غزّة في مرآة الفكر الفرنسيّ

news image

 

الطيّب ولد العروسي*


غزّة اليوم ليست مجرّد بقعة جغرافيّة مُحاصَرة على خريطة الشرق الأوسط، بل هي رمز يَتجاوز الحدودَ والسياسة ليَصِلَ إلى جوهر الإنسان نفسه. فهي المرآة التي تَعكس انهيارَ النظام الأخلاقيّ العالَميّ، وتُظهِر التناقضات التي تُمزِّق الخطابَ الغربيّ بين ما يدّعيه من قيَم وما يُمارسه من أفعال.


في خضمّ هذا المشهد المُتصدّع، بَرَزَ في فرنسا صوتان نادران يَقفان في مُواجَهة السيلِ الجارف من الصمت والتواطؤ الإعلامي: المفكّر الجيوسياسي باسكال بونيفاس، والمؤرِّخ والباحث جان - بيار فيليو. كلاهما اختار أن يكتب، لا بوصفه مُراقِباً بعيداً، بل شاهداً يواجه ضميره. أَصدر الأوّل كتابه "رخصة للقتل"، فيما دوَّن الثاني شهادتَه الميدانيّة في "مؤرِّخ في غزّة"، ليقدّما معاً عملَيْن يضربان في عُمق الأزمة الفكريّة والأخلاقيّة للغرب. اللّافت أنّ صدور هذَيْن الكتابَيْن لم يحظَ بتغطيةٍ تليق بقيمتهما، بل قوبل الصدور بتعتيمٍ إعلاميّ متعمَّد في فرنسا، وكأنّ المؤسّسة الإعلاميّة نفسها تخشى أن تَنظر في المرآة التي ترفعها غزّة في وجهِها.

بونيفاس وجرأة تفكيك الأسطورة الإعلاميّة

يُعَدّ باسكال بونيفاس من أبرز الأصوات الفكريّة التي لم تتردّد في نقْد ازدواجيّة المواقف الفرنسيّة والأوروبيّة تجاه الصراعات الدوليّة. ومن خلال عمله الأكاديمي في معهد العلاقات الاستراتيجيّة والدوليّة (IRIS)، اكتسبَ صدقيّةً تَجعل من آرائه مرجعاً جيوسياسيّاً مهمّاً، لكنّه في الوقت ذاته دفع ثمنَ جرأته في مواجهة الخطاب السائد بشأن إسرائيل.

في كتابه "رخصة للقتل: غزّة، الإبادة الجماعيّة، الإنكار والدعاية"، الذي يقع في أكثر من 280 صفحة، يَضع بونيفاس إصبعَهُ على الجرح الغربيّ العميق: فقدان البوصلة الأخلاقيّة. يَبدأ من سؤالٍ محوريّ: "لماذا تَصمت أوروبا التي تتباهى بحماية حقوق الإنسان أمام ما يحدث في غزّة؟".

يقدّم بونيفاس تحليلاً دقيقاً لتاريخ التواطؤ الغربيّ مع الاحتلال الإسرائيليّ، لكنّه يُركّز تحديداً على المشهد الإعلاميّ الفرنسيّ الذي، كما يقول، "تخلّى عن دَوره الرقابيّ وتحوَّل إلى أداةِ تبرير". فالقنوات الإخباريّة الفرنسيّة الكبرى – مثل BFM TV وCNews وLCI - تبنَّت الروايةَ الإسرائيليّة منذ اليوم الأوّل، مُتجاهِلةً السياق التاريخي الممتدّ لعقودٍ من الاحتلال والحصار. ويشير بونيفاس إلى مُفارَقةٍ لافتة: كيف يُفتتح أيّ تقرير عن غزّة بالعبارة الجاهزة "منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر"، وكأنّ التاريخَ الفلسطينيّ بدأ في ذلك اليوم، مُتجاهلين ما قَبله من 75 عاماً من النكبة والقهر والتهجير. بهذا الاختزال، يَنجح الإعلام - عن قصد أو من دون قصد - في إعادة صوْغ الوعي الجمعي، بحيث يبدو الفلسطينيّ المُعتدى عليه هو المُعتدي والمُحتَلّ.


"الهسبارا": ماكينة الدعاية التي تَغسل الوعي

يُفرِد بونيفاس فصولاً مطوَّلة لشرْحِ مفهوم "الهسبارا" (Hasbara)، أي منظومة الدعاية الإسرائيليّة التي تَعمل في الغرب لإعادة إنتاج الصورة الذهنيّة لإسرائيل باعتبارها "القلعة الديمقراطيّة وسط بريّة الشرق الأوسط". يؤكّد أنّ هذه المنظومة لا تَقتصر على النشاط السياسي، بل تتغلْغل في الإعلام والثقافة والأكاديميا، حيث تَعمل على تبييض صورة الاحتلال عَبْرَ شبكةٍ من العلاقات والضغوط والتمويلات. يَضرب مثالاً ببرامج الحوارات التلفزيونيّة الفرنسيّة التي تُهيْمِن عليها أصواتٌ مؤيِّدة لإسرائيل، مثل كارولين فورست ورافاييل أنطوفن، مقابل تغييبٍ شبه تامّ للباحثين أو الصحافيّين الذين يتجرّؤون على طرْحِ روايةٍ مُغايرة. ويَصف ذلك بأنّه "احتكار للخطاب العامّ" أشبه بمونوبول على الحقيقة. ويضيف أنّ هذا الانحياز ليس مجرّد خلل في التوازُن الإعلاميّ، بل هو نتاج هندسة سياسيّة وثقافيّة مُتقنة هدفها الأساس جعْل التضامُن مع فلسطين مرادفاً للتطرّف، ونقْد إسرائيل مُرادفاً لمُعاداة الساميّة. بهذه الطريقة، يتمّ إقصاء كلّ صوتٍ حرّ، وتحويل النقاش إلى منطقة محظورة فكريّاً.

إنكارٌ جديد وضميرٌ غائب

في فصوله الأخيرة، يَتجاوز بونيفاس حدودَ التحليل الإعلامي إلى نقدٍ أكثر عُمقاً للثقافة الغربيّة نفسها. فهو يرى أنّ ما يَجري اليوم يُمثِّل شكلاً جديداً من أشكال الإنكار؛ فبينما أَنكر العالَمُ في القَرن الماضي جرائم وقعتْ بالفعل، نحن نعيش الآن إنكاراً لجرائم تُرتكَب على الهواء مُباشرةً.

يَكتب بونيفاس: "نرى الجريمة تَحدث أمام أعيُننا، تُبَثّ على الشاشات، تُوثِّقها الكاميرات، لكنّنا نختار الصمت. هذا ليس مجرّد تواطؤٍ سياسي، بل إنّه سقوطٌ أخلاقيٌّ شامل". ويَخلص إلى أنّ الغربَ يعيش لحظةَ فقدانِ مرجعيّةٍ إنسانيّة، إذ أَصبحت القيَم تُنتقى بحسب الهويّة السياسيّة للضحيّة: حين يُقتل أوكرانيّ، يُستنفَر الضمير العالَمي، وحين يُقتل فلسطينيّ، يتحوّل الخَبر إلى رقمٍ في شريطِ الأخبار.

