في مُحاوَلةٍ لإسقاطِ النّطريّةِ على التّطبيقْ.. كَيفَ يُمكِنُ لِعِلمِ السّياسةِ أن يُفسِّرَ الأزمةَ الأوكرانيّة؟ و هل باستطاعتِه تقديمُ الحلول؟

news image

تقرير - مروة شاهين - بث: 
منذ بداية الحضارة الإنسانية و نشأة التنظيمات السياسية المُبكرة ( القبائل) وصولاً إلى تطور التنظيمات السياسية لتصل إلى شكلها الأكثر تطوراً ( الدولة) ، اهتم العلماء و المفكرون منذ بداية الحضارات الإنسانية بالانكباب على دراسة الظواهر السياسية و تفسيرها و تحليلها، و بالتالي وضع القواعد و الأسس التي تحكم نشأة و تطور هذه الظواهر و تفاعلها مع مختلف عناصر البيئة السياسية، و هذا ما بات يُعرف حديثاً "علم السياسة"، إذا ما أردنا إعطاء تعريف مبسط غير أكاديمي لهذا العلم الحديث الذي يشغل حيزاً مهماً في قطاع العلوم الإنسانية.
و بالتأكيد، إن كل الظواهر الموجودة اليوم في عالمنا المعاصر، قد تمت دراستها دراسة مفصلة من قِبَل علماء السياسة الكبار، و إنا سوف نستعين في هذا التقرير الذي سيأخذ الطابع العلمي الأكاديمي، بأبرز النظريات و القواعد التي وضعها العلماء و المفكرون، في محاولةٍ لاستخلاص حلول علمية و عملية لأبرز ظاهرةٍ من ظواهر السياسة الدولية و العلاقات الدولية ألا و هي "الحرب" ، مركزين على دراسة حالة الحرب الدائرة حالياً في أوروبا الشرقية بين روسيا الاتحادية و جارتها أوكرانيا.

النظامُ الدولي و العلاقات الدولية.. و أثر المفهومين على الحالة الروسية الأوكرانية:

إذا ما بدأنا بتعريف النظام الدولي على أنه الإطار السياسي و القانوني و الدبلوماسي الذي يحكم إطار العلاقات الدولية لفترة معينة، فإن النظام الدولي الذي يحكم إطار العلاقات الدولية في الفترة الحالية هو نفسه الإطار الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة في تسعينات القرن الماضي على إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، هو النظام الأحادي القطب، إذ سادت الولايات المتحدة الأمريكية كقوةٍ مهيمنة وحيدة في النظام الدولي، ما أحدث نوعاً من الاستقرار النسبي على إثر قيام الولايات المتحدة بدور الشرطي العالمي الذي تحكم بمسائل الأمن و حفظ الاستقرار على صعيد العالم، و لكن هذا الاستقرار النسبي اذا نظرنا اليه كنتيجة إيجابية لبروز الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في النظام العالمي، فإن النتيجة السلبية (المقابلة للنتيجة الإيجابية الأولى)، كانت في أن معظم حالات عدم الاستقرار  التي هددت الأمن و السلم الدوليين في مرحلة النظام العالمي الجديد (الأحادية القطبية الأميركية ١٩٨٩-الآن)، كانت ناتجة عن محاولات بعض القوى المناوئة للهيمنة الأميركية بتغيير موازين القوى على الصعيد الدولي وصولاً إلى تغيير النظام العالمي من أحادي القطب إلى متعدد أو ثنائي القطب، و إن التحركات الروسية سواء في جورجيا و أرمينيا و سوريا في العقود الثلاثة الأخيرة، لا تخرج عن كونها محاولات روسية لخرق الهيمنة الأميركية على أوروبا الشرقية و وسط آسيا، و الأمر ذاته ينطبق على مسألة الحرب في أوكرانيا.
