وِلادةُ شرقٍ أوسطٍ جديد و ضربةٌ للنفوذ الأميركي.. كيف يُمكن قراءة الاتفاق السعودي الإيراني؟ و ما مسبِّباتهُ و تأثيراتهُ على المنطقة؟


تقرير خاص - بث:
لا شيئ في العالم يبقى ثابتاً كما هو، خصوصاً في عالم السياسة و العلاقات الدولية الذي يتفق جميعه متخصصيه أن "المُتغير هو الثابت الوحيد"، خصوصاً بعد أن شكلت التعاملات الدبلوماسية في العصر الحديث شكلاً جديداً من أشكال العلاقات الدولية و الذي اتّسم بتعزيز العلاقات و التواصل مع الخصوم أكثر من الحلفاء حتّى..
يقول المثل الإنكليزي "keep your friends close, keep your enemies closer” ، أي كما يمكن ترجمته" أبقى صديقك بالقرب منك، و لكن اجعل عدوّك أقرب"، و ربما هذا بالضبط ما أرادته المملكة العربية السعودية من إعادة استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران، لا سيما بعد سنوات من الخصومة و الكثير من الملفات الشائكة و الساخنة التي يختلف عليها البلدان، لا سيما الملف النووي الإيراني و برامج الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تستهدف أمن المنطقة و خصوصاً أمن المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى ملف اليمن و لبنان و مسألة الأنشطة الإيرانية المزعزعة لاستقرار العديد من الدول العربية.
و إن ما يؤكد هذا؛ تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، عن "أن الوصول إلى اتفاق بين الرياض وطهران يفضي إلى استئناف العلاقات السياسية، و لا يعني التوصل إلى حل جميع الخلافات العالقة بين البلدين"، أي أن الاتفاق لايعني علاقات ودية مع إيران، بل يعني الرغبة في حل الخلافات و تسوية الملفات العالقة بالطرق الدبلوماسية و الحوار، تجنباً للتصعيد الذي قد يؤدي إلى نتائج كارثية على أمن و استقرار العديد من الدول العربية الخاضعة للنفوذ الإيراني العراق و لبنان و اليمن على سبيل المثال.
اتفاقٌ سعودي-إيراني بوساطةٍ صينية:
في وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن أن الرياض وطهران اتفقتا على استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارتين والممثليات الدبلوماسية في غضون شهرين، وجاء التوصل لهذا الاتفاق عقب مباحثات جرت في الصين مع الرئيس شي جين بينغ، وأن المباحثات جاءت رغبة من طهران والرياض في حل الخلافات بالحوار والدبلوماسية.
وفي تعليقه على الاتفاق، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين بلاده وإيران يأتي انطلاقا من رؤية المملكة القائمة على تفضيل الحلول السياسية والحوار.
في السياق، قال وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إن سياسة حسن الجوار التي تنتهجها حكومة إبراهيم رئيسي تسير في الاتجاه الصحيح.
بينما قالت وزارة الخارجية الصينية في بيان أن "الصين لا تسعى إلى تحقيق أي مصلحة بشكل أناني على الإطلاق، و أنها تحترم مكانة دول الشرق الأوسط كسادة لهذه المنطقة و تعارض المنافسة الجيوسياسية فيها".
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أن "الصين ليس لديها نية ولن تسعى لملء ما يسمى بالفراغ أو إقامة كتل حصرية"، معربا عن اعتقاد بأن "مستقبل الشرق الأوسط يجب أن يكون دائما في أيدي دول المنطقة".
وتابع أن "الصين تدعم دائما شعوب الشرق الأوسط في استكشاف مسارات تنميتها بشكل مستقل وتدعم دول الشرق الأوسط في حل الخلافات من خلال الحوار والتشاور لتعزيز السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة بشكل مشترك و أنها ستواصل المساهمة بأفكارها ومقترحاتها لتحقيق السلام والهدوء في الشرق الأوسط ولعب دورها كدولة رئيسية مسؤولة في هذه العملية".
و في أعقاب الإعلان الذي تم يوم الجمعة، قال وانغ يي، كبير الدبلوماسيين الصينيين، إن "الاتفاق بين السعودية وإيران يظهر أن الصين وسيطا موثوقا به، وقد أوفت بأمانة بواجباتها بصفتها الدولة المضيفة".
