تَّوتُّر بَينَ العَشائِر العربّية اللبنانية و حِزبِ الله .. انذار بِصراعٍ مُسلّح من جنوبَ بيروت؟

news image

 


تقرير - مروة شاهين - بث:
سنواتٌ مِن طُغيان قوّة السلاح و فائض القوة التي تمتع بها حزب الله في لبنان منذ العام ٢٠٠٨ بعد أن فرض سطوته العسكرية على مفاصل قرار الدولة اللبنانية بعد أحداث السابع من أيار، فتلونت الدولة اللبنانية منذ ذلك الحين بالمزاج السياسي و الاقتصادي و الإيديولوجي الذي ترسمه إيران عبر ذراعها في لبنان، و هذه المرة، امتدّ الطغيان "الحِزبوي" إلى القضاء، و تحديداً إلى المحكمة العسكرية، التي تحولت إلى محاكِم تفتيش هدفها مُعاقبةُ كلِّ متمرّدٍ على مَن يَصِفون أنفسهم ب "سادة البلاد و كُبَرائِها".

يتذكّرُ الشارع اللبناني، و الرأي العام الخارجي المُتابع للشأن اللبناني ما حصل في منطقة خلدة مُنذُ سنتين، حيثُ اندلعت اشتباكات عنيفة بين عناصر من حزب الله و العشائر العربية في خلدة، المعروفين بعرب خلدة، خلال مراسم تشييع أحد عناصر حزب الله “علي شبلي” الذي قتل على خلفية ثأر، بعد أن أقدم قبل عام من مقتله على قتل شاب في مقتبل العمر ينتمي لإحدى العشائر العربية في المنطقة.

و أدت المواجهات إلى مقتل ثلاثة عناصر من "حزب الله" من جراء "كمين" خلال التشييع، التي سرعان ما تطور إلى اشتباكات مسلحة أوقعت قتيلين اثنين آخرين وعددًا من الجرحى.

وتعود جذور الاقتتال في خلدة إلى توتر اندلع في 28 آب/ أغسطس 2020، إثر تعليق مناصرين لـ"حزب الله" رايات دينية في المنطقة، الأمر الذي تطور إلى اشتباكات بينهم وبين أبناء عشائر عربية، أوقعت قتيلين أحدهما  يُدعى حسن غصن.
 و حينها دفع الجيش بتعزيزات عسكرية إلى منطقة خلدة لضبط الوضع، و عمل على إقفال جميع الطرق المؤدية إلى المنطقة.

وقال الجيش اللبناني في بيان إنه سيطلق النار باتجاه أي مسلح يتواجد على الطرقات في خلدة وباتجاه أي شخص يقدم على إطلاق النار من أي مكان آخر. 
كما سجّلت حينها مدينة طرابلس مسيرات شعبية مؤيدة لموقف عرب خلدة فيما أخلى الجيش اللبناني جثمان القيادي في ميليشيا حزب الله علي شبلي برفقة 15 شخصاً من عائلته، وسط حالة من التوتر المشوب بالحذر التي سادت المنطقة.


المحكمة العسكرية تُبَرِّئُ عناصِر حزب الله و تُطلِقُ الأحكام على أبناء العشائر العربية:


إذ أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد الركن خليل جابر أحكاما في حق 36 مدعى عليهم في أحداث خلدة، التي وقعت في آب من العام 2021، و كان اللافتُ عدم إدانة أي متهم تابع لحزب الله، إذ اقتصرت الأحكام القضائية و المحاكمات على أبناء العشائر فقط دون التعرض لعناصر حزب الله. 
وتراوحت الأحكام بين عقوبة الإعدام والأشغال الشاقة والبراءة، وذلك بعد جلسة أُعيد فيها استجواب بعض الموقوفين، ثم ترافع ممثل النيابة العامة العسكرية القاضي كلود كرم وعدد من وكلاء الدفاع الذين يتجهون الى نقض الأحكام أمام محكمة التمييز العسكرية. 
في المقابل، حكمت المحكمة بالبراءة ل 11 مدعى عليهم وخروج 6 موقوفين للاكتفاء بالمدة بعد أن تم الحكم عليهم مدة سنة ونصف السنة.