إن العلاقات الدولية التي سادت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي شهدت عصراً تهيمن فيه المبادئ الليبرالية الغربية و القيم الديمقراطية الأميركية على العلاقات الدولية و كافة الفاعلين فيها، و إن أبرز ما سبب التوترات في العالم هو كون النظام أحادي القطب يحدث فراغاً في العلاقات الدولية، فعلى الرغم من القوة المهيمنة للولايات المتحدة الاميركية، فإن هذه القوة سرعان ما ضعفت بسبب تحمل الولايات المتحدة الأمريكية لالتزامات خارج حدودها (حماية أوروبا و اليابان و تايوان و تأمين المناطق الاستراتيجية النفطية في منطقة الخليج) ما يساهم في إضعاف القوة الداخلية و الخارجية للولايات المتحدة بسبب عبئ الالتزامات التي تتحمله، إضافة إلى ذلك، إن عدم قيام الولايات المتحدة الأمريكية بأعمال عدائية ضد روسيا بشكل خاص على الصعيد العسكري لا ينفي القلق الروسي من الهيمنة الأميركية، إذ أن روسيا تبقى قلقة بشأن توسع نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية و ازدياد قوتها، لا سيما إنها قادرة على شن حروب دون اللجوء إلى مجلس الأمن، ما يجعل كافة المنافسين أو الخصوم غير واثقين في مدى قدرة الولايات المتحدة كقوة أحادية مهيمنة على النظام العالمي في الحفاظ على الاستقرار و الأمن الدوليين، و هذا ما يفسر مخاوف روسيا من توسع حلف شمال الأطلسي الأطلسي نحو حدودها الغربية على الرغم من أن الأخير لم يقم يوما بمواجهة روسيا عسكرياً بشكل مباشر.

الحرب.. خَيارٌ مفضّل أم شرٌ لا بُدّ منه؟ :

إن اي نظرية أو إيديولوجية لاتستطيع إعطاء إجابة مفصلة عن هذا التساؤل، إن الحرب ليست الخيار المفضل لأي دولة، كما أنه هنالك العديد من الوسائل التي يمكنها أن تدير العلاقات الدولية بشكل سلمي دون اللجوء إلى الحروب مثل التفاوض و التصالح و الدبلوماسية، إذا و على الرغم من وجود هكذا وسائل، ما الذي يجعل من الحرب خياراً حتمياً؟.. 
يميل المثاليون ( أوالطوباويين ) إلى تفسير العلاقات الدولية من ناحية الأخلاق و حب الخير و السلم الدولي و دور الضمير الإنساني و القانون الدولي في حل النزاعات و الحفاظ على السلم و الأمن الدوليين ، إلا ان هذه النظرية أثبتت فشلها على مر التاريخ، ليأتي الواقعيون بنظرية جديدة ترتكز إلى القوة كعنصر أساسي في حل النزاعات، فإذا كنت تريد السلم فاستعد للحرب، إن هذا المنطلق الفكري بالتحديد هو مادفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى اتخاذ خطوة جنونية في أوروبا الشرقية، لاعتقاده أن الوسيلة الوحيدة للحفاظ على استقرار بلاده في الحرب ضد الغرب و الهيمنة الغربية التي تسعى إلى محو كل معارض لها و إلى احتياج الثقافات الأخرى التي لا تشاطرها ذات النظرة للعالم و التاريخ و الحضارة.

انتهاك الوضع الراهن.. من أين أتت الشرارة الأولى للحرب؟  

إنه من المعروف أن روسيا هي من أطلق الرصاصة الأولى في الحرب عندما اقدمت على غزو جارتها أوكرانيا في شباط من العام الماضي، لكن مطلق الرصاصة الأولى ليس بالضرورة مطلق الشرارة الأولى للحرب، إذ أن الحرب بالتأكيد ليست وليدة الصدفة، بل سبقتها الكثير من الأحداث التي مهدت لها. 