وذكر وانغ أيضا أن "هذا العالم لديه أكثر من مجرد مسألة أوكرانيا ولا يزال هناك العديد من القضايا التي تؤثر في السلام وحياة الناس".
خَطوةٌ سعودية تُثير قلق إسرائيل:
فبينما كانت تسعى إسرائيل، منذ عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى الوصول إلى اتفاق التطبيع العلاقات بينها وبين المملكة العربية السعودية، لأهداف عديدة أهمها أن التغير في سياسات المملكة تجاه إسرائيل يعني التغير في سياسات جميع دول المنطقة تجاه الأخيرة، نظراً لكون المملكة العربية السعودية أكثر دولةٍ عربية تأثيراً و نفوذاً في المنطقة العربية و الشرق الأوسط، و لسبب آخر يهدف لتوحيد الجهود الدبلوماسية و العسكرية و السياسية في وجه إيران التي تعتبرها إسرائيل عدواً مشتركاً بينها و بين المملكة العربية السعودية، و بالتالي تسعى إسرائيل إلى استغلال مسألة الصراع مع إيران في المحاولة للتقارب مع المملكة العربية السعودية و دول الخليج العربي.
وفي أول رد فعل رسمي إسرائيلي على استئناف العلاقات السعودية الإيرانية، اعتبر مسؤول إسرائيلي في إحاطة رسمية أن الاتفاق بين الطرفين سيؤثر على إمكانية تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب.
غير أن زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد وصف إعادة العلاقات بين السعودية وإيران بأنها "فشل ذريع وخطير للسياسة الخارجية للحكومة الإسرائيلية" التي يتزعمها حاليا بنيامين نتنياهو.
في السياق، قال رئيس رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، نفتالي بينيت، إن "تجديد العلاقات بين السعودية وإيران، هو تطور خطير بالنسبة لإسرائيل وانتصار سياسي بالنسبة لإيران".
واعتبر أن استئناف العلاقات الإيرانية السعودية يشكل "ضربة قاضية لجهود بناء تحالف إقليمي ضد إيران"، وشدد على أن ذلك "فشل ذريع لحكومة نتنياهو، نجم عن مزيج بين الإهمال السياسي والضعف العام والصراع الداخلي في البلاد".
ووصف حكومة نتنياهو بأنها فشل اقتصادي وسياسي وأمني مدو، وتعرض دولة إسرائيل للخطر بشكل يومي، وأضاف "نحن بحاجة إلى حكومة طوارئ وطنية واسعة، تعمل على إصلاح الأضرار العديدة التي حدثت".
كما عقب رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمنية في الكنيست الإسرائيلي، يولي إدلشتاين، قائلا إن "العالم لا يتوقف ونحن مشغولون هنا بالصراعات بين القوى والصدامات".
وأضاف "إيران والسعودية اتفقتا الآن على تجديد العلاقات بينهما وهذا أمر سيئ للغاية بالنسبة لإسرائيل".
وتابع "حان الوقت للجلوس والتحدث وحل خلافاتنا من أجل لم شملنا واتحادنا ضد التهديد الوجودي الذي نواجهه".
بدوره، وصف رئيس الدفاع السابق بيني غانتس الاتفاق بالتطورات المقلقة، وأشار إلى أن التحديات الأمنية الجسام التي على إسرائيل التعامل معها تزداد، بينما نرى رئيس الوزراء والمجلس الوزاري للشؤون السياسية والأمنية منشغليْن في الانقلاب السلطوي.
مُستبعدةٌ و منبوذة.. وساطة الصين تُشكّلُ ضربةً قاسيةً للولايات المتحدة:
لطالما عُرفَت الولايات المتحدة الأمريكية كقوةٍ عالميةٍ هي الأكثر نفوذاً و تأثيراً في منطقة الشرق الأوسط و خصوصاً منطقة الجزيرة العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ لم تترك الولايات المتحدة منذ ذلك الوقت أي مجال لأي قوة دولية أو اقليمية لمنافستها في مسألة النفوذ على الجزيرة العربية، لكن العقد الماضي بما فيه من تغييرات في توازنات القوى و توجهات السياسات الخارجية للقوى الدولية و الإقليمية قد أثّرت بشكلٍ كبيرٍ على توزيع خريطة النفوذ في المنطقة العربية.
