السياسةُ التوسّعيّةُ للغربِ و أثَرُها على النّزاعْ.. ما هيَ خياراتُ روسيا المحدودةُ أمامَ توسّعِ شمالِ الأطلسيّ؟

news image

 

تقرير - مروة شاهين - بث:

 

"استمرار السياسة بوسائل أخرى"
في وقتٍ تستعِر فيه المعارك العسكرية في الميدان الأوكراني، تتابع السياسةُ مُجرياتها بشكل غير منقطع لا يتأثر بمدى احتدام المعارك الحربية، حتى ان الناظر إلى مدى سلاسة الإجراءات السياسية التي يقوم بها الغرب و الشرق على حدّ سواء، قد يظُن أن تلك المدافع و الطائرات الحربية و كتائب المُشاةِ تُمارِس حربها على كوكبٍ آخر.. 
و إن أمام هذه المشاهد الواقعية التي تعيشها على الساحة السياسية، و التي تبرهن لنا يوماً بعد يوم تفوق الحسابات السياسية على جميع الحسابات الأخرى – العسكرية و الاقتصادية منها - لا يسعنا أن لا نستذكر قول المفكر و عالم السياسة كارل كلاوتفيتز الذي عرّف الحرب بأنها "استمرار السياسة بوسائل أخرى"، أي ان الحرب ليست إلا جزءاً من السياسات التي تنتهجها بعض الدول، و ليست سوى فرعٍ من أصل – الأصل الذي هو السياسة-، و بالتالي فإن الحرب هي نتاج السياسة و فرعٌ و منها و ليست متقدمة عليها بأي حال من الأحوال، و هذا ما يُفسر طغيان الحسابات السياسية على كافة الحسابات الأمنية و الاقتصادية و العسكرية الأخرى، و بالتالي عندما نوضح هذه النقطة و نضعها نُصبَ أعيننا عند قراءة المشهد السياسي العالمي، سيسهُل علينا بلا أدنى شبهة، تحليل التحركات و الحسابات السياسية التي تقوم بها كل دولة في ظل الصراع القائم بين الفاعلين ضمن ما يُطلق عليه " النظام العالمي" أو كما هو مشهور "the world order”.

الحساباتُ الأمنيةُ تَنعزِلُ جانباً.. الناتو يَضعُ الحساباتِ التوسعيةَ ضمن أولى أولوياته:

في تجاهُلٍ واضحٍ لمدى خطورة قيام حلف شمال الأطلسي بالتوسع شرقاً نحو الحدود الروسية، - و هي المسألة الأساسية التي سببت الصراع العسكري القائم في أوكرانيا منذ أكثر من عام-، يتجه الناتو إلى الاستمرار في ذات السياسات التوسعية على الرغم من معرفته بأن مثل هذه الخطوات ستسبب في زيادة الحساسية الأمنية لدى روسيا، و بالتالي سترفع احتمالات النزاع المباشر بين روسيا و الناتو و تقلل بشكل كبير من احتمالات إنهاء الصراع العسكري في أوكرانيا بشكل سياسي أو سلمي. 
و في خطوةٍ خطيرة تجعل من توسع الناتو في شرق أوروبا قريباً أكثر من أي وقت مضى، أقرّ البرلمان التركي منذ أيام قانونا يسمح لفنلندا بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي مُفسحا الطريق أمام هلسنكي للانضمام إلى التحالف الدفاعي الغربي في الوقت الذي تستمر فيه الحرب في أوكرانيا.
والبرلمان التركي هو آخر من يصادق على عضوية فنلندا من بين 30 دولة عضو في التحالف بعدما وافقت الهيئة التشريعية المجرية على مشروع قانون مماثل في وقت سابق من الأسبوع الجاري.


فنلندا تشِقُّ طريقها نحو الأطلسي بينما تتعثّر السويد:


استند الناتو إلى "سياسة الباب المفتوح" المنصوص عليها في المادة 10 من النص التأسيسي الموقع عام 1949، . ومع ذلك لا يُسمح إلا للدول الأوروبية بتقديم طلب العضوية. 
وبينما يمكن للأعضاء دعوة دول أوروبية أخرى للانضمام إلى المنظمة، يجب على الأعضاء المحتملين "اتباع القيم الديمقراطية والمساهمة في الأمن الأوروبي الأطلسي" حتى يجري أخذهم في الاعتبار. ومن بين المعايير الأساسية التي يجب أن يتمتع بها المرشح امتلاكه لنظام ديمقراطي موحد واقتصاد السوق المفتوح والقدرة على المساهمة في العمليات العسكرية لحلف الناتو.
وبمجرد أن تعرب دولة ما عن رغبتها في الانضمام إلى التحالف، تقيم الدول الأعضاء الطلب وتقرر ما إذا كانت تريد دعوة الدولة لبدء محادثات الانضمام، وفور توجيههم الدعوة، تبدأ العملية رسمياً وتبدأ المحادثات الفنية في بروكسل بين الفرق المتخصصة، حيث تركز المباحثات على القضايا السياسية والدفاعية والعسكرية، بالإضافة إلى بحث الموارد والميزانية المشتركة.
وبعد انتهاء المفاوضات بنجاح، يصوغ الناتو بروتوكول الانضمام ويرسله إلى الدول الأعضاء من أجل الموافقة عليه. ويشترط لقبوله موافقة جميع الدول الأعضاء بالإجماع، حيث أن "لا" واحدة كفيلة بإعاقة عملية الانضمام.
وفي حال حصل البروتوكول على دعم بالإجماع فإن الأمين العام للتحالف يدعو المرشح رسمياً للانضمام إلى الناتو، وبمجرد دخوله الحلف يستفيد من الحماية الممنوحة بموجب المادة 5، مبدأ الدفاع الجماعي: "الكل للواحد، وواحد للجميع".
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد رحّب بالطلب الفنلندي وأبدى دعمه له في وقت سابق هذا الشهر، إضافة لموافقة لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان عليه الأسبوع الماضي.
وفي أعقاب العملية الروسية العسكرية بأوكرانيا، تقدمت فنلندا والسويد بطلب للانضمام إلى الحلف الدفاعي الغربي، وتخليتا عن حيادهما العسكري، بيد أن الموقف التركي عرقل تلك المساعي لشهور، في الوقت الذي يشترط "الناتو" موافقة جميع الدول الثلاثين الأعضاء في الحلف لانضمام أعضاء جدد.
وسبق أن صادق البرلمان الهنغاري على عضوية فنلندا في "الناتو"، الماضي، مما جعل هلسنكي تقترب خطوة جديدة من الانضمام إلى الحلف.
لكن تبقى السويد في مأزق، حيث يقول المسؤولون الأتراك إنهم يريدون أن يروا ستوكهولهم تنفذ سياسات جديدة لـ"مكافحة الإرهاب" قبل إعطائها الضوء الأخضر.
و في هذا الصدد، يقول رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون، إن الحكومة السويدية لم تتلقَّ أي تفسير من المجر عن سبب اتخاذها موقفًا مختلفًا بشأن انضمام فنلندا والسويد للناتو.
و لم يتبقى أمام فنلندا لتصبح رسمياً عضواً في الحلف سوى القيام بمهمات إجرائية من أجل استكمال الانضمام إلى الحلف، بما في ذلك تبادل الرسائل وإرسال وثائق انضمام فنلندا، المكتملة بالفعل، إلى وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن. حيث ستقوم وزارة الخارجية بعد ذلك بإخطار الأمين العام لحلف الناتو ستولتنبرغ بأن الشروط قد تم استيفائها لفنلندا لتصبح عضوًا في الناتو.

باحثٌ روسيّ: انضمام فنلندا إلى الناتو سيُحفّزُ روسيا على عسكرة الحدود:

إذ حذّر تقرير نشره موقع "نيوز ري" الروسي من أن انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) سيحدث تغييرات كبيرة أبرزها تحوّل بحر البلطيق إلى "منطقة نفوذ للناتو".
ونقل الموقع عن رئيس الأكاديمية الروسية للقضايا الجيوسياسية العقيد المتقاعد ليونيد إيفاشوف قوله إن فنلندا بعد هذا التطور ستصبح "دولة غير مستقلة تحتضن قوات الحلف الأطلسي".
وأضاف إيفاشوف أن انضمام فنلندا إلى الناتو سيرفع عدد القوات المسلحة على الحدود مع روسيا إلى 300 ألف جندي بدلا من 50 ألفا سابقا، وهو وضع سيدفع موسكو لتعزيز وجودها العسكري على حدودها عن طريق نشر عدة فرق وأنظمة دفاع جوي وبعض أنواع الأسلحة الصاروخية.
وبحسب إيفاشوف فإن عسكرة الحدود صار أولوية بالنسبة لروسيا بسبب سياسة الناتو، في الوقت الذي كانت تركز فيه موسكو سابقا على تقوية العمل الدبلوماسي والثقافي مع جارتها.
وذكر الموقع الروسي أن الرئيس الفنلندي ساولي نينيستو وقّع في 23 مارس/آذار الجاري على قانونيْن، يتعلق الأول باقتراح للحكومة بالموافقة على معاهدة شمال الأطلسي ودخولها حيز التنفيذ، بينما يتعلق الثاني باتفاق حول وضع منظمة حلف شمال الأطلسي والممثلين الوطنيين والموظفين الدوليين.
وكلاهما سيدخلان حيّز التنفيذ قريبًا لتصبح هلسنكي بموجبهما من أعضاء حلف الناتو، بعد استيفاء جميع القواعد القانونية.
وكان الرئيس نينيستو قد زار أنقرة الأسبوع الماضي لإقناع الجانب التركي بالعدول عن رأيه بخصوص قبول انضمام فنلندا للناتو، "حيث تطالب تركيا فنلندا بعدم الاعتراف بشرعية المنظمات الكردية".
ومن جانبها، لم توافق المجر على انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف غير أنها قد تغير موقفها في الاجتماع البرلماني المقرر عقده لاحقا. 
وقال الموقع إنه بمجرد موافقة البرلمان المجري، تستطيع هلسنكي تقديم طلب رسمي من أجل الانضمام إلى الناتو، مبرزا أن التقدم بهذا الطلب يعكس استعداد الدولة المرشحة لاعتماد قواتها المسلحة معايير الحلف، ودعم أعضائه الآخرين، وقبول ترشح المدنيين فقط لمنصب وزير الدفاع، فضلا عن عدم احتضان قواعد عسكرية أجنبية في البلاد.
وعند استيفاء جميع هذه الشروط، تتلقى الدولة المرشحة دعوة للانضمام إلى الحلف وتؤكد كتابيا موافقتها في قمة الناتو المقبلة.
وتلي هذه الخطوة المصادقة على بروتوكول الانضمام من قبل برلمانات الدول الأعضاء في الناتو ثم إرساله إلى جهة إيداع الحلف في الولايات المتحدة لحفظه.

الناتو يتوسّعُ شرقاً و روسيا تتوسّعُ غرباً.. و السلاح النووي الروسي يتمركز في بيلاروسيا:

ففي ردٍ استباقي على عزم الناتو التوسع شرقاً نحو الحدود الروسية عبر فنلندا، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن عزم روسيا نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، و وفق وسائل الإعلام الروسية الرسمية، فإن الرئيس بوتين قال إن تلك الخطوة لن تنتهك اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة النووية وقارنها بنشر الولايات المتحدة لأسلحتها في أوروبا.
وأضاف بأن موسكو لن تنقل السيطرة على أسلحتها إلى مينسك، ويُعتبر نظام بيلاروسيا حليفاً قوياً للكرملين ومؤيداً لغزو أوكرانيا.
وأبلغ الرئيس بوتين التلفزيون الرسمي الروسي أن زعيم بيلاروسيا، أليكسندر لوكاشينكو، كان قد أثار منذ زمن طويل وضع أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا.
وقال: "ليس هناك من شيء غير عادي هنا أيضاً. أولاً، إن الولايات المتحدة تفعل ذلك منذ عقود. فقد نشروا منذ زمن طويل أسلحتهم النووية التكتيكية على أراضي الدول الحليفة لهم."
وأضاف بوتين بأن روسيا ستكون قد أنهت بناء منشأة لتخزين الأسلحة النووية التكتيكية في بيلاروسيا بحلول الأول من يوليو/ تموز المقبل.
وقال الرئيس بوتين إن عدداً صغيراً من منظومة صواريخ إسكندر التكتيكية، التي يمكن استخدامها في إطلاق أسلحة نووية، تم نقلها بالفعل إلى بيلاروسيا.
ولم يحدد موعداً زمنياً لنقل الأسلحة إلى بيلاروسيا. وستكون تلك هي المرة الأولى منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي التي تقوم بها موسكو بوضع أسلحة نووية خارج البلاد.
وكان انهيار الاتحاد السوفييتي في 1991 يعني أن الأسلحة استقرت في أربع دول مستقلة حديثاً هي روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان- مع اكتمال نقل كافة الرؤوس النووية إلى روسيا في العام 1996.
وتأتي تصريحات الرئيس بوتين بعد أن جدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي دعوته إلى حلفائه الغربيين لتقدييم المزيد من الدعم العسكري.
ففي وقت سابق من الأسبوع، وقعت 18 دولة على اتفاق بتزويد الدولة التي تمزقها الحرب بمليون قذيفة مدفعية على الأقل خلال العام المقبل.
لكن وفي مقابلة له مع صحيفة يابانية، قال الرئيس زيلينسكي إن أوكرانيا لن يكون بوسعها شن هجوم مضاد محتمل في شرقي البلاد ما لم يصل المزيد من الذخيرة.

أوكرانيا أدعو حلفائها و المجتمع الدولي للردّ على التحركات النووية الروسية:

إذ دعت أوكرانيا  إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمواجهة "الابتزاز النووي" الروسي، بعد أن أعلن الرئيس فلاديمير بوتين أن موسكو ستنشر أسلحة نووية "تكتيكية" في بيلاروسيا.
وقالت وزارة الخارجية الأوكرانية في بيان "تنتظر أوكرانيا إجراءات فعالة من قبل المملكة المتحدة والصين والولايات المتحدة وفرنسا، لمواجهة الابتزاز النووي الذي يمارسه الكرملين".
وأضافت "نطالب بعقد اجتماع استثنائي لمجلس الأمن الدولي فورا من أجل هذا الغرض"، داعية مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي للضغط على بيلاروسيا من خلال تهديدها بـ"عواقب وخيمة" إذا قبلت نشر أسلحة نووية روسية.
واعتبر مستشار أمني كبير للرئيس الأوكراني  أن خطط روسيا لنشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا سيزعزع استقرار تلك الدولة، واتهم موسكو باحتجاز مينسك "رهينة".
وقال أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني أوليكسي دانيلوف عن الأمر إنه "خطوة صوب زعزعة استقرار" بيلاروسيا، مضيفا أنها تفاقم ما وصفه بمستوى "النظرة السلبية والرفض الشعبي" لروسيا وبوتين داخل بيلاروسيا.
وكتب على تويتر "لقد أخذ الكرملين بيلاروسيا رهينة نووية".
وانتقد مستشار كبير آخر للرئيس الأوكراني  خطة بوتين، وقال إن تصرفات الرئيس الروسي كانت "متوقعة جدا".
وكتب ميخايلو بودولياك في تغريدة على تويتر "الإدلاء بتصريح عن أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، إنه يعترف بأنه خائف من الهزيمة وكل ما يمكنه فعله هو التخويف (بالأسلحة) التكتيكية".


الولايات المتحدة الأمريكية تستخفّ بخطورة التحركات النووية الروسية :


إذ قلّلت واشنطن، من شأن المخاوف المتعلقة بإعلان بوتين وإمكانية استخدام موسكو للأسلحة النووية في الحرب في أوكرانيا.
وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية "لا نرى أي سبب لتعديل سياستنا النووية الإستراتيجية، ولا أي مؤشرات على أن روسيا تستعد لاستخدام سلاح نووي. ما زلنا ملتزمين بالدفاع المشترك لحلف شمال الأطلسي".
وقال البيت الأبيض إنه لا توجد مؤشرات بالنسبة إلى الولايات المتحدة على أن روسيا نقلت أسلحة نووية إلى بيلاروسيا.
وفي أول ردّ فعل من الناتو، قال متحدث باسم الحلف إن خطاب روسيا عن الأسلحة النووية خطير وغير مسؤول، والحلف متيقظ ويراقب الموقف.
وأضاف أن الحلف لم يرَ أي تغيير في وضع روسيا النووي يدفع لتعديل وضع الناتو النووي.
ومن جهته، أكد مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أن استضافة بيلاروسيا أسلحة نووية روسية يمثّل تصعيدا غير مسؤول، ويشكل تهديدا للأمن الأوروبي.
وبدورها شددت الخارجية الفرنسية أنه على روسيا التراجع عن خطوة نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا وإظهار المسؤولية كدولة مسلحة نوويا.
واعتبرت الخارجية البولندية أن قرار بوتين نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا خطوة لجذبها نحو آلة الحرب الروسية.
وعلى الرغم من أن خطوة بوتين كانت متوقعة إلى حد ما، وقال بوتين إنها لن تنتهك تعهدات بلاده المتعلقة بالحد من انتشار الأسلحة النووية، لكنها تعد أكثر المؤشرات صراحة من جانب موسكو على إمكان استخدام الأسلحة النووية منذ بدأت حرب أوكرانيا قبل نحو 13 شهرا.
وشبّه بوتين خططه بما فعلته الولايات المتحدة من نشر أسلحة في أوروبا، وقال إن بلاده لن تنقل السيطرة على تلك الأسلحة لمينسك.
لكنها مع ذلك ستكون المرة الأولى منذ منتصف التسعينيات التي تنشر فيها روسيا مثل تلك الأسلحة خارج أراضيها.
إعادةُ انتِهاج أساليبِ الحرْبِ الباردة.. هل تُسهِم في حَسمِ الصّراعِ أم تُزكّيه؟ 
إن العالم بأكمله ليس متفاجئاً من استماتة كلٍ من روسيا و الصين و حلف شمال الأطلسي في نزعاتهم التوسعية التي ترمي إلى توسيع نفوذ كل منهم لا سيما في القارة الأوروبية التي يدور فيها حالياً واحدٌ من أهم الصراعات العسكرية في القرن الواحد و العشرين، لأن كلّ تلك الممارسات قد سبق و شهدها النظام الدولي إبان فترة الحرب الباردة. 
و لكن ما قد يكون مفاجئاً، هو إصرار القوى العالمية على  إنتهاج السياسات نفسها التي أدت إلى وقوع العالم في عقودٍ من الرّعب النووي، إذ أدى الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد السوفياتي اللذان يعتبران قوتين عظمتين نوويتين إلى جعل العالم على حافة حرب نووية مدمرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية و حتى انهيار الاتحاد السوفياتي في أواخر القرن الماضي، و الآن يتجه الصراع العالمي إلى أن يصبح أكثر رعباً لا سيما مع التطور الكبير الحاصل في نوعيات الترسانات النووية لدى روسيا و الصين و الولايات المتحدة الأمريكية نظراً لزيادة أعداد الرؤوس النووية و دخول السلاح النووي التكتيكي إلى احتمالية الإستخدام. 
و ليس من الصعب التكهن بأن التحركات الحالية على الساحة العالمية، تُنذِر بتأجيج التوتر على المستوى الدولي عموماً و في أوروبا خصوصاً، لا سيما أن مسألة ضم فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي سيدفع بروسيا إلى زيادة مستوى حساسية المخاطر بسبب تقدم الناتو نحو حدودها الغربية، بالإضافة إلى دفع روسيا إلى إضافة الحسابات الآتية:

أولاً: إن الاستسلام في أوكرانيا يعني السماح لحلف شمال الأطلسي بالتمدد في كافة دول أوروبا الشرقية المحاذية لروسيا، و بالتالي تصبح المسألة الأوكرانية عصّية على الحل الدبلوماسي،و بالنتيجة فإن الصراع في أوكرانيا بلا شك يتوجه لأن يصبح صراعاً طويل الأمد ( قد يمتد بين ٥ سنواتٍ فما فوق) ذلك أن الحسم العسكري للصراع غير ممكن حالياً بالنسبة لجميع الأطراف. 
ثانياً: إن الولايات المتحدة الأمريكية هي المستفيد الأول من زعزعة الاستقرار في أوروبا الشرقية و تخويف دول المنطقة لدفعهم إلى الإحتماء بالمظلة الأميركية، ما يستوجب على روسيا إنتهاج سياسات جديدة تجاه دول أوروبا الشرقية لإبعادها عن الولايات المتحدة سواء عبر التفاوض أو التهديد او حتى الخداع. 
ثالثاً: إن مسألة توسع نفوذ المحور المعادي لروسيا أصبحت أكثر فاعلية و سرعة من أي وقت مضى، و بالتالي لا خيار أمام روسيا سوى التعامل بحزم مع ملف التطويق الأمني و العسكري الذي ترسمه الولايات المتحدة الأمريكية حول الحدود الروسية الغربية، و هذا ما سيدفع روسيا – اذا ما أرادت كسر الطوق الأميركي إلى حلين لا ثالث لهما:

أ-الحل الأول يقضي بالرد عسكرياً على الدول التي تخطط للانضمام لحلف شمال الأطلسي، سواء عبر حرب مفتوحة أو عمليات عسكرية محدودة مباشرة أو عبر التدخل غير المباشر( الاستخباراتي) لتشكيل عوائق داخلية و خارجية أمام هذه الدول لمنعها من إكمال انضمامها إلى الحلف، أو لتخويف الحلف من مدى جدوى ضم هذه الدول التي تقع تحت التهديد الأمني المباشر و بالتالي سيكون انضمامها إلى الحلف ضارّاً أكثر ما يكون نافعاً. 
ب- الحل الثاني يقضي بتمرير مسألة ضم فنلندا أو غيرها من الدول الأوروبية إلى حلف شمال الأطلسي مع وضع التركيز التام على الملف الأوكراني، بحيث تنصب كافة الاهتمامات و الجهود العسكرية و السياسية الروسية على كسب الصراع في أوكرانيا و منعها من التحول إلى منطقة نفوذ للناتو و وإبقائها تحت السيطرة الروسية ، و بالتالي تكون روسيا قد كسرت بهذا الطوق الأمني الذي يحاول الغرب رسمه حول روسيا، و تكون بذلك قد ضمنت منافذاً بحرية عبر الموانئ الأوكرانية بالإضافة إلى كسبها لمدى أمني دفاعي كبير بسبب الجيوبووليتيك الهامة جداً التي تتمتع بها الأراضي الأوكرانية سواء لجهة اتساع المساحة أو لجهة الموانع الطبيعية التي تشكل عامل حماية طبيعي للأمن الروسي. 
نهايةً، فإن هذه التحركات الغربية الأخيرة و في كل الأحوال، لن تساهم في تخفيف الصراع بل ستؤدي إلى تأجيجه عبر استفزاز روسيا عسكرياً و أمنياً اعتقاداً أن هذه الاستهدافات المتتالية للأمن القومي الروسي ستسهم في إجبار الروسي على تقديم تنازلات عسكرية و سياسية، و لكن الواقع يقول إن روسيا قد وصلت بالفعل إلى مرحلة اللاتراجع، لا سيما أن التحركات الغربية المتمثلة بتوسع حلف الناتو شرقاً قد أثبتت الإدعاءات الروسية بنية الغرب تطويق روسيا و استهدافها عسكرياً و أمنيا بعد محاصرتها، ما يعني أن روسيا ستكون في وضع يلزمها بالاستماتة في الدفاع عن حدودها و مجالها الحيوي الأمني في أوروبا الشرقية و لو كان ذلك على حساب تصعيد النزاع من نزاعٍ محدود في الميدان الأوكراني إلى نزاع عسكري أكبر نطاقاً و اوسعُ مجالاً في شرق أوروبا بأكمله، مع ما يعنيه كل ذلك بتطور الصراع من صراعٍ بالوكالة إلى صراعٍ عسكري مباشر مع الغرب، مع احتمالية دخول لاعبين جدد إلى أرض الصراع عسكرياً أو سياسياً ليتحول ذلك الصراع من صراع إقليمي محدود إلى نزاعٍ عالمي تشارك فيه غالبية القوى العالمية، و بالنتيجة قد ينتهي هذا الصراع إلى خسائر هائلة على المستويات الاقتصادية و البشرية إضافة إلى احتمالية تسببه بتغيير الخريطة السياسية في العالم و ظهور وحداتٍ جديدةٍ و اختفاء أخرى، تماماً كما حدث بعد النزاعات العالمية التي امتلأ بها تاريخ  القرن الماضي.