فإذا ما أردنا الغوص في أعماق التاريخ، سنجد دائماً ارتباطا وثيقا بين شعوب أوكرانيا و روسيا بحكم التجاور الجغرافي و تقارب اللغة و الدين و العادات والتقاليد، أما في التاريخ الحديث ف إن جمهوريه أوكرانيا الاشتراكية (١٩٢٢) تعتبر من الجمهوريات المؤسسة للإتحاد السوفيتي الذي خلَف روسيا القيصرية، و بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و تفككه في نهايات القرن الماضي، أصبحت أوكرانيا جمهورية مستقلة عام ١٩٩١ و جارة لدولة روسيا الاتحادية، وريثة الاتحاد السوفيتي السابق.
ربما تعطي هذه اللمحة التاريخية فكرة عن اسباب الأزمة، إذ أن جمهورية روسيا الاتحادية، التي تمتلك قدرات عسكرية و سياسية هائلة، لا تتوقف عن محاولة استعادة امجادها القديمة، و تبرز هذه السياسات التوسعية للجمهورية الروسية من خلال محاولاتها لتقوية و استعادة نفوذها في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق و لا سيما دول أوروبا الشرقية و آسيا الوسطى.
ففي عام ٢٠١٣ و بعد أن واجهت أوكرانيا أزمة اقتصادية ادت فيما بعد إلى اندلاع احتجاجات شعبية ادت الى الاطاحة ب حكومة الرئيس فيكتور يانغوفيتش المقرب من الروس، و هذا ما اعتبرته روسيا محاولة لاحداث تغييرات سياسية في أوكرانيا  التي تمتلك حدودا طويلة مع روسيا الاتحادية و بالتالي تمهد إلى ضم أوكرانيا فيما بعد إلى الاتحاد الأوروبي و بعدها إلى حلف شمال الأطلسي ، و بالتالي تجد روسيا الاتحادية حلف شمال الأطلسي على حدود الأراضي الروسية و " على أبواب موسكو"، ما اعتبرته الحكومة الروسية انذاك تهديدا مباشرا للامن القومي الروسي و ردت على هذه المحاولات بأن قامت بغزو شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤و ضمها إلى جمهورية روسيا الاتحادية مما دفع الغرب إلى تطبيق عقوبات اقتصادية عالية المستوى على روسيا و أحدث توترا في العلاقات الدولية خصوصا بين روسيا و الغرب، عدا عن قيام روسيا بدعم جماعات انفصالية موالية لها في أوكرانيا و تحديدا في دونباس على الحدود الروسية الاوكرانية و اعلان هذه الجماعات المسلحة انفصال إقليمي "لوغانتسك" و "دونيتسك" عن أوكرانيا ، ما أدى إلى حدوث حرب محدودة في دونباس شرقي أوكرانيا بين القوات الحكومية الاوكرانية و بين مسلحين انفصاليين مدعومين من روسيا ،وقعت بعدها جمهورية روسيا الاتحادية تحت وطأة عقوبات اقتصادية قاسية إضافة لاستبعادها من مجموعة  الثمانية الكبار المعروفة ب (ج ٨).
كما تشهد أوكرانيا منذ أوائل 2014م أزمة سياسية بعدما بسطت القوات المسلحة الروسية سيطرتها على شبه جزيرة القرم، وأجرت استفتاء من بعده ضمت شبه الجزيرة إلى روسيا الاتحادية والذي اعتبرته أوكرانيا ومعها المجتمع الدولي احتلالا عسكريًا وتعديًا على سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها. بعد ذلك تصاعدت مظاهرات مؤيدة لروسيا من قبل جماعات انفصالية في دونباس شرق البلاد، مما أدى إلى حدوث صراع مسلح بين الحكومة الأوكرانية والجماعات الانفصالية المدعومة من روسيا، وصولاً إلى قيام روسيا بغزو مباشر لأوكرانيا بهدف إنقاذها من حكم النظام النازي بقيادة فولوديمير زيلينسكي بحسب التعبير الروسي.