و تعود أسباب هذه التغييرات إلى أسباب عديدة يطول سردُها، و لكن أهم هذه الأسباب تكمن في التطور الحاصل في دول المنطقة بشكل عام، و رغبة هذه الدول في ترجمة التطور الحاصل فيها إلى تحصيل المزيد من الاستقلالية في صنع السياسات الخارجية، خصوصاً المملكة العربية السعودية التي أحدثت مؤخراً العديد من الخطوات السياسية ذات التأثير الدولي الذي يُنذر بنية القيادة السعودية تطبيق إستراتيجيات جديدة في صنع القرار و السياسات الدولية بما يتناسب براغماتياً مع مصالح المملكة بعيداً عن نطاق التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، أضف إلى ذلك تراجع الدور الإيجابي الذي كانت تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية كضامن لأمن المنطقة في وجه الأنشطة الإيرانية مما دفع دول المنطقة إلى زيادة نشاطها السياسي و الدبلوماسي بهدف التعامل مع القضايا الأمنية و السياسية التي تهم المنطقة من مُنطلق تحقيق المصالح الخاصة بهذه الدول دونما الحاجة إلى تدخل أمريكي مباشر أو غير مباشر.
و في هذا الإطار، قال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض جون كيربي إن السعوديين أبلغوا واشنطن باتصالاتهم مع الإيرانيين، لكن لم يكن للولايات المتحدة دور في الاتفاقية.
وأكد كيربي أن ما يهم واشنطن هو إنهاء الحرب في اليمن، ووقف الهجمات على السعودية، مشددا على أن الولايات المتحدة سترى إذا ما كانت إيران ستفي بالتزاماتها بعد إبرامها الاتفاقية مع السعودية.
كما جاء في تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية أنّ "عودة العلاقات الإيرانية السعودية، نتيجةً للوساطة الصينية، هو خسارة كبيرة و إضعافٌ للمصالح الأميركية".
وأضاف تقرير نيويورك تايمز، أنّه "يمكن أن يؤدي إعلان إيران والسعودية إعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما، إلى إعادة نظم كبيرة في الشرق الأوسط، كما اعتبرت أن هذا التقارب "يمثّل تحدياً جيوسياسياً للولايات المتحدة وانتصاراً للصين، التي توسطت في المحادثات بين الخصمين التاريخيين".
وذكرت الصحيفة أنه "لم يتضح على الفور، كيف سيؤثر الاختراق الذي تم الإعلان عنه على مشاركة السعودية في الجهود الإسرائيلية والأميركية لمواجهة إيران"، لكنها لفتت إلى أنّ "استئناف العلاقات الدبلوماسية بين القوتين الإقليميتين يمثل على الأقلّ ذوباناً جزئياً في جليد الحرب الباردة، التي شكّلت الشرق الأوسط منذ فترة طويلة".
وأثارت أنباء الصفقة، ولا سيما دور بكين في التوسط فيها، قلق صقور السياسة الخارجية في واشنطن بحسب الصحيفة، إذ قال مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إنّ "تجديد العلاقات الإيرانية السعودية نتيجة للوساطة الصينية هو خسارة وخسارة وخسارة للمصالح الأميركية".
وقال إنها أظهرت أن السعودية "تفتقر إلى الثقة بواشنطن"، وأنّ إيران يمكن أن تعزل حلفاء الولايات المتحدة "لتخفيف عزلتها"، كما أشارت إلى أنّ الصين "أصبحت الراعي الرئيسي لسياسات القوّة في الشرق الأوسط".
ترحيبٌ أمميّ و عربيّ بالإتفاق.. و آمالُ تحقيق مزيدٍ من السلام فى الشرق الأوسط:
وقد رحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش باتفاق السعودية وإيران على استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما. وأعرب ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة عن تقدير الأمين العام للصين لاستضافتها المحادثات الأخيرة وعملها لتعزيز الحوار بين الدولتين.