فيليو… من المؤرِّخ إلى الشاهد الميدانيّ

على الطرف الآخر، يأتي صوتُ المؤرِّخ جان - بيار فيليو ليقدِّمَ صورةً ميدانيّة حيّة من قلب المأساة. يُعرف فيليو بصفته مؤرِّخاً متمرّساً في شؤون العالَم العربي والإسلامي، وأستاذاً في معهد العلوم السياسيّة في باريس، كما أنّه عملَ دبلوماسيّاً سابقاً في المنطقة، ما مَنحه فهماً عميقاً للمُجتمعات العربيّة بعيداً من الصور النمطيّة السائدة في الغرب. في كتابه "مؤرِّخ في غزّة: الأرض التي عرفتها لم تعُد موجودة"، يَخلع فيليو رداءَ المؤرِّخ الأكاديمي، ويتحوّل إلى شاهدٍ عيان يَكتب بمداد الألم. دخلَ القطاعَ في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024 بَعد شهور من الحصار الكامل، وقضى هناك أكثر من شهر، متنقّلاً بين المخيّمات والمُستشفيات والمدارس المدمَّرة. يقول في مقدّمة كتابه: "غزّة التي عرفتها منذ الثمانينيّات لم تعُد موجودة. ما تبقّى من المدينة ليس إلّا ركاماً يتحدّى اللّغة والعقل".

غزّة من داخل.. يوميّات تحت النار

ينقل فيليو للقارئ صوراً مؤلِمة عن الحياة اليوميّة في غزّة: مدارس تحوَّلت إلى ملاجئ، مستشفيات بلا كهرباء، أطبّاء يُجرون العمليّات على ضوء الهواتف، أمّهات يبحثْن عن حليبٍ لأطفالهنّ بين الأنقاض، وأطفال يسألون: هل انتهت الحرب؟ لكن ما يُميّز كتابه هو أنّه لا يكتفي بسردِ المأساة، بل يُحلِّلها بوصفها نقطةَ انهيارٍ للنظام الدوليّ. فغزّة، كما يقول، ليست مجرّد ساحة حرب، بل ساحة اختبار لمنظومة القيَم التي تأسَّس عليها العالَمُ بعد الحرب العالميّة الثانية. حين يُمنح أحد الأطراف "رخصة للقتل" بلا مُحاسبة، فإنّ القانون الدوليّ يَفقد معناه، وتتحوَّل الأممُ المتّحدة إلى شاهدٍ عاجز.

بين المؤرِّخ والإنسان

على الرّغم من لغته الأكاديميّة الرصينة، يَحمل كتاب فيليو بُعداً وجدانيّاً نادراً في الأدب الفرنسي الحديث. فهو لا يخفي تأثّره بما رآه، ويَصف شعورَه بالعجز أمام مأساةٍ لا يَملك أمامها سوى الكتابة. يقول في أحد فصوله: "عندما تَرى أمّاً تبكي طفلَها الوحيد، تُدرِك أنّ التاريخ الذي تُدرِّسه في الجامعات لا يكفي لفهْم معنى الفقد. التاريخ هنا ينزف". ويَصف فيليو المشهدَ العامّ بأنّه "تطهيرٌ عرقيٌّ ممنهَج" لا يَستهدف المقاومة فقط، بل وجود الشعب الفلسطيني ذاته. ويُحمِّل المسؤوليّةَ للغرب الذي يوفِّر الغطاءَ السياسي والعسكري لإسرائيل، وللأنظمة العربيّة التي "اختارت الصمتَ المريح على المُشارَكة في الألم".


فكر المُقاوَمة وضمير الإنسانيّة

يَجتمع بونيفاس وفيليو، على الرّغم من اختلاف تخصّصهما، على فكرةٍ واحدة: أنّ غزّة ليست أزمة سياسيّة، بل أزمة ضمير. الأوّل يُحلِّل كيف خَذلتِ النّخبُ الغربيّة قيمَها، والثاني يَروي ما يَنتج عن هذا الخذلان على الأرض. بونيفاس يَكتب من باريس، وفيليو يكتب من غزّة، لكنّ صوتهما يَلتقي في نقطةٍ واحدة: أنّ السكوت شراكة في الجريمة. لقد جاءَ الكتابان في لحظةِ تراجُعٍ كبرى للفكر النقديّ الفرنسي، حيث أُسكتت الأصواتُ الحرّة تحت ضغطِ الاتّهامات الجاهزة بمُعاداة الساميّة. ولعلّ ما يَجعل هذَيْن العملَيْن مميّزَيْن هو أنّهما أعادا الاعتبار لدَور المثقّف الفرنسي في مُواجَهة سلطات الهيْمنة، كما فَعل من قَبل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار حين دافَعا عن قضايا التحرُّر في العالَم الثالث.