مُهندِس الحربِ على أوكرانيا: ألكسندر دوغين و نظرية روسيا الكُبري:

ألكسندر دوغين هو فيلسوف روسي شهير، معروف بعقل بوتين، ويُنسب الفضل إلى كتابات ألكسندر دوغين القومية المتطرفة، في تشكيل رؤية فلاديمير بوتين للعالم، ويرتبط ذلك ارتباطاً وثيقاً بالغزو الروسي لأوكرانيا، كما يُعتبر دوغين المنظر الفكري الرئيسي للأيديولوجية القومية المتطرفة التي يلتزم بها الكثيرون في الكرملين.
وسبق للمفكر أن أعرب عن دعمه للغزو الروسي على أوكرانيا (غزو شبه جزيرة القرم) ، وفُرضت عليه عقوبات أمريكية عام 2015 لتورطه المزعوم في ضم موسكو لشبه جزيرة القرم عام 2014.
يؤمن دوغين بمفهوم روسيا الجديدة الذي يعني "استرجاع الأمة الروسية الكبرى قوتها بالعودة إلى قيمها المحافظة"، واستخدم هذا المفهوم لتبرير السيطرة على مناطق كانت تخضع تاريخيا للاتحاد السوفياتي، مثل ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 والحرب الروسية على أوكرانيا لمنع تمدد نفوذ واشنطن.
يعتقد دوغين أن النظريات الرئيسية المؤثرة في العالم بالعصر الحديث هي الشيوعية والفاشية والليبرالية، التي يعتبرها قائمة على "تحرير أعضاء الجسم من سيطرة العقل".
ويضيف دوغين أن الليبرالية وزعيمتها أميركا القائمة على توفير الحرية الفردية والسوق الحرة، انتصرت على الفاشية عام 1945 وعلى الشيوعية عام 1991، لكنها تعاني "أزمة قاتلة" تهددها بالأفول الآن، من وجهة نظرته.
وبما أنه يرى أن النظريات الفائتة ستنتهي ومعها الليبرالية، فإنه طرح فكرة أسماها "النظرية السياسية الرابعة"، التي لا تركز على الفرد أو العرق أو القومية، بل على الوعي الذاتي الإنساني الذي همّش من قبل التكنولوجيا.
ولأن الوعي الذاتي يختلف من إنسان لآخر، فلابد للعالم أن يكون متعدد الأقطاب وليس كما تحاول أميركا جعله "حكومة عالمية" تقودها نخبة معينة ومديرو أعمال عالميون، وتستهدف الناس لمصالح شركاتها الخاصة.
ويرى أن الصراع بين روسيا وأميركا صراع "جيبوليتيكي" (جغرافي) وليس كما كان سابقا "صراعا أيديولوجيا" بين الليبرالية والشيوعية.
وصف دوغين النظرية السياسية الرابعة بأنها نظرية الثورة وتصفية الاستعمار بالنسبة للمجتمع الروسي، والتي تدافع عن "أصالة الحضارة الروسية وعن حقوق الإنسان"، ولكن ليس وفقا للقيم الغربية التي قال إنها ليست شمولية وهي غير مقبولة لا في روسيا ولا في "العالم الإسلامي ولا في الصين".
يرى دوغين أن على روسيا قيادة "الاتحاد الأوروآسيوي" (أقاليم الاتحاد السوفياتي السابق)، وهو ما دفعه لتأسيس الحركة الأوروآسيوية الدولية، وكانت الخطوة الأولى في هذا الهدف هي احتلال شبه جزيرة القرم، التي تكمن أهميتها في أنها توفر لروسيا منفذا بحريا.
ويرى أن من حق الحضارات الأخرى أن تعتمد التعاليم السياسية الخاصة بها القائمة على قيمها هي لا على القيم الغربية.