العَشائِر العربية تَنتَفِضُ في وجهِ الإجحافِ بِحقّ أبنائها:


عقدت العشائر العربية مؤتمرا صحافيا في قاعة مسجد الشهيد حسن غصن في خلدة استنكارا لأحكام المحكمة العسكرية بحقّ موقوفي أحداث خلدة، حضره النواب أشرف ريفي وميشال معوض ونزيه متى وفؤاد مخزوفي ووضاح صادق ومارك ضو وكميل شمعون وبلال الحشيمي ومحمد سليمان وبلال عبدالله.
وتوجهوا الى قيادة الجيش والأجهزة الأمنية والمحكمة العسكرية ومحكمة التمييز: "نحن صمّام أمان لبنان، وأوقفوا الظلم بحقّ موقوفي خلدة قبل فوات الأوان".
وقال الشيخ خلدون عريمط ممثلًا مفتي الجمهورية: "لا تريد العشائر العربية إلا الدولة وسيادة الدولة ونرفض الأحكام الجائرة التي صدرت عن المحكمة العسكرية والتي طالت طرفًا واحدًا ونرفض قوى الأمر الواقع".
وتوجه الى العشائر العربية قائلا: "تأكّدوا أنه لا وجود للبنان بدونكم وبدون تطبيق حقوقكم ولا يزايد أحد علينا بتحرير القدس فأنتم حراس القدس شاء من شاء وأبى من أبى".
أضاف: "أؤكد لكم بأن المفتي دريان والنواب الحاضرين سيتابعون قضيتكم في محكمة التمييز وفي كل المحافل وصولا لتحقيق العدالة".
الى ذلك، انتشر الجيش اللبناني بشكل كثيف في خلدة قُبيل مؤتمر صحافي للجان عرب خلدة بعد صدور أحكام المحكمة العسكرية، وأفيد عن وجود حشود شعبية وحضور نيابي وروحي واسع في خلدة استنكارًا لأحكام المحكمة العسكرية بحقّ موقوفي أحداث خلدة.


بعدَ خُضوعِها لِسُلطةِ حِزبِ الله.. مرجعياتٌ سِياسِية و قانونية تُطالِبُ بِحلّ المَحاكِمِ العَسكرية:

 

إلى ذلك، أدت هذه الأحكام  الصادرة مؤخراً عن المحكمة العسكرية إلى دعواتٍ ضِمن الأوساط السياسية و القانونية إلى إلغاء هذه المحكمة، وليست هذه المرة الأولى التي ترتفع فيها المطالب بإلغاء المحاكم العسكرية وسائر المحاكم الاستثنائية، ويقول قانونيون إن أحكام المحكمة العسكرية غير معللة؛ ففي عام 2019، تصاعدت المطالب بإغلاق تلك المحاكم، بالنظر إلى أن «القضايا التي تسند إلى هذه المحاكم يُفترض أن تكون من صلاحية قضاء متخصص وليس قضاء خاصاً».
وكان وزير العدل الأسبق النائب أشرف ريفي أبرز المطالبين بإلغاء المحاكم الاستثنائية، وتقدم بهذا الطلب منذ عام 2019، استجابةً لمطالب الأمم المتحدة المتكررة، الداعية إلى تعديل قانون المحكمة العسكرية، التي لم يعد لها مثيل في العالم، وهي أُعطيت صلاحيات واسعة؛ حيث تتشكل من 4 ضباط وقاضٍ واحد، في حين أن المدنيين يجب أن يُحاكموا أمام هيئة قضائية.
و اشار النائب إيهاب مطر في تصريح له عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الى ان "ما صدر من احكام عن المحكمة العسكرية في قضية احداث خلدة يجب ان يصحح بأسرع وقت، ويرفع الظلم الذي لحق ببعض شباب عرب خلدة، خصوصا مع تغييب أي محاسبة للطرف الآخر. وهكذا أحكام لا يمكن السكوت عنها بظل غياب المساواة. ولطالما كان ايمان ابناء العشائر العربية بالدولة ومؤسساتها التي عليها انصافهم ورفع الظلم عنهم، منعا لاستغلال قضيتهم من البعض وادخالها في مزايدات البعض الآخر. تحية احترام وتقدير لابناء العشائر العربية على امتداد الوطن".
كما أكّد النّائب وضاح صادق أنّ "الأحكام الصّادرة مؤخّرًا عن المحكمة العسكرية في ملف أحداث خلدة، دليل جديد على عدم جدوى هذه المحكمة الاستثنائيّة، وانحيازها وخضوعها إلى التّسييس".


