمعة، تُعيد صياغة سؤال مهم في عقل المشاهد:
من هو الذكي؟
وغالبًا تكون الإجابة:
من يخترق النظام،
من يلتف على القواعد،
من يهزم المؤسسة بالحيلة.
ثالثًا: الهدف الأعمق – تطبيع العلاقة العدائية مع النظام
حين يُقدَّم النظام دائمًا بوصفه:
غبيًا،
متضخمًا،
سهل الخداع،
يتشرّب الوعي الجمعي فكرة أن:
الأنظمة لا تُفهم… بل تُكسر.
رابعًا: الهدف الأخطر – إلهاء الوعي عن الأسئلة الحقيقية
تشغل هذه الأفلام العقل بسؤال:
كيف اخترق؟
بدلًا من:
لماذا هذا النظام موجود؟
أو:
كيف يمكن تطويره؟
هي تُمتع العقل… لكنها تُحيّده.
خامسًا: هل هو قصد أم نتيجة؟
الجواب الأكثر نضجًا:
في الغالب… هو نتيجة لا مؤامرة.
نتيجة:
كسل فكري في الصناعة،
تكرار وصفة ناجحة،
وإبهار بصري أسرع من طرح فكري.
لكن النتيجة، حتى لو بلا قصد،
تبقى هندسة وعي.
خلاصة ختامية
الهدف من صناعة هذه الأفلام ليس سرقة بنك،
ولا تمجيد عبقرية فرد،
بل إعادة إنتاج نموذج ذهني
يُقدّم الذكاء بوصفه اختراقًا لا فهمًا،
وحيلة لا بناءً.
هي أفلام تُمتع العين،
لكنها قد تُربك الإدراك،
لأنها تُصفّق للعقل حين يلتف،
أكثر مما تحتفي به حين يُصلح.
وهنا لا تكمن خطورتها في نواياها،
بل في أثرها المتراكم على وعيٍ
يتعلّم – دون أن يشعر –
أن الطريق الأقصر دائمًا… هو الطريق الأذكى.