مَا هِيَ أسبابُ وَ جُذورُ الصّراعِ السّودانيّ؟ و أيُّ دُولٍ تُؤثّرُ فيه؟ و كيفَ يُمكنِ أن تتّجِهَ الأوضاع في السّودان نحوَ الحلّ أو التّصعيد؟

news image

تقرير - مروة شاهين - بث:

لطالما عُرِفَت المنطقة الإفريقية بِغناها بالصراعات التي لا حدّ لها و لا حَصر لأسبابها، بدءاً من الصراعات السياسية إلى الدينية  و الطائفية و القبلية وصولا إلى الصراعات العبثية التي لا أسباب لها و لا مببرات سوى رغبة بعض زعماء و قادة الحكومات أو الميليشيات المُسلّحة في الوصول إلى رأس السلطة أو الحصول على مُكتسبات سياسية أو اقتصادية أو شعبوية، ما يُفقد الصراع المسلح طبيعة الحرب، التي تُحتّم أن يكون هناك هدف سياسي واضح تسعى الجماعة المسلحة إلى تنفيذه عبر استخدام الوسائل العسكرية ، و بالتالي إذا فُقِد هذا الهدف السياسي فلا يُمكن بأي شكل من الأشكال أن نصِف الصراع المسلح "الحرب".

 تُعدُّ السودان مثالاً دَسِماً على حالة الصراع المسلح المنقطع النظير الذي تعيشه القارة الإفريقية على اختلاف دُولها، و إن ما يُميز السودان عن غيرها من الدول الإفريقية هو كونها مختلطة مع ثلاث جُغرافيات سياسية مشتعلة، ألا و هنّ؛  الشرق الأوسط، و شمال إفريقيا و قلب القارة الإفريقية جنوباً، ما يجعلُ السودان مُحاطاً ببيئةٍ خَصبةٍ للصّراع، فضلاً عن مشاكله الداخلية على الصعيدين السياسي و الاقتصادي ، ما يجعلُ فرضية الصراع و الفوضى تَغلُبُ حتماً على فرضية الإستقرار.


ما هي طبيعة الصراع الدائر حالياً في السودان؟ و ما هيَ جذوره و العوامل الداخلية و الخارجية التي تؤثر على مجراه؟ و كيف يُمكن أن يُغيِر هذا الصراع طبيعة المشهد و المستقبل السياسي في السودان؟

 

إن فهم طبيعة و دوافع الصراع الحالي في السودان يُعدّ غير ممكنٍ دون الإطلاع على الفترة السياسية التي سبقت الأحداث، و خصوصاً فترة الرئيس السوداني السابق عمر البشير، و الذي رسمت فترة حكمه أبرز الملامح الحالية للمشهد السياسي السوداني كونه أطول الرؤساء السودانيين جلوساً على كرسي الحكم، بعد وصوله إلى السلطة بانقلاب عسكري  أدي للإطاحة بالحكومة المدنية المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، وتولى عمر البشير منصب رئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني في 30 يونيو/حزيران 1989، و استمر حكمه ثلاثين عاماً وتعد فترة حكمه هي الأطول في تاريخ السودان الحديث.  

و في العام 2019 و بعل احتجاجات واسعة في الشارع السوداني و أعلن الجيش السوداني تولي المجلس العسكري برئاسة وزير الدفاع أحمد عوض بن عوف مقاليد السلطة في 11 أبريل/ نيسان 2019، مزيحا البشير عن رأس السلطة، و تم اعتقال البشير و وضعه قيد الإقامة الجبرية لتجري محاكمته فيما بعد بتهم عديدة أبرزها جرائم الحرب و الابادة الجماعية في إقليم دارفور، و الانقلاب على حكومة مدنية منتخبة، بالاضافة الى تهم الفساد السياسي و غسيل الأموال.

