هل تؤدّي الخلافاتُ الأوروبية بشأن سقف أسعار الغاز إلى تفكيك الإتحاد ؟ و لِمَاذا تَرفُض بعضُ الدول الأوروبية تحديد سقفٍ لِأسعارِ وَاردَاتِها من الغازِ الرّوسِيّ؟

news image

تقرير - مروة شاهين - بث:  
دوام الحال من المُحال، بهذا العبارة يمكن وصف حالة التنافر الأوروبي الحاصلة بسبب مطالبة بعض الدول الأوروبية بالتزام الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بسقف محدد لأسعار الغاز الروسي، في خطوة تهدف إلى ضبط الارتفاع الجنوني لأسعار الغاز و الكهرباء في القارة الأوروبية. 
اذ تصاعدت حدة الخلاف بين قادة الاتحاد الأوروبي بشأن تحديد سقف أسعار الغاز، وحزم الإنقاذ الوطنية التي اتبعتها بعض الدول للسيطرة على أزمة ارتفاع أسعار الطاقة.
و سقف أسعار الغاز هو واحد من مجموعة من المقترحات والمبادرات التي أطلقتها الدول الأوروبية للتعامل مع انخفاض إمدادات الغاز من روسيا -التي كانت توفر 40% من احتياجات القارة العجوز- وارتفاع الأسعار.

توجهاتُ أكبر سبع اقتصادات في العالم لتحديد سقف لأسعار الغاز في الأسواق العالمية:

إذ أعلنت مجموعة الـ7 موافقتها على تحديد سقف أسعار النفط الروسي، ضمن جهودها للتضييق على موسكو، لوقف الحرب التي بدأتها ضد أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي.
وقال وزراء مالية مجموعة الدول الـ7، إنهم ملتزمون بخطة حصار روسيا من خلال وضع حدّ أقصى لأسعار نفطها، إلّا أنهم رأوا أن مستوى سقف سعر البرميل سيُحَدَّد بناءً على مجموعة من المدخلات الفنية.
وتنص خطة مجموعة الـ7 على عدم السماح بتوفير خدمات النقل البحري، بما فيها التأمين والتمويل، إذا خالفت أسعار شحنات النفط الروسية المستوى الذي يحدده التحالف الذي تشكّله الدول الملتزمة بوضع سقف الأسعار وتطبيقه. 


وقالت وزارة الخزانة الأميركية في بيان، إن تقديم البائع أو المشتري للنفط الروسي أيّ معلومات مغلوطة لن تحاسب عليه شركات الخدمات البحرية، لكنها ألزمت هذه الشركات بالاحتفاظ بملفات الشحنات لمدة 5 سنوات على الأقلّ.
وهددت الوزارة بتقديم منتهكي اللوائح المنظمة للقرار، والمقدمين على شراء خام موسكو بسعر يفوق السعر المحدد من قبل مجموعة الدول الـ7، إلى التحقيق.


خِلافٌ أوروبي بشأن سقف الأسعار:
إذ تعارض ألمانيا والدنمارك وهولندا وضع سقف لأسعار الغاز، خشية أن يزيد من صعوبة شراء الغاز ويقلل من جدوى أي حوافز لخفض الاستهلاك.
وقال المستشار النمساوي، كارل نهامر، عند وصوله لحضور قمة الاتحاد الأوروبي في قلعة براغ، إن أي حد أقصى للسعر يجب أن يُصَمَّم ويُطبَّق بطريقة تدعم موردي الطاقة.
وأضاف: "المفاوضات جارية وستكون مكثفة؛ لأن هدفنا دعم مزودي الطاقة حتى لا تنخفض إمدادات الغاز".


وأشار رئيس الوزراء التشيكي، بيتر فيالا، إلى تحديد سقف أسعار الغاز المستخدم تحديدًا لإنتاج الكهرباء، في حين قال رئيس وزراء لاتفيا، أرتورز كريغانيس كارينش، إن الحد الأقصى سيكون "كبيرًا" إذا كان بإمكان الاتحاد ضمان الإمدادات من المنتجين.


وحذّر رئيس وزراء لوكسمبورغ، كزافيه بيتل، من أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون حريصًا على عدم الإضرار بمكانته في الأسواق العالمية، وتجنب خسارة البائعين من خلال فرض سقف سعري غير جذاب، قائلًا: "ربما يكون لدينا في ذلك الوقت حد أقصى للأسعار وليست لدينا طاقة".
وقال رئيس القمة، رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، إنه من غير المتوقع اتخاذ قرار بشأن سقف أسعار الغاز، لكنه يأمل في أن تؤدي المناقشات بين القادة إلى اتفاق عندما يجتمعون في المرات القادمة.