و قال في تصريح عبر مواقع التّواصل الاجتماعي: 
"أنّني لن أخوض في تفاصيل الحكم، ولكنّ أساس العدالة هو المساواة بين المواطنين أمام القضاء. هذا مبدأ لم تحترمه المحكمة العسكريّة، لا في هذا الملف ولا في العديد من الملفّات الأخرى، وهي تخضع اليوم بشكل كامل إلى سطوة السّلاح، وأصبحت وسيلةً بيد أصحابه، لمعاقبة خصومهم وتبرئة عناصرهم من المحاسبة، مِن قاتل سامر حنا إلى مرتكبي جريمة خلدة".
وشدّد صادق على أنّ "إلغاء المحكمة العسكريّة وكلّ المحاكم الاستثنائيّة، مدخل لتحقيق استقلالية القضاء، وتحريره من سيطرة هذا السّلاح عليه".
سِياسيّون لُبنانيونْ مِن كافة الطوائف و الأديان يلتَفّونَ حول العَشائِر العربية و ينتفضون في وجه هيمنة حزب الله:
إذ عقدت "الجبهة السيادية من أجل لبنان"، و هي التكتل السياسي المعارض لحزب الله ،إجتماعاً إستثنائياً في مكتب النائب أشرف ريفي في الأشرفية، للبحث في تداعيات الأحكام العسكرية بحق المتهمين بأحداث خلدة، إستهل بكلمة ترحيب من النائب ريفي بـ"المشاركة في الدفاع عن قضية عرب خلدة"، مشيراً إلى أنه "فعل إيمان وطني يجعل من هذه القضية قضية وطنية كما كانت قضايانا الوطينة الأخرى وعلى رأسها قضية عين الرمانة – الطيونة"، مؤكدا أن "الجميع يعلم أن القضايا الوطنية رابحة حكماً وستكون قضيتنا الحالية رابحة بإرادتنا ومشاركتكم".
وقال: "بإسم الحاضرين من "الجبهة السيادية" وكل الأحرار في هذا البلد، نُدين سلوك المحكمة العسكرية المنحاز والمسيّس، الذي تُرجم بإصدار الأحكام الجائرة على أهلنا من عرب خلدة"، ورأى أن "المحكمة العسكرية التي واجهت أحكامها منذ تولّي وزارة العدل، باتت أداةً بيد "حزب الله"، يستعملها للتنكيل بخصومه بكيدية واستنسابية، لا بل بانتقامية وهذا ما نرفضه رفضاً باتاً وما نستعد لمواجهته بكل السُّبل".
واضاف: "من ملف ميشال سماحة إلى ملف الطيونة إلى ملف الشهيد الرائد سامر حنا، الى ملف الشهيد الحي سمير شحادة، إلى ملف الأحكام الجائرة والتوقيفات العشوائية في ما يسمّى بالموقوفين الإسلاميين، إلى ملف الأحكام الجائرة على أهلنا عرب خلدة، يُثبت من يحرك هذه المحكمة أي "حزب الله" أنه مصمم على الإطاحة بكل قواسم العيش المشترك وبعقلٍ بارد على ضرب النسيج اللبناني".
واعتبر أن "حادثة خلدة معروفة للجميع. فعل الإعتداء نفّذه "حزب الله"، أما ردة الفعل، فقد ردَّ بها الأهالي على الفعل. أما المحكمة العسكرية فقد كُلِّفت بمحاكمة الضحايا بتحريضٍ من المعتدين وهذا أسوأ ما يمكن أن يُصيب العدالة من تشوّه. لقد طفح الكيل من "حزب الله" ودويلته المسيطرة على الدولة بكامل أجهزتها، والأخطر، السيطرة على المحكمة العسكرية واستعمالها بهذه الطريقة التي تضرب العيش المشترك".