أبرز مراحل حُكمِ البشير: 
١-حرب دارفور:

إذ بدأ الصراع العسكري في إقليم دارفور السوداني عندما بدأت مجموعتان متمردتان هما حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في العام 2003بقتال الحكومة السودانية التي تتهم باضطهاد سكان دارفور من غير العرب، و حينها ردت الحكومة بهجمات  قيل إنها تضمنت حملة تطهير عرقي ضد سكان دارفور غير العرب، و أدت الحملة إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين واتهم بسببها الرئيس السوداني عمر حسن البشير بارتكاب إبادة جماعية، جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية من قبل محكمة العدل الدولية.
يضم الطرف الأول للصراع القوات المسلحة السودانية والشرطة والجنجاويد، وهي ميليشيا سودانية تتكون من قبائل عربية خصوصا البدو، و ضم الطرف الآخر المجموعات المتمردة، و استمر الصراع الدامي حتى وقعت الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة اتفاقا لوقف إطلاق النار في فبراير 2010، واتفاقا مؤقتا للسعي نحو السلام. نجحت حركة العدل والمساواة إلى حد كبير في المحادثات بعد أن تمكنت من نيل شبه حكم ذاتي للمنطقة مثل جنوب السودان، ما حقق استقراراً نسبياً في الإقليم بعد صراعٍ عسكري طاحن.

٢-إدراج السودان على قوائم الإرهاب و لإخضاعها للعقوبات الاقتصادية:

إذ أدرجت وزارة الخارجية الأميركية، السودان، ضمن قائمتها للدول التي ترعى الإرهاب 18 أغسطس (آب) 1993، واتهمته بأنه يسمح باستخدام أراضيه ملجأ للذين تصنفهم بأنهم إرهابيون مثل «حزب الله، والجهاد الإسلامي، وحماس»، وإيواء زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن، وتوفير ملاذات آمنة لهم. 
وأصدر الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، أمراً تنفيذياً طبق بموجبه عقوبات اقتصادية وتجارية ومالية شاملة على السودان تحت مبرر دعمه للإرهاب الدولي.
و قام الطيران الأميركي بقصف لمصنع الشفاء للأدوية 20 أغسطس (آب) 1998، بعد أن اتهمت أسامة بن لادن الذي تأويه الخرطوم بالضلوع في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام ونيروبي، زاعمة أن المصنع يتبع لبن لادن وينتج أسلحة كيماوية.
وتوالت الأوامر التنفيذية ضد السودان، ففي أبريل (نيسان) 2006 أصدر الرئيس جورج بوش الابن الأمر (13400)، الذي وسع بموجبه العقوبات لتشمل حظر الأفراد الذين تثبت مساهمتهم في نزاع دارفور وحجز أملاكهم.
و في العام 2002 أصدر الكونغرس «قانون سلام السودان» الذي رهن رفع العقوبات الأميركية بتقدم المفاوضات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، وألحق به في العام 2004 قانون سلام السودان الشامل، وفي 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2006 أصدر «قانون سلام ومحاسبة دارفور» الذي يستند إلى أن سياسات حكومة السودان تهدد أمن وسلام وسياسة أميركا، ثم تلي ذلك قانون المحاسبة ونزع الاستثمار في السودان عام 2007 الذي فرض الكونغرس بموجبه عقوبات ضد الأشخاص الذين اعتبرهم مسؤولين عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد والإنسانية.

و بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2011، طرأ تحسن على علاقة البلدين، وأبرمت الخرطوم اتفاقاً مع واشنطن نص على تعاون العاصمتين بالعمل معاً لمكافحة الإرهاب، و أعلنت إدارة الرئيس باراك أوباما  في 17 فبراير (شباط) 2015 تخفيف العقوبات على السودان.

كما قام دونالد ترامب بإصدار أمرين تنفيذيين في 13 يناير (كانون الثاني) 2017 أعلن بموجبهما رفعاً جزئياً لبعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على الخرطوم، بسبب ما سماه «التقدم الذي أحرزه السودان»، لكنه أبقى عليه ضمن قائمة الدول الداعمة للإرهاب.