وأشاد الأمين العام للمنظمة الدولية أيضا بجهود دول أخرى بهذا الشأن منها سلطنة عُمان والعراق. وقال المتحدث إن علاقات حسن الجوار بين السعودية وإيران أساسية لاستقرار منطقة الخليج.
من جانبها، أعربت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي عن ترحيبها بالاتفاق، وعبّر الأمين العام حسين إبراهيم طه عن أمله أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز ركائز السلم والأمن والاستقرار في المنطقة وأن تعطي دفعة جديدة للتعاون بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.
من جهتها، هنّأت موسكو على لسان نائب وزير خارجيتها، ميخائيل بوجدانوف، إيران والسعودية والصين على التوصل إلى اتفاق عودة العلاقات بين الرياض وطهران.
وأضاف بوجدانوف في تصريح لقناة روسية أن عودة العلاقات تتماشى مع المبادرات الروسية الرامية إلى إنشاء منظومة للأمن في منطقة الخليج ذات الأهمية الاستثنائية على المستوى الاقتصادي العالمي.
عربيا، رحب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي بالاتفاق على استئناف العلاقات السعودية الإيرانية وبكافة الخطوات التي تسهم في تعزيز الأمن والسلام في المنطقة. كذلك أصدرت دول مجلس التعاون الخليجي بيانات منفصلة رحبت فيها بهذا التطور.
كما رحبت سلطنة عمان بالبيان المشترك باستئناف العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيرانية، وأعربت الخارجية العمانية عن أملها في أن يسهم استئناف العلاقات بين السعودية وإيران في تعزيز ركائز الأمن والاستقرار في المنطقة، كما رحبت الخارجية العراقية بالاتفاق، وقالت إن صفحة جديدة من العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تبدأ بموجبه.
وقالت الخارجية المصرية، بدورها، إنها تابعت باهتمام الاتفاق الذي تم الإعلان عنه باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، و رحبت الجزائر بعودة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران واعتبرت أن ذلك يسهم في تعزيز السلم والأمن بالمنطقة والعالم، و قد أعرب الأردن عن أمله في أن "يسهم الاتفاق السعودي الإيراني في تعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة".
الأسباب و الدوافع.. لِماذا اتخذّت المملكة العربية السعودية خطوةَ إعادة العلاقات مع إيران:
بكل تأكيد لم يكن قرار إعادة العلاقات مع إيران وليد يومٍ و ليلةٍ بالنسبة للقيادة و المسؤولين الرسميين في المملكة العربية السعودية، بل كان قراراً مدروساً بعنايةٍ نظراً لتأثيراته الكبيرة على المنطقة العربية و الشرق الأوسط و العالم بأسره.
و إذا أردنا مقاربة الجدول الزمني لبدء تفكير المملكة العربية السعودية بتغيير سياستها تجاه إيران، فيمكن أن نبدأ منذ عقد من الزمان، أي منذ تولي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، و ما اتخذه من سياسات متساهلة مع إيران، لا سيما فيما خص رفع العقوبات عنها و توقيع الملف النووي الإيراني الذي كان له تداعياته المدمرة على أمن منطقة الشرق الأوسط كاملةً.
فإن ما قام به الحزب الديمقراطي الحاكم آنذاك في الولايات المتحدة خلال عهد باراك أوباما من رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران و السماح بإعادة انفتاحها على العالم سمح لإيران بتعزيز مواردها الاقتصادية لاستخدامها لاحقاً في تمويل الجماعات المسلحة و الأذرع الإيرانية في المنطقة و مدها بالمال و السلاح و القدرات اللوجستية، هذا كله أدى في النهاية إلى السماح لإيران ببسط نفوذها في سوريا و لبنان و العراق و اليمن و بزيادة مقدرتها على التحكم في مصائر الأمن و الاستقرار و القرار السياسي لهذه البلدان.
فيما بعد، و بعد انتهاء فترتين رئاسيتين للحزب الديمقراطي و مجيئ الحزب الجمهوري إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصحيح ما اقدم عليه الحزب الديمقراطي من أخطاء فس السياسية الخارجية تجاه إيران و المنطقة، فخرج من الاتفاق النووي و أعاد تمتين العلاقات مع المملكة العربية السعودية، و قد تمثل هذا من خلال العديد من الخطوات أهمها زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية، و كانت الحفاوة السعودية في استقبال ترامب و ضيافته علامة على استحسان المملكة لأداء الرئيس ترامب في تعامله مع ملفات منطقة الشرق الأوسط و إيران.
لكن عودة الديمقراطيين إلى السلطة في الولايات المتحدة قد سبب عودة ذات الأخطاء السياسية التي وقع بها الحزب الديمقراطي خلال عهد أوباما، فعلى الرغم من أن الاتفاق النووي الإيراني لا يزال معلقاً و العقوبات لم ترفع عن إيران بعد، إلا أن سياسات الحزب الديمقراطي في تجاهل مطالب و مخاوف دول المنطقة العربية قد سبب شرخاً عميقاً في العلاقات السعودية الأميركية، و بالتالي فقدت المملكة العربية السعودية ما تبقى لديها من ثقة في مدى التزام الولايات المتحدة بأخلاقيات التعامل مع حلفائها المهمين في المنطقة.
أبرز التحولات في السياسة الخارجية السعودية.. و مسببات التقارب مع الصين و إيران:
كانت مسألة تعزيز العلاقات الثنائية بين الصين و المملكة العربية السعودية من أولى الخطوات الصريحة المعلنة التي أرادت بها المملكة العربية السعودية إظهار موقفها تجاه السلوك الأميركي السلبي تجاه المنطقة، و كانت زيارة الرئيس الصيني إلى المملكة رسالة مباشرة لكل دول المنطقة و العالم بأن المملكة تنوي صناعة تحولات كبيرة في صنع القرار الخارجي.
إذ تنظر المملكة العربية السعودية إلى الصين بنظرة مزدوجة، أولها انها شريك اقتصادي عملاق و مؤثر السياسية الدولية و سياسته الخارجية تقوم على تحقيق المصالح المشتركة بين الصين و الدول الصديقة على عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت سياساتها الخارجية تحمل قدراً كبيراً من الأنانية في تحقيق المصلحة الأميركية دون اعتبار لمصالح الحلفاء و الدول الصديقة.
أما النظرة الثانية للصين من وجهة النظر السعودية ترتكز على كون الصين قطباً سياسياً صاعداً و مرشحاً لأن يكون القطب الأقوى في العالم بعد التغير المتوقع حصوله في النظام العالمي نتيجة التغيير الحاصل في خريطة توزع النفوذ و توازنات القوى التي باتت تشكل تحدياً أمام الهيمنة الأميركية و تفتح الأبواب أمام عصرٍ جديد سوف يكون للصين فيه حصة الأسد من النفوذ و التأثير العالمي، و هذا ما تضعه المملكة العربية السعودية في الحسبان في مسألة تعزيز العلاقات الثنائية مع الصين و السماح بكونها وسيطاً بينها وبين إيران في اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران.
أيضاً، و نتيجة كل ما سبق، تسعى المملكة العربية السعودية إلى إدارة شؤونها بنفسها دون انتظار تحركات الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت سلبية و غير فعالة في حل قضايا المنطقة، و لذلك فضلت المملكة اتباع اسلوب الحوار الدبلوماسي مع إيران عوضاً عن سياسية العقوبات و الصراع البحت مع إيران كما كانت تفعل الولايات المتحدة، فالمملكة العربية السعودية لديها الكثير من الأوراق السياسية و الاقتصادية التي يمكن أن تستخدمها بالطرق الدبلوماسية لدفع إيران على تقديم العديد من التنازلات في شتّى قضايا المنطقة.
أيضاً ما يمكن باعتباره سبباً من أسباب الخطوة السياسية الهامة التي قامت بها المملكة العربية السعودية، هو عزم المملكة على لعب دور محوري تكون فيه الضامن لأمن المملكة و الدول المجاورة ضد الأنشطة الإيرانية، من خلال فتح أبواب تسمح للمملكة العربية السعودية بممارسة نفوذها على إيران سواء بشكل مباشر من خلال الاتصالات و العلاقات الثنائية، أو بشكل غير مباشر بواسطة الصين، التي تعتبر المملكة من أهم الدول الاستراتيجية في المنطقة و أهم شريك اقتصادي للصين في الوطن العربي و الشرق الأوسط، و هذا ما سيسمح بفرض القيود على إيران بهدف إبقاء برنامجها النووي تحت السيطرة و تقليل قدرتها على التحكم بالدول العربية من خلال أذرعها و ميليشياتها المسلحة.