وتوجّه ريفي إلى "أهلنا عرب خلدة"، بالقول: "نحن معكم في مواجهة الظلم لتحقيق العدالة. نحن معكم في ملف البطل أحمد غصن شقيق الشهيد البار حسن غصن الذي أُجبِر على إحقاق العدالة بعد أن تقاعست هذه الدولة المارقة والمنبطحة عن القيام بواجبها"، مشدداً على "أننا معكم لأننا نريد دولة حقيقية تسود فيها المحاسبة والعدالة ويتم تحرير قضائها وأجهزتها من قبضة الدويلة. سنلاحق هذه القضية الى النهاية، حتى تصحيح هذا الخلل الكبير، وسنؤكد المطالبة الدائمة بإلغاء المحكمة العسكرية، أو تعديل قانونها لتحاكم العسكريين فقط، وفي القضايا العسكرية فقط"، واشار إلى أنه "سبق لنا أن قدمنا في العام 2015 يوم كنا في وزارة العدل إقتراح مشروع بذلك، يقوم على إلغاء المحاكم الخاصة"، واعتبر أن ذلك "لصالح المحاكم المتخصصة، لأن استمرارها يعني إستمرار أداة الإقتصاص بيد الدويلة، ولن نتقبل بعد اليوم الإستهانة بوطننا وكرامتنا وعيشنا المشترك".

وأكّد النائب ميشال معوض أنّ “طريق القدس لن تمر بخلدة وأتينا لنقول أننا متمسكون بالعدالة التي لا تتجزأ”، مضيفًا “واجبات المحكمة العسكرية تكون فقط على العسكريين وليس المدنيين وأقول للعشائر أنكم أهل العزة والسيادة والكرامة وقضيتكم قضيتنا”.
وشدّد على “اننا سنتابع القضية الى الآخر وأقترح تكوين لجنة متابعة نيابية لمتابعة القضية حتى تنتصر العدالة”. من جهته، توجّه النائب أشرف ريفي بالتحية “للبطل أحمد غصن الذي ثأر لدم أخيه وكل الموقوفين في قضية أحداث خلدة”.

ورأى أنّ “كمين المحكمة العسكرية بحقّ موقوفي خلدة استحضر كمين عبرا الذي استشهد فيه عناصر من الجيش ومواطنين برصاص حزب الله”.
و ختم بالقول: “اننا لن نخضع للتهويل ولم نعد نحتمل الصبر ونحن قادرون بوحدتنا الإسلامية المسيحية بوضع حد للمشروع الآخر”.

و تجدر الإشارة إلى أن العشائر العربية المتواجدة في لبنان و تحمل الجنسية اللبنانية منذ زمن طويل، تتمتع بثقل سكاني كبير في مدخل بيروت الجنوبي، كما إنها عشائر مسلحة و منظمة و تشكل قوة عسكرية لا بأس بها، إضافة إلى أن هذه العشائر لها علاقات مباشرة مع العديد من الدول العربية، فسفير المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، يقوم بزيارات دورية إلى تلك العشائر التي تعتبر امتداداً للوجود العربي المتأصل في لبنان،  كما يقوم رؤساء تلك العشائر بتنظيم زيارات و فعاليات دورية إلى سفارة المملكة للتأكيد على ارتباطهم الوثيق مع جذوره العربية، و بالتالي فإن أي اعتداء قد يحصل من قبل حزب الله على تلك العشائر سيُولِدُ ضغطاً عربياً كبيراً على لبنان، و هذا ما يدفع الدولة اللبنانية (بما تبقى منها) إلى بذلِ كل الجهود لمنع أي احتكاكٍ بين حزب الله و العشائر العربية المتواجدة بشكل رئيسي على مداخل العاصمة بيروت و في محافظة البقاع،و لكن هناك الكثير من الشكوك حول مدى قدرة الدولة اللبنانية على منع التصعيد، و وحدها الأيام القادمة ستوضح مآلات الأمور و ما مدى احتمالية انفجار الأوضاع بحسب ما ستُفضي إليه الوساطات بين أطراف الأزمة، فإما رفع الظلم عن أبناء العشائر العربية و محاسبة عناصر حزب الله و وقف سياسات التمييز و الفلتان الأمني و القضائي، و إلا فسيكون لبنان على موعدٍ مع أحداثٍ ساخنة قد تَجّرُه مجدداً إلى حربٍ أهلية لا تُبقي و لا تذَرْ..