ولا يعد دوغين الولايات المتحدة خصما للاتحاد "الأوروآسيوي"، إنما الخصم الحقيقي هو حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO) المؤسس على يد 12 دولة بينها أميركا، والذي أنشئ بهدف وقف تمدد الاتحاد السوفياتي عام 1949.
يقول دوغين إن روسيا كانت إمبراطورية بعقيدتها وتصورها، لكنها أصيبت بتغييرات جذرية بدأت بعد قيام الثورة البلشفية على إثرها تغيرت الهوية الروسية عام 1991، مما جعل روسيا جزءا من العالم الغربي حتى جاء بوتين وأعاد القوة للبلاد مدافعا عن القيم المحافظة الخاصة بها.
تنبأ دوغين بحرب بلاده "الحتمية" على أوكرانيا تحت ما أسماه "نوفو روسيا" (روسيا الجديدة)، ودعا بوتين للتدخل العسكري في شمالي أوكرانيا، متعللا بـ"إنقاذ السلطة الأخلاقية لروسيا"، وأنها ستنقذ العالم من الأحادية القطبية.
ووصف حرب بلاده على أوكرانيا بأنها "ليست حربا على الشعب الأوكراني ولا على الدولة، ولكنّها حرب على الدمى الغربية التي تحاول السيطرة على العالم، وعلى النازيين الجدد الذين انقلبوا على إرادة الشعب الأوكراني في 2014".
وذكر أن "أوكرانيا كدولة ليس لها معنى جيوسياسي" كما كتب في كتابه "أسس الجغرافيا السياسية"، ودعا إلى أن تستوعبها روسيا بالكامل تقريبا وترك معظم المناطق الغربية من أوكرانيا خارج نطاقها.

بينَ النظريةِ و النظرية المُضادّة.. هل يُمكن أن تُقدِّمَ النظرياتُ السياسية مخارجَ للأزمة؟:

إذا كانت الحرب الروسية على أوكرانيا قد بدأت بالفعل نتيجة نظريات أطلقها مفكرون كألكسندر دوغين و غيره من المؤمنين بعَظمةِ الدولة الروسية و ضرورة سيطرتها على كافة دول الاتحاد السوفيتي السابق، بالإضافة إلى أهمية الدور الروسي على الصعيد العالمي في موازنة القوى مع الولايات المتحدة الأمريكية سعياً لإعادة التوازن إلى النظام العالمي و كسر الهيمنة الأميركية، فهل من الممكن تقديمُ نظرية مضادة تساعد على الخروج من الأزمة العالمية التي أحدثتها الحرب؟:
إن الحديث عن حل اي أزمة بين طرفين متصارعين لا بد أن ينطوي على الوصول إلى تسوية مرضية لمصالح الطرفين عبر عملية المفاوضات، إذ أن التفاوض الدبلوماسي الذي يحدث بين الدول والحكومات بكل ما بكل ما يتضمنه من مساومات وتنازلات متبادلة، هو أداة رئيسة ومهمة من أدوات تسوية الصراعات الدولية. فالتفاوض الدبلوماسي هو حجز الزاوية في اتصال الدولة مع غيرها من الدول، كما يعد بمثابة اللبنة الأساسية التي تعتمد عليها الدولة في تأمين مصالحها وتسوية خلافتها ونزاعتها مع الدول الأخرى. 
و إن التفاوض بكل الأحوال، يعني قبول المساومة المبدئية بين الأطراف المتناقضة في مصالحها و أهدافها، إذ أن اي دولة تقول أنا اقبل بالتفاوض، فهي بتعبير آخر تقول "أنا أقبل بتقديم بعض التنازلات مقابل التوصل إلى تسوية لإنهاء الحرب" ، و اليوم يعود الحديث في الصحافة الروسية (تجدر الإشارة هنا إلى أن الصحافة الروسية تعكس وجهة نظر الحكومة)عن تصريحات مسؤولين سياسيين غربيين يرون أنه لا يمكن لأوكرانيا أن تنتصر في ساحة المعركة، في حين أكد آخرون أن إلحاق هزيمة كاملة بروسيا أمر ضروري مهما كانت التكلفة.