أزمة القيَم الغربيّة.. حين تُختبر المبادئ

تُظهر غزّة حدودَ الخطاب الغربيّ الذي يتغنّى بالحريّة وحقوق الإنسان، لكنّها تَكشف أيضاً عن انتقائيّة هذه المبادئ؛ فالغرب الذي صرخَ ضدّ الغزو الروسيّ لأوكرانيا، وفَرَضَ عقوباتٍ على موسكو دفاعاً عن المدنيّين، هو نفسه الذي يُرسل السلاح لإسرائيل، ويُبرِّر كلّ قصفٍ بحجّة "مُحاربة الإرهاب". يرى بونيفاس أنّ هذا التناقُض ليس مُصادَفة، بل هو جوهر السياسة الغربيّة المُعاصرة التي تقيس العدالة بموازين القوّة، وتُجزّئ الأخلاق بحسب الهويّة السياسيّة والثقافيّة. أمّا فيليو فيرى أنّ هذا الانهيار لا يُهدِّد الفلسطينيّين فقط، بل يُهدِّد العالَمَ بأسره، لأنّ صمتَ العالَم عن غزّة هو تمرين على قبول الهمجيّة في كلّ مكان.

غزّة.. المرآة التي تَعكس وجوهَنا جميعاً

في نهاية المطاف، تتحوَّل غزّة في رؤية المفكّرين الفرنسيّين إلى مرآةٍ كونيّة تَعكس ما وصلَ إليه العالَم من تبلّدِ ضمير وتفكُّكٍ إنساني. هي ليست مجرّد جغرافيا، بل اختبار لصدقيّة القيَم التي لطالما تغنّى بها الغرب. فإذا كانت فرنسا تَعتبر نفسَها "أمّ الحريّات"، فإنّ موقفَها من غزّة يَكشف مقدار الهوّة بين الشعارات والمُمارَسة. ومع ذلك، يظلّ في الداخل الفرنسي - كما يَظهر من خلال بونيفاس وفيليو - ضميرٌ يَقِظٌ يَرفض أن يُخدَّر تحت ثقلِ الدعاية. فالكتابان يُمثّلان صوتاً نقيّاً داخل ضجيج النّفاق، وإشارةً إلى أنّ الفكرَ الفرنسي، على الرّغم من كلّ القيود، ما زال قادراً على أن يُنتِج مُقاوَمةً فكريّة حقيقيّة.

مقطع القول، قد تُهدَم المُدن، وقد تُمحى الذاكرة، بل الذاكرات، لكنّ الكلمة الصادقة تبقى أقوى من الدّمار. غزّة، كما يَراها بونيفاس وفيليو، ليست مأساةً فلسطينيّة فحسب، بل هي مرآة لضمير العالَم، وجرس إنذار للبشريّة جمعاء. في عالَمٍ تتبدّل فيه الحقائق بسرعة الضوء، يَبقى المثقّف الحقيقي هو مَن يختار الحقيقة مهما كان الثمن. وهكذا، يُصبح كتاب "رخصة للقتل" وكتاب "مؤرِّخ في غزّة" أكثر من مجرّد شهادتَيْن؛ إنّهما فعلان من أفعال المُقاوَمة الفكريّة، وصرختان تَرفضان أن يتحوّلَ الصمتُ إلى تواطؤ، والخذلانُ إلى قَدَرٍ. ربّما لا يَستطيع المفكّران أن يوقِفا آلةَ الحرب، لكنّهما يُقدّمان ما هو أعمق: حفْظ الذاكرة، وإحياء الضمير، وإثبات أنّ الكلمة ما زالت قادرة على أن تقول "لا" في وجه عالَمٍ يُصِرّ على أن يصمّ أذنَيْه.

*كاتب جزائري مُقيم في فرنسا 

مؤسسة الفكر العربي