واشترطت الإدارة الأميركية على السودان حينها ما اصطلح على تسميته بـ " خطة المسارات الخمسة "، وتضمنت " مكافحة الإرهاب، والعمل على مكافحة (جيش الرب)، والسلام في دولة الجنوب، والسلام في السودان، وإكمال مسيرته والشأن الإنساني".

٣-انفصال جنوب السودان:

بعد حروب أهلية طويلة المدى في السودان، بين جماعات مسلحة اتخذت طابع الدين و القبلية، استطاع السودانيون الجنوبيون أن ينفصلو بدولة جنوب السودان عن دولة السودان الأم، و يعتبر الكثير من الخبراء مسألة انفصال جنوب السودان تتعلق بدواعي عنصرية لجهة التمييز بين العرب و غير العرب السودانيين، فضلاً عن كون أكثر سكان الجنوب من أتباع الديانة المسيحية ( ٨٠٪)، ما شكل حافزاً لهم للانفصال بدولتهم عن السودان الشمالي الذي تشكل الديانة الإسلامية فيه حوالي خمسة و تسعون بالمئة من عدد السكان.

و قد تم الانفصال بموجب استفتاء جرى في الفترة من 9 يناير وحتى 15 يناير 2011 حول ما إذا كان سكان جنوب السودان يرغبون بالبقاء بدولة واحدة مع السودان أو الانفصال بدولة مستقلة وذلك تنفيذًا لبنود اتفاقية السلام الشامل والتي وقعت في نيفاشا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في 9 يناير 2005 ، و أعلنت نتيجة الاستفتاء في 7 فبراير 2011 وكانت نتيجتها موافقة أغلبية المصوتين على الانفصال عن السودان الموحد.

وأعلن عن الانفصال رسميّاً في 9 يوليو 2011 في حفل كبير في عاصمة الجنوب جوبا بحضور الرئيس السوداني عمر البشير ورئيس جنوب السودان سيلفا كير وعدد من زعماء الدول.


أطراف الصراع السوداني.. ما هي قوات الدعم السريع؟:


شُكّلت قوات الدعم السريع رسميًا في آب/أغسطس 2013، هي مليشيا شبه عسكرية مشكّلة ومكوّنة من مليشيات الجنجويد التي كانت تقاتل نيابة عن الحكومة السودانية خلال الحرب في دارفور، تأتمرُ قوات الدعم السريع بأمرِ محمد حمدان دقلو المعروف أيضًا باسمِ حميدتي ، و هو من مواليد العام 1975 ويتحدر من قبيلة عربية بدوية على الحدود بين تشاد والسودان، و برزَ  الفريق أول دقلو بعدَ سقوط نظام البشير وصارَ في وقتٍ لاحقٍ نائب رئيس المجلس العسكري الذي ينوي قيادة البلاد في الفترة الانتقاليّة.

وفي أبريل 2019، شاركت قوات الدعم السريع في الانقلاب العسكري الذي أطاح بالبشير. وفي وقت لاحق من ذلك العام، وقع حميدتي اتفاقا لتقاسم السلطة جعله نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الحاكم الذي يرأسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

وبعدَ الانقلاب العسكري الذي نفذه الجيش والذي مكّنه من الوصول للسلطة؛ صارَ لقوات الدعم السريع صلاحيات أكبر، و يقدر عدد أفراد القوات  بنحو 100 ألف فرد لهم قواعد وينتشرون في جميع أنحاء السودان، و يشار إلى أن هذه القوات لا تمتلك طيران جوي أو دبابات.

و تجدر الإشارة إلى أن هدف الرئيس السوداني السابق عمر البشير من تأسيس قوات الدعم السريع كان خلق قوة عسكرية موازية للجيش تستطيع حماية البشير في حال نفذت القوات المسلحة السودانية انقلاباً عليه.


ما هي أهمية السودان؟ :


إن أهمية السودان من ناحية علم الجغرافيا السياسية تكمن في أنه يحتل الجزء الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا، ويمتد طول الحدود البحرية على ساحل البحر الأحمر إلى حوالي 670 كلم، وتحده دولتان عربيتان هما (مصر وليبيا) و 5 دول أفريقية. 
يحتل مساحة قدرها 1,865,813 كيلو متر مربع وهو بذلك ثالث أكبر بلد في أفريقيا بعد الجزائر والكونغو الديمقراطية، والثالث في العالم العربي بعد الجزائر والمملكة العربية السعودية، وتبلغ المساحة الإجمالية للغابات والمراعي في السودان نحو 121.8 مليون هكتار، منها حوالي 71 مليون هكتار للغابات، أي ما يعادل 28% من مساحة السودان الكلية. إذ يزدان السودان بمساحات زراعية في ولاية الجزيرة منها الذرة والقمح والقطن الذي كان هو اقتصاد السودان.
و إن ما ذكرناه من معلومات لا يقتصر على كونه مجرد معلومات جغرافية، بل ان هذه المعلومات هي التي سنحللها تباعاً في هذا التقرير للوقوف على الأهمية التي يشكلها السودان لكل دولة من الدول الفاعلة و المؤثرة في الصراع الجاري في السودان، أو الدول التي من الممكن أن يكون لها دور في التأثير على هذا الصراع سواء لناحية التصعيد أو التهدئة.


أولاً أهمية السودان بالنسبة لمصر:


تعتبر مصر دولة شبه اقليمية في القارة الإفريقية، و لها تأثيرها الممتد على دول الجوار مثل ليبيا و السودان و ساحل البحر الأحمر، إذ أن استقرار هذه المناطق بالتحديد يشكل مسألة هامة بالنسبة للأمن القومي المصري.

السودان تربطها مع مصر حدود برية يقدر طولها ب1,276 كم، وتمتد من النقطة الثلاثية مع ليبيا في الغرب إلى البحر الأحمر في الشرق، ما يجعل الصراع السوداني يشكل عامل خطر عدم الاستقرار على الأمن المصري للأسباب التالية:

أولاً: إن انفلات الوضع الأمني في السودان سبب تدفقاً كبيراً للاجئين إلى مصر التي لا قدرة لها على استيعاب مزيد من الكثافة السكانية نظراً الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد.

ثانياً: إن انفلات الوضع الأمني في السودان سيجعل من هذه الدولة منطقة خصبة لنمو الخلايا الإرهابية التي سرعان ما تتمدد لتتجه لاستهداف الدول المحيطة و منها الدولة المصرية.

ثالثاً: إن علاقات الفريق أول محمد حمدان دقلو الجيدة مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تجعل من الدولة المصرية تأخذ صف القوات المسلحة السودانية (بقيادة اللواء عبد الفتاح البرهان)، نظراً لكون قضية سد النهضة مسألة تشكل خطراً جسيماً على الأمن القومي المصري، و ان الفريق دقلو لديه تفاهمات بحسب بعض المصادر مع الحكومة الإثيوبية حول عدم ممانعته لتشغيل السد.

رابعاً: إن الواجهة البحرية الطويلة التي يملكها السودان على سواحل البحر الأحمر تجعله دولة مؤثرة في حركة قناة السويس المصرية، و بالتالي فإن سيطرة اي طرف من أطراف الصراع على السواحل أو الفوضى التي تهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر ستشكل عامل خطر على الملاحة في قناة السويس، ما يجعل التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل مصر في الصراع السوداني أمراً حتمياً لا مفر منه في حال استمرت الأوضاع في التأزم و لم تتجه إلى طريق الحل عما قريب.


أهمية السودان بالنسبة للمملكة العربية السعودية:


إن السودان في الحقيقة هي دولة مجاورة للملكة العربية السعودية، فهي تقع قبال سواحل المملكة على البحر الأحمر، كما ان السودان تربطها علاقات مهمة بالمملكة تاريخياً ، و إن هذه العلاقات تحكمها عوامل كثيرة هامة تجعل من المملكة العربية السعودية تهتم بالبقاء على قدر كبير من التوازن و الحياد بين طرفي الصراع، و إن هذه العوامل متعددة جداً نذكر أهمها:

أولاً: إن المملكة العربية السعودية كما جميع دول الخليج هي دول غنية و قوية اقتصادياً لكنها تعاني من مخاطر تأمين الأمن الغذائي نظراً لطبيعتها الصحراوية، وبالتالي فهي تعتمد بشكل كبير على المحاصيل الزراعية التي تستوردها من الخارج، كما ان المملكة العربية السعودية قامت مؤخراً عبر شركات محلية باستئجار مساحات خضراء شاسعة في السودان بهدف استثمارها زراعياً لتأمين الأمن الغذائي السعودي، و بالتالي فإن الصراع العسكري الدائر حالياً في السودان سيشكل خطراً على هذه الاستثمارات و على الواردات الزراعية التي تذهب من السودان إلى المملكة العربية السعودية.

ثانياً: إن امتلاك السودان حدوداً على البحر الأحمر يجعل من السودان جغرافيا هامة بالنسبة للمملكة العربية السعودية نظراً لامتلاكها لوسائل التأثير على الصراع اليمني، لا سيما أن كلاً من الجيش السوداني و قوات الدعم السريع قد شاركا إلى جانب المملكة في تحالف دعم الشرعية اليمنية، ما يجعل المملكة العربية السعودية تقف على مسافة واحدة من الطرفين، لأن اتخاذ المملكة موقفاً مع أحد الطرفين ضد الآخر، لأن إيران تلعب على الملف السوداني و تنتظر فرصة أن يعادي أحد الأطراف السودانيين المملكة لتبدأ إيران بدعم هذا الطرف ضد الطرف التي تدعمها المملكة ، و لهذا فإن من مصلحة المملكة الوقوف على مسافة واحدة من الطرفين الطرفين بهدف عدم إعطاء إيران فرصة التدخل في الصراع السوداني.


الولايات المتحدة الأمريكية و موقفها من الصراع السوداني:


إن الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى نفسها كسيد يتزعم العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تنظر بعين الاهتمام إلى الصراع السوداني-مثلما في جميع الصراعات التي قد في اي بقعة في العالم-، و إن نظر الولايات المتحدة إلى هذه الصراعات في الغالب يكون له غاية واحدة و هي السيطرة على هذه البقعة سياسياً و اقتصادياً على أكبر وجه ممكن، و لتحقيق هذه الغايات غالباً ما تقوم الولايات المتحدة بـ :

أ- دعم أحد أطراف الصراع من الموالين للولايات المتحدة الاميركية لإيصاله إلى مركز السلطة و الحكم، و بالتالي يقوم هذا الطرف بتحقيق المصالح الأميركية على الأرض ( أي تستخدمه الولايات المتحدة بمثابة وكيل لها).

ب- دعم جميع أطراف الصراع بشكل أو بآخر ( بطرق مباشرة أو غير مباشرة)، و غالباً ما تلجأ الولايات المتحدة لهذا الأسلوب عندما لا يكون لديها حليف معين في الصراع، بحيث تضمن عدم فوز أحد الأطراف على الآخر، بما يجعل تصعيد الصراع أمرا لا مفر منه، و مساهمة كبيرة في إضعاف البلاد، الأمر الذي تستفيد منه الولايات المتحدة الأمريكية لأنه كلما كان البلد ضعيفاً كلما سَهُل على الولايات المتحدة إخضاعه.

و تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم الأسلوب الأول في السودان و لكن بشكل مخفي و غير ملفت، إذ تقوم بدعم خفي غير ظاهر للجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع، و يرجع هذا لكون هذه القوات لديها علاقات قوية مع روسيا و تأخذ منها دعم عسكري و مالي، و لكن الولايات المتحدة الأمريكية لا تبالغ كثيراً في دعم الجيش السوداني في محاولة منها لإعادة استمالة قوات الدعم السريع و سحبها من الجانب الروسي.

و في هذا الإطار، رأت الكاتبة الأميركية، جاكلين بيرنز، مستشارة سابقة للمبعوث الأميركي الخاص للسودان وجنوب السودان، في مقال لها في صحيفة "نيويورك تايمز الأميركية "أنّ واشنطن ركزت بشدة على الحصول على تنازلات، وتقسيم السلطة بين الجماعات المسلحة في السودان للتوصل إلى اتفاقية سلام موقعة". وعليه، فإن "العنف في السودان هو ذنبنا"، تضيف بيرنز.

كما أشارت إلى أنّ التوترات التي كانت في تصاعد منذ شهور بين الزعيمين العسكريين، رئيس مجلس السيادة الفريق الركن عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي، انفجرت أخيراً ضد ضغط الموعد النهائي الذي يلوح في الأفق لتسليم السلطة إلى حكومة مدنية.

ولاحظ المحللون أنّ الحركات التي ساعدت في الإطاحة بنظام عمر البشير كانت "ضعيفة للغاية وغير منظمة"، بحيث لا يمكنها منافسة الميليشيات المسلحة.
وأضافت: "هذه بالفعل عوامل محتملة في العنف. لكن المشاكل تعود إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير".
وتابعت الكاتبة الأميركية، أنه عندما لم ينتهِ الصراع في السودان، بعد اتفاق السلام الشامل لعام 2005، وقع المجتمع الدولي في نمط مألوف من مفاوضات السلام التي لا تنتهي أبداً، بالتناوب من خلال وسطاء مختلفين.
لكن المشكلة تكمن في أنّ حلّ النزاع الذي يركز على توقيع اتفاقيات السلام التي تقسم السلطة بين الجماعات المسلحة، "نادراً ما يؤدي إلى سلام مستدام". وغالباً لا يؤدي ذلك حتى إلى "سلام قصير المدى"، إذ إنّ آثار مثل هذه "الجهود الخاطئة، في حطام الخرطوم، واضحة للعيان".

وقالت الكاتبة: "لقد رأيت هذا يحدث مراراً وتكراراً في كل من السودان وجنوب السودان، حيث كان بعض قادة الجماعات المسلحة الذين تعاملت معهم مهتمين أكثر بمشاهدة مباريات كرة القدم المتلفزة بجوار حمام السباحة بالفندق، وقيامهم بجدولة الاجتماعات لتحقيق مكاسب خاصة بهم، بدلاً من مناقشة العنف الذي يؤثر على الناس".
وعليه، يقوم المتدخلون الدوليون، في هذه الحالة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وآخرين، بإضفاء الشرعية على هذه الجماعات المسلحة بصفتها "سماسرة السلطة"، أو الأصوات الوحيدة الصالحة التي يجب الاستماع إليها، بينما يطلبون من السودانيين "الانتظار بهدوء، دورهم الذي لا يأتي أبداً".

وتابعت الكاتبة: "في عام 2011، بدأت العمل مع المبعوث الأميركي الخاص للسودان وجنوب السودان. لقد ركزنا بشدة على الحصول على تنازلات، وتقسيم السلطة بين الجماعات المسلحة، للتوصل إلى اتفاقية سلام موقعة، والتي، على الرغم من التشدّق بالحاجة إلى الشمولية والسلام المستدام، إلا أننا فقدنا رؤية هذا الهدف على المدى الطويل".

وختمت الكاتبة بالقول: "إذا استمر المجتمع الدولي في إعطاء الأولوية لأصوات المسلحين والفاسدين، على أولئك الذين يسعون إلى الإصلاح والتمثيل السياسي الحقيقي، فلا يمكننا أن نتوقع أقلّ من استمرار دائرة العنف والمعاناة الإنسانية التي شهدتها السودان خلال الأسبوع الماضي".