و يقول الإعلام الروسي أنه حسب المسؤولين الغربيين فإن قبول الاستسلام مقابل انسحاب القوات الروسية إلى حدود فبراير/شباط 2022، ودفع تعويضات لنظام كييف وغيرها من المطالب الغربية؛ من شأنها حماية حلف الشمال الأطلسي (ناتو) من أي عدوان روسي محتمل.
و إن هذه التصريحات تثير تساؤلات حول مدى استعداد الدول الغربية لحل هذا الصراع، خاصة أن هدف روسيا منذ البداية كان الدفاع عن نفسها وليس تنفيذ "خطط عدوانية"، بحسب وجهة نظر الحكومة الروسية .
و إن هذا الاعتراف الضمني الغربي بعدم إمكانية انتصار أوكرانيا على روسيا، يشكل الخطوة الأولى في الاقتناع الغربي بضرورة التوجه إلى المفاوضات حالما تسمح الظروف الميدانية بهذه الخطوة، و هذا ما عبر عنه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ في الأيام القليلة الماضية حينما قال إن نجاح الهجوم المضاد الأوكراني و تمكن أوكرانيا من استعادة أجزاء من أراضيها سوف يساهم بشكل كبير في تحسين موقفها التفاوضي (أي يمكنها من دخول المفاوضات مع روسيا كطرف متكافئ معها و ليس كطرف مهزوم يفاوض على ما تبقى من سيادته، بل ستكون أوكرانيا في هذه نِدّاً لروسيا و ليست طرفاً ضعيفا أمامها). 
أما بالنسبة لموقف روسيا من الدخول في عملية التفاوض، فهناك عدة عوامل قد تجعل من روسيا تقبل بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مع أوكرانيا، و هذه أبرزها:
١-العقوبات الغربية الموسعة التي تم فرضها على روسيا و التي شملت كافة المجالات الاقتصادية، بدءاً من التجارة و التبادلات و قطاع الطاقة و الغاز، وصولاً إلى احتياطات البنك المركزي الروسي في المصارف الغربية. 
٢-الخسائر الهائلة التي تكبدتها روسيا منذ بداية الحرب بسبب العقوبات اولاً، و بسبب تكاليف الحرب على الناحية اللوجستية و العسكرية، إذ تقدر خسائر روسيا إلى حد الآن بحسب بعض المصادر بحوالي ١٥٠ إلى ٢٠٠ مليار دولار، و تجدر الإشارة هنا إلى أن روسيا تتحمل هذه الخسائر وحدها بينما أوكرانيا تعتمد على الغرب بشكل كبير على الصعيد المالي و على صعيد الإمدادات اللوجستية و العسكرية. 
٣-البطئ الشديد في التقدم العسكري الروسي في الداخل الأوكراني، ما شكل احراجاً كبيراً للدولة الروسية و آلتها العسكرية، إذ مضى على الحرب عام و نيِّف، و إلى حد الآن لم تستطع روسيا احتلال ربع الأراضي الأوكرانية إذ تقدر مساحة الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا إلى حد اليوم منذ بداية الحرب ب ١٥ إلى ٢٠ بالمئة على ابعد تقدير، كما تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الاحصائيات تمت قبل الهجوم الأوكراني المضاد الذي بدأ في الرابع من الشهر الجاري، أي من المحتمل أن تكون نسبة هذه الأراضي قد تقلصت.
٤-أصبح هناك إدراك لدى الروس أن الغرب لن يسمح لروسيا بالانتصار بالحرب، إذ كان يسود اعتقاد في روسيا أن الدول الغربية ستكتفي بفرض العقوبات كما في السابق (غزو جورجيا ، غزو القرم) ، و لكن روسيا لم تكن تتوقع حجم الحشد الغربي وراء أوكرانيا و مدى استخدام الغرب لهذه الحرب في استهداف المصالح الروسية في جميع أنحاء العالم، كما أنه بات واضحاً للقاصي و والداني أن الولايات المتحدة الأمريكية هي المستفيد الأول من هذه الحرب، إذ تمكنت الأخيرة من عزل روسيا عن العالم بالعقوبات، و تمكنت أيضاً من إعادة إثارة مخاوف أمنية لدى الدول الأوروبية بشأن الطموحات التوسعية الروسية التي تستهدف الأمن الأوربي، و بالتالي عادت الدول الأوروبية التي كانت في المرحلة الأخيرة تنادي بضرورة استقلال أوروبا في الجانب العسكري و الدفاعي عن الولايات المتحدة إلى الاقتناع مجدداً بأن الدعم الأميركي هو الوحيد القادر على حماية اي دولة أوروبية من اي عدوان خارجي سواء من روسيا أو من أي دولة أخرى.
إن كل هذه المؤشرات التي سبق ذكرها، تجعل من عملية التفاوض ضرورة لا بد منها بالنسبة للطرفين، و إن الاقتناع بمدى أهمية مسألة التفاوض لإنهاء الأزمة يشكل الخطوة الأولى لنجاحها، في حين أن الخطوة الثانية تعتمد على عناصر عدة أبرزها:
أولاً: دور الطرف الثالث أو الوسيط في تقريب وجهات النظر و احتواء الخلافات و تقديم المقترحات التي من شأنها تعزيز فرص الاتفاق و تقليل احتمالات فشل المفاوضات، علماً أن هناك أطراف عدة بإمكانها قيادة عملية التفاوض ( الدول العربية، الاتحاد الأوروبي، تركيا..)
ثانياً: إستراتيجيات المساومة، أي حرص الطرفين على التركيز على إدارة عملية التفاوض بشكل حكيم، أي معرفة متى يتم رفع سقف المطالب و متى يتم تخفيضها، و تجدر الإشارة هنا إلى أن عملية التفاوض تحتاج إلى عناصر متخصصة و ذات خبرة علمية بشأن مسألة التفاوض الدبلوماسي، و الأهم من ذلك كله تمتع مندوبي عملية التفاوض بالحكمة و الصبر و سياسة النفس الطويل.
ثالثاً: إدراك الطرفين بأن التسوية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرفين، فبقدر ما تركز النسوية على المصالح المشتركة كل ما تكون أقرب للنجاح، إذ أن طُغيان مصالح اي طرف على مصالح الطرف المقابل لن يؤدي إلا إلى تسوية هشة و ضعيفة لا تخدم السلم و الاستقرار على المدى البعيد.
خلاصة، ما تقدم، إن تجربة الحرب قد عززت قناعة كافة الأطراف بضرورة تجنب العنجهية في المسائل التي تخص الأمن القومي للدول الأخرى، و بالتالي يبقى الخيار الدبلوماسي هو الأفضل لمصلحة جميع الأطراف، إذ أن إطالة أمد الحرب سوف تؤدي بروسيا إلى انهيار اقتصادي بسبب العقوبات و تكاليف الحرب، كما ان التداعيات الاقتصادية للحرب على الاقتصاد العالمي عموماً و الاقتصاد الأوروبي خصوصاً يجعل الولايات المتحدة قلقة على أمن أوروبا التي لم تهدأ وتيرة الحروب فيها إلا بعد الانتعاش الاقتصادي الذي تلى الحربين العالميتين، إذ كان للظروف الاقتصادية الصعبة في أوروبا اليد العليا في ظهور الحركات الفاشستية و النازية التي أشعلت حرباً عالمية دمرت الاقتصاد العالمي فضلاً عن ازهاق ملايين الأرواح، ما يحتم على جميع الأطراف تحكيم العلم و الحكمة و التخلي عن سياسات التكبر و العنجهية التي كلفت البشرية أثماناً باهظة على الصعيدين الاقتصادي و البشري..