ألمانيا تُواجه انتقاداتٍ لاذِعة من نُظرائها الأوروبيين:
إذ انتقد رئيس الوزراء البولندي، ماتيوز موراويكي، ألمانيا بشأن ما يراه إنفاقًا سخيًا بقيمة 200 مليار يورو (196 مليار دولار) في شكل إعانات لحماية المستهلكين والشركات من ارتفاع تكاليف الطاقة.
وكانت الحكومة الألمانية أطلقت برنامجا بقيمة 200 مليار يورو للتخفيف من الأعباء الناجمة عن ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، وفي المقابل اعتبرت العديد من دول التكتل الأوروبي أن هذه الخطوة ستؤثر على المنافسة، لأنها لا يمكنها أن تطلق برنامجا بهذا الحجم.
وقال موراويكي: "يجب التخلص من الأنانية الألمانية"، مكررًا المخاوف بشأن الفجوة المالية التي تفصل بين الدول الغنية التي يمكنها تحمل إنفاق مبالغ كبيرة على الدعم المحلي لأسعار الطاقة وتلك التي لا تستطيع ذلك.
لكن رئيس وزراء بلجيكا، ألكسندر دي كرو، أكد أن حزم الدعم الوطنية الكبيرة ضرورية في غياب أي تحرك من جانب الاتحاد الأوروبي.
وأضاف: "لا يمكننا ترك الناس يواجهون موجات الطقس البارد فحسب، لكن الحل الحقيقي هو أن نتعاون سويًا في سوق الطاقة ومن ثم لن تكون حزم الدعم (الوطنية) الكبيرة ضرورية بعد الآن".


وحذّر المفوض الاقتصادي، باولو غنتيلوني، من أنه في ظل بيئة اقتصادية صعبة "الشيء الوحيد الذي لا يمكننا تحمله في السياق الجيوسياسي الحالي هو الانقسام والتجزئة بين الدول الأوروبية".
ومع امتلاء مخازن الغاز في الاتحاد الأوروبي بنسبة 90%، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إن دول الاتحاد مستعدة جيدًا لفصل الشتاء.
وأضافت: "لدينا أول خط حماية لأسواقنا، حان الوقت الآن لمناقشة كيف يمكننا الحد من ارتفاع أسعار الطاقة، التي يُتلاعَب بها من قِبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين".


روسيا تُهدِدُ بقطع الإمدادات بشكل كامل عن أوروبا في حال تحديد سقف سعر للغاز الروسي:
إذ هددت روسيا الدول المؤيدة لتحديد سقف أسعار النفط الروسي بعدم بيع النفط أو الغاز لها، الأمر الذي يمثّل أزمة طاقة وشيكة بالنسبة لكثير من دول أوروبا.


وقال وزير الطاقة الروسي نيكولاي شولغينوف في تصريحات سابقة، إن بلاده لن تبيع الغاز أو النفط للدول التي تسعى إلى فرض سقف لأسعارهما، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الروسية "تاس".
وأضاف شولغينوف أن روسيا لن تبيع النفط أو الغاز بسعر يقلّ عن قيمة إنتاجهما، أو بخسارة، موضحًا أن تشكيل الغرب تحالفًا يتآمر ضد بلاده، من خلال تحديد سقف أسعار النفط الروسي، هو أمر لن تسمح به موسكو.
وتزامنت تصريحات الوزير مع إعلان شركة غازبروم الروسية، أنها تورّد الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا، بوصفها المنفذ الوحيد إلى دول أوروبا حاليًا بعد توقّف خط "نورد ستريم 1" الواصل إلى ألمانيا.
وقالت عملاق الطاقة الروسية، إنها تورّد نحو 42.4 مليون متر مكعب يوميًا، عبر محطة ضخ الغاز "سودغا"، موضحة أن الجانب الأوكراني رفض طلب التسليم عبر سوخانوفكا، وفق ما نقلت عنها وكالة الأنباء الروسية "تاس".
لِمَاذا تُعارض ألمانيا تحديد سقف لأسعار الطاقة؟ :
بطبيعة الحال، فإن ألمانيا تتخوف من زيارة السلوك العدواني الروسي تجاه أوروبا في حال اتخذت الدول الأوروبية قرارات تتضمن تخفيضاً لأسعار إمدادات الغاز الروسي، إذ حذّر وزير المالية الألماني، كريستيان ليندر من أن واردات الغاز المسال إلى أوروبا ستهرب إلى آسيا، في حالة انخفاض سقف أسعارها.
وقال وزير المالية الألماني إن على أوروبا وضع سقف لسعر واردات الغاز المسال أعلى من السوق، حتى لا تتجه الشحنات إلى آسيا بدلًا من دول القارة. 


ألمانيا تواجه اتهاماتٍ فرنسيةٍ بالعزلة:
إذ انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سلوك ألمانيا في أزمة الطاقة التي تشهدها أوروبا حاليا، واتهمها بالعمل على عزل نفسها.
وقال ماكرون على هامش قمة زعماء دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل الاسبوع الماضي "أعتقد أنه ليس من الجيد لألمانيا، أو أوروبا، أن تعزل ألمانيا نفسها".
وأضاف ماكرون "بالتأكيد، يجب أن نحافظ على وحدتنا"، مشيرا إلى أنه يعتزم العمل مع المستشار الألماني أولاف شولتز على إيجاد حل.
وتواجه ألمانيا في الوقت الراهن انتقادات داخل الاتحاد الأوروبي لأسباب من بينها أنها ترفض وضع سقف لأسعار الغاز في أوروبا، وهي الخطوة التي تطالب بها غالبية الدول الأعضاء في التكتل.
وتعد فرنسا من بين الدول التي تؤيد وضع مثل هذا السقف، لا سيما للغاز الذي يجري استخدامه في إنتاج الكهرباء، ووصف ماكرون هذه الخطوة بأنها "آلية لفصل أسعار الغاز والكهرