حزب الله أهم من الخبز؟.. لبنان الجائع… وإيران التي تحترق من الداخل

news image

🖋️ إعداد وتحليل: إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH الإعلامية

مقدّمة: جملة واحدة تكشف جوهر المشروع

حين يقول مرشد إيران إن «حزب الله للبنان أهم من الخبز» فهو لا يطلق شعارًا عابرًا، بل يعلن ـ بلا مواربة ـ أولوية السلاح على الإنسان، وأولوية “الذراع” على الدولة، وأولوية “المشروع الخارجي” على لقمة عيش المواطن اللبناني.

هذه الجملة تختصر ثلاث حقائق:

أن لبنان – في عقل النظام الإيراني – ليس دولة ذات سيادة، بل ساحة نفوذ وأداة تفاوض.

أن معاناة الشعب اللبناني ليست أولوية أمام بقاء “الذراع المسلحة”.

أن الذهنية التي خرّبت الداخل الإيراني تُستنسخ الآن في بيروت كما استُنسخت في بغداد وصنعاء وغزة.

من هنا تأتي أهمية قراءة هذا التصريح في ضوء واقعين متلازمين:

محاولات لبنانية ودولية متزايدة لتقييد سلاح حزب الله ونزع شرعيته داخليًا.

وتآكل شرعية النظام داخل إيران نفسها تحت وطأة الفساد، القمع، و”حرق” الموارد والطبيعة.

──────────────────────────

أولًا: لبنان بين الخبز والسلاح… دولة تُستنزف لصالح الذراع

لبنان اليوم يعيش واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية في تاريخه: انهيار العملة، هجرة الكفاءات، انهيار الخدمات الأساسية، واستنزاف ما تبقى من مؤسسات الدولة. في هذا المشهد، تأتي عبارة «حزب الله أهم من الخبز» كرسالة صادمة للبنانيين:

الخبز هنا ليس مجرد طعام، بل رمز لحق المواطن في حياة كريمة، في دولة قانون واقتصاد مستقر.

حزب الله تحوّل – بفعل السلاح وارتباطه بمشروع إقليمي – إلى دولة موازية تتقدّم على الجيش والاقتصاد ومصالح الشعب.

الرسالة الضمنية للتصريح هي:

“لبنان يمكن أن يجوع… المهم ألا يمسّ أحد بسلاح الحزب”.

في المقابل، هناك مسار لبناني/دولي بدأ يشتدّ مؤخرًا:

نقاش داخلي مفتوح حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة.

ضغوط دولية متزايدة لتطبيق القرارات الأممية (خصوصًا 1559 و1701) التي تنص على نزع سلاح الميليشيات.

خطاب لبناني جديد لدى شرائح واسعة، يعتبر أن نقطة الانهيار الكبرى بدأت حين صار القرار السيادي مرتهنًا للسلاح خارج الدولة.

هنا يصبح تصريح المرشد متعارضًا بشكل مباشر مع أي محاولة لإنقاذ لبنان:

كل إصلاح اقتصادي يحتاج دولة قوية… لا “دويلة” موازية.

وكل مسار لنزع سلاح حزب الله سيُواجَه – منطقيًا – بعقلية ترى أن “الذراع” أغلى من الشعب نفسه.

──────────────────────────

ثانيًا: من خيانة ثقة الإيرانيين… إلى تصدير الخراب

إذا أردنا فهم منطق “حزب الله أهم من الخبز” علينا أن نعود إلى نقطة البداية داخل إيران نفسها.

كما يشرح د. سامي خاطر، بدأت قصة النظام الحالي بخيانة مبكرة لثقة الشعب:

ثورة رُفعت باسم “الشعب”، وانتهت إلى ولاية فقيه منزّهة عن المساءلة.

دولة حُوّلت إلى ملكية خاصة لطبقة دينية – أمنية، تتحكم بالسياسة والاقتصاد والقضاء.

اعترافات من داخل النظام كشفت حجم الانهيار الأخلاقي:

مسؤولون سابقون في البرلمان والقضاء أقرّوا بأن “الفساد بنيوي”، وأن “الثورة لم تعد ملك الشعب بل بيد دائرة ضيقة”.

قيادات مقربة من الحرس الثوري تحدثت عن “شبكات مالية وأمنية موازية” تعمل كلوبيات نهب داخل الدولة.

رؤساء غرف تجارة أكدوا أن اقتصاد الظل التابع للحرس يسيطر على ثلث ثروات البلاد.

الخلاصة التي يخرج بها الإيرانيون أنفسهم:

النظام لم يُبنَ للإصلاح، بل للصمت والنهب والولاء.

وفي هذا السياق، يصبح تصدير النفوذ – عبر حزب الله وأمثاله – جزءًا من “منظومة الفساد”، لا من مشروع “دعم المقاومة” كما يُسوَّق:

الأموال التي تُنفَق على الأذرع الخارجية تُقتطع من حق الإيراني في اقتصاد طبيعي، وفرص عمل، وخدمات أساسية.

الحرس الثوري يتعامل مع هذه الأذرع كاستثمار استراتيجي سياسي وأمني، لا كقضية مبدئية.

──────────────────────────

ثالثًا: غابات هيركاني تحترق… صورة رمزية لوطن يُؤكَل من الداخل

المشهد البيئي في إيران – كما يشرحه عبدالرزاق الزرزور – ليس بعيدًا عن المشهد السياسي والاقتصادي:
غابات هيركاني، هذا “الكنز الوطني” الممتد لملايين السنين والمُصنّف تراثًا عالميًا، تحترق عامًا بعد عام:

صحف حكومية اعترفت بأن غالبية حرائق الغابات “متعمّدة”، لخدمة شبكات تهريب الأخشاب والنهب العقاري.

تقارير داخلية كشفت عن شق طرق وبناء وحدات سكنية غير قانونية في قلب الغابات، بتغطية من مسؤولي الحرس وشبكات النفوذ.

مشاريع “تنموية” تتحول عمليًا إلى غطاء لاقتلاع الغابات وتحويلها إلى أراضٍ تباع لأصحاب النفوذ.

هذه الصورة البيئية تختصر جوهر العلاقة بين النظام وموارده:

الطبيعة غنيمة.

المال العام غنيمة.

الدولة نفسها غنيمة.

وبالمنطق نفسه، يُعامل لبنان وغيره:
ليس كدولة يجب احترام سيادتها، بل كحقل نفوذ قابل للاستهلاك، طالما أن “السلاح” قائم والذراع الفاعلة باقية.

──────────────────────────

رابعًا: ماذا يريد المرشد من قوله إن حزب الله أهم من الخبز؟

خلف الجملة رسائل عدّة:

1️⃣ طمأنة الداخل الحزبي:
طمأنة كوادر حزب الله بأنّ طهران متمسكة بسلاحهم مهما كان الثمن، وأن أي مسار لنزع السلاح سيواجه برفض عقائدي من المركز.

2️⃣ رسالة ردع للبنانيين:
إبلاغ اللبنانيين – ضمنًا – أن أي محاولة للفصل بين “الدولة” و”السلاح” ستصطدم بجدار إقليمي، وأن الحزب فوق المنطق الاقتصادي والاجتماعي.

3️⃣ رسالة للخارج:
التلميح بأن ملف حزب الله جزء من تفاوض أوسع مع القوى الدولية، وليس ملفًا لبنانيًا صرفًا… وبالتالي لن يكون تفكيكه نتيجة ضغط داخلي فقط.

لكن ما يغفله هذا الخطاب هو أن المجتمعات لا يمكن أن تعيش على “السلاح الرمزي” وهي جائعة:

اللبناني يريد كهرباء، عملة مستقرة، فرص عمل، دولة قانون.

والإيراني يريد أن تتوقف بلاده عن حرق غاباتها وثرواتها في مقابل مشاريع صاروخية ونووية وحروب بالوكالة.

──────────────────────────

خامسًا: أين يقف الشعبان اللبناني والإيراني من هذا المشهد؟

في الحالتين، هناك ملامح وعي متنامٍ:

في لبنان:

خطاب متزايد يعتبر أن سلاح حزب الله هو عقدة العقد في الاقتصاد والسيادة.

جهود سياسية وشعبية – رغم الانقسامات – تدفع باتجاه استعادة الدولة لقرارها، وتجريد أي سلاح خارج الشرعية من شرعية “المقاومة” التي استُهلكت.

في إيران:

احتجاجات متكررة كسرَت حاجز الخوف.

قناعة تتزايد بين الشباب بأن الإصلاح من الداخل وهم، وأن المشكلة في بنية النظام لا في حكوماته المتعاقبة.

وعي بأن حرق الغابات، ونهب الثروات، وتمويل الأذرع الخارجية جزء من منظومة واحدة.

هنا يصبح السؤال الجوهري:

هل يمكن لنظام بنى شرعيته على “تصدير الثورة” أن يقبل بدولة لبنانية قوية ذات سيادة كاملة؟
وهل يمكن لنظام يحرق غاباته وثرواته ألا يحرق معه ما تبقى من استقرار في دول الجوار؟

──────────────────────────

🔵 خلاصة BETH

جملة «حزب الله أهم من الخبز» ليست زلّة لسان…
إنها تعريف صريح لأولويات مشروع سياسي كامل:

حزب قبل وطن.

سلاح قبل مواطن.

نفوذ خارجي قبل إصلاح داخلي.

في المقابل، الواقع يقول:

لا لبنان يستطيع أن يعيش بلا خبز وسيادة ودولة.

ولا إيران تستطيع أن تواصل حرق غاباتها وثرواتها وشبابها إلى ما لا نهاية.

التاريخ يُظهر أن الأنظمة التي قدّمت “المشروع الأيديولوجي” على الإنسان انتهت بسقوط المشروع نفسه… وبقاء الشعوب.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام اللبنانيين والإيرانيين معًا:

كم يحتاج هذا المشروع من الوقت، والدمار، والحرائق… حتى يقتنع أصحابه أن الإنسان – في النهاية – أهم من السلاح، والوطن أهم من الذراع؟