روسيا كطرفٍ فاعِلٍ مباشر في الصراع السوداني:


منذ بداية الصراع في السودان، ضجت وسائل الإعلام العالمية بمعلومات حول إمكانية ضلوع روسيا في الصراع عبر شركة فاغنر شبه العسكرية (و هي شركة سيئة السمعة) التي تشارك في الحرب في أوكرانيا، علماً أن روسيا لم تؤكد أو تنفي اي من هذه المعلومات. 
إذ نشرت جريدة التايمز تقريراً حول المعارك التي تشهدها السودان بين قوات الجيش، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، الشهير بحميدتي، و يقول يقول إن هناك شكوك في أن مرتزقة فاغنر الروس، يلعبون دوراً في المعارك.

ويضيف التقرير أن حميدتي وقوات الدعم السريع التي يسيطر عليها، توفر الحماية لشركة ميرو، للذهب، وهي إحدى شركات التعدين التابعة لفاغنر، ويديرها رئيس مجموعة المرتزقة يفجيني بريغوزين، والمتهم بتهريب الذهب من السودان إلى موسكو للمساهمة في دعم حرب الحكومة الروسية، (الكريملين)، على أوكرانيا.

ويشير  إلى أن مسؤولين أمنيين غربيين كشفوا لصحيفة وول ستريت جورنال أن الولايات المتحدة تشك في وجود صفقة بين فاغنر وحميدتي، وبالتالي دفعت واشنطن مصر إلى مساندة ودعم القوات المسلحة السودانية، ورئيس المجلس السيادي، عبد الفتاح البرهان، بهدف طرد فاغنر من البلاد.

وينقل التقرير عن كاميرون هادسون، من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، قوله:" إن سيطرة فاغنر على السودان ستربط خطوطها من البحر الأحمر إلى أفريقيا الوسطى، وبالتالي ستصبح السودان جوهرة التاج الأفريقي".

ويقول :"إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسع سلطة بلاده في أفريقيا عدة مرات، باستخدام مجموعة فاغنر، التي تتدخل لدعم الحكومات الضعيفة، ومصر التي تدعم البرهان، يُقال إنها على المحك، تخشى من انهيار السودان".

ويضيف هادسون للتايمز "أظن أن فاغنر يدعمون قوات الدعم السريع بالفعل بما أن المعارك قد بدأت".

ويقول إن قوات فاغنر وصلت السودان عام 2017، بعد لقاء البشير لبوتين في سوتشي، ووعد بوتين الرئيس السوداني السابق، بجعل بلاده المفتاح الرئيسي لموسكو في أفريقيا.
ويوضح أنه منذ ذلك الوقت مدت فاغنر السودان بالأسلحة، كما يُعتقد أنها دربت عناصر الدعم السريع، بعد سقوط البشير.

و قالت نيويورك تايمز الأميركية ، إن روسيا حاولت الحصول على موطئ قدم بحري لسفنها الحربية، في الموانئ السودانية على البحر الأحمر، بينما قدمت فاغنر المركبات المدرعة وتدريبات، مقابل امتيازات وتنازلات في مجال التنقيب عن الذهب.
لكن في الأيام الأخيرة، تلقت قوات الدعم السريع عرضًا بأسلحة قوية، بما في ذلك صواريخ أرض جو، من زعيم فاغنر بريغوزين، على حد قول المسؤولين الأمريكيين.

و بهذا يمكن اختصار أهداف روسيا في السودان بالآتي:

١- الوصول إلى المياه الدافئة عبر سواحل البحر الأحمر و تكوين مواقع روسية مقابلة لمنطقة الجزيرة العربية التي تحوي العديد من القواعد العسكرية الأميركية. 
٢- الحصول على الذهب و الموارد الطبيعية  المتوفرة في السودان، لا سيما أن روسيا بحاجة إلى الذهب لتغطية عملتها باحتياطات ذهبية لمنع انهيارها نتيجة العقوبات الغربية. 
٣- منافسة الولايات المتحدة الأمريكية على النفوذ في القارة الإفريقية – كما في جميع المناطق-، إذ تعتبر القارة الإفريقية اليوم موضع صراع بين القوى الكبرى نظراً لكونها غنية بالموارد الطبيعية و البشرية و مركز معظم الاستثمارات المستقبلية، و لهذا تسعى الدول الكبرى إلى الحصول على موضع قدم في أفريقيا لتضمن لها مكان في التنافس على السيطرة على الموارد و الثروات الإفريقية.


طبيعة الصراع و مآلاتُه.. إلى أين تتجه الأحداث في السودان؟:


بعد كل ما ذكرناه آنفاً من معلومات، يتضح أن جذور الصراع متأصلة في السودان منذ مايقرب من نصف قرن، و إن اندلاع المواجهات المباشرة بين الجيش و قوات الدعم السريع كان أمراً بديهي الحدوث، و لكنه كان ينتظر ضوءاً أخضراً للإندلاع، إذ تستند كل قوة من قوى الصراع في السودان إلى داعمٍ خارجي ( واحد او أكثر) و هذا ما يفسر كون الأحداث السودانية ليست سوى حربٍ بالوكالة بين روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية، تماماً كما هي الحرب أوكرانيا، و لكن الفرق هنا أن روسيا لا تشارك مباشرة في الأعمال العسكرية.

فالولايات المتحدة الأمريكية و في محاولة منها لوقف تمدد النفوذ الروسي في السودان عبر فاغنر، أعطت ضوءاً أخضراً لبدء الصراع، و روسيا أيضاً التي تريد تثبيت أقدامها في السودان احتاجت إلى مواجهات مباشرة بهدف تنصيب سلطة سودانية صديقة للروس، بحيث تضمن روسيا تدفق الذهب السوداني إليها، لا سيما انها تحتاجه في تغطية عملتها الوطنية كي لا تنهار تحت وطأة العقوبات الغربية.

 و أيضاً بسبب الحصار الغربي لروسيا اقتصادياً، فإن روسيا تحتاج إلى دول صديقة تقبل استقبال الاستثمارات الروسية بعد أن اغلقت الدول الغربية أبوابها اقتصادياً أمام الاستثمارات الروسية و صادرات رؤوس الأموال الروسية المتواجدة في الغرب، و لهذا فإن روسيا تصر على كون الدول التي ستضع فيها استثماراتها في المستقبل دولاً صديقة لروسيا لضمان عدم التعرض للأموال الروسية أو مصادرتها أُسوةً بالغرب.

و بالمقابل فإن الغرب يسعى لضم السودان إلى قائمة الدول الخاضعة تحت نفوذه، و بالتالي فإن الغرب و الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص لن ترضى بتسليم السلطة في السودان إلى قوى تربطها علاقات جيدة بموسكو، و هذا ما يؤكد طبيعة حرب الوكالة للصراع السوداني، و انطلاقاً من هذا فإن نتيجة الصراع و مآلاته ترتبط بعلاقات الدول الفاعلة و المؤثرة في السودان، مع الإشارة إلى أهمية دور الدول العربية الفاعلة (مصر و السعودية) في التأثير على مجرى الصراع و إقناع أطرافه بالجلوس إلى طاولة المفاوضات و حل خلافاتهم، مما يساعد في إنقاذ الوضع قبل أن تنزلق السودان لتصبح ملعباً روسياً- أميركياً تحل فيه الدول الكبرى خلافاتها على أراضٍ بعيدة عن ترابها الوطني، بحيث تحتفظ هذه الدول لشعوبها بالأمان و الاستقرار بينما تحرِم منه شعوباً أخرى..