أضف إلى ذلك، أن الدول العربية اليوم و خصوصاً المملكة العربية السعودية، تريد أن تترجم التطور الاقتصادي و الحضاري الحاصل بها إلى الحصول على مواقع سياسية أكبر و أكثر تأثيراً على مراكز صنع القرار في العالم، لا سيما أن الصين إيران أدركت جيداً في الفترة المؤخرة أن صراعها مع العرب صراع خاسر، إذ لم تستطع إيران و على الرغم من وضعها كافة مقداراتها العسكرية و الحربية و التكنولوجيك منذ عام ٢٠٠٣ و حتى اليوم أن تنفذ مخططاتها في المناطق العربية، و أصبحت تعرف جيداً أنه ليس بمقدرتها منافسة دولة اقليمية ذات تأثير معنوي و سياسي و اقتصادي كبير على دول المنطقة لاسيما الدول المسلمة منها، و التي تعتبر المملكة العربية السعودية هي بمثابة دولةٍ أُم و تراها كسهمٍ يحدد اتجاهات البوصلة العربية في التعامل مع كافة قضايا المنطقة في جميع المجالات.
الشرق الأوسط الجديد.. هل يكونُ بدايةً لنهاية الهيمنة الأميركية؟ :
لا يختلف عاقلان على أن إعلان التوصل إلى اتفاق بين السعودية وإيران مهما كان يحمل من أهمية للدولتين، فإنه و قبل أن يكون إنجازاً سياسياً لأي منهما أو للدولة الوسيط و هي الصين، فإنه قبل هذا كله يشكل ضربة مدمرة للهيمنة الأميركية على زمام أمور الشرق الأوسط.
بل حتى يمكننا القول، إن أهم مافي الاتفاق ليس تأثيراته على توازنات القوى في المنطقة فحسب ، بل ان اهم مافيه هو انذاره بقرب انتهاء عصر الشرق الأوسط القابع تحت الوصاية الأميركية، و بداية شروق عهد جديد تكون فيه دول الشرق الأوسط صاحبة قرار في ما يخص مشاكلها الإقليمية و خلافاتها فيما بينها، مع كون المملكة العربية السعودية باستراتيجياتها السياسية الجديدة مركز تقَل إقليمي فاعل في تقرير المشهد السياسي الذي سيحكم منطقة الشرق الأوسط و الجزيرة العربية في المرحلة القادمة، لا سيما مرحلة الصراع الأميركي الصيني على النفوذ العالمي ، و الذي من المرجح أن ترجح فيه كفة الدول الناشئة سياسياً نظراً لانشغال روسيا و العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بالحرب الدائرة في أوكرانيا.
أما إيران، فهي تبحث أيضاً عن ما يمكن أن يخفف عنها آثار العقوبات الاقتصادية و الحصار السياسي و الاقتصادي الذي تعانيه جراء سياستها المتهورة تجاه الشرق الأوسط، و تسعى مؤخراً إلى تصحيح بعض الأخطاء التي لطالما كان النظام الإيراني مصراً عليها منذ عقدين من الزمن، و بالتالي فلا بد لإيران من إدراك مدى خطورة العداوة مع دول إقليمية مؤثرة في المنطقة على استقرارها السياسي و الاقتصادي، و هذا ما يمكن أن يؤدي لافتتاح عصرٍ جديد من العلاقات بين دول المنطقة، قائمٍ على التواصل الدبلوماسي الفعال الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى أن تأخذ كل دولة حجمها الطبيعي بما يتناسب مع قوتها الاقتصادية و العسكرية و الثقافية، و بالتالي سيكون على إيران تحجيم أذرعها في المنطقة و التخفيف من السياسات العدائية تجاه الدول العربية و الحذر من التمادي في استخدام برنامجها النووي لأغراض تؤدي إلى تهديد أمن المنطقة، أي ما يعني التصرف ضمن حدود المعقول دون التطرق إلى سياسات متهورة لا تستطيع إيران و لا أذرعها تحمل تبعياتها و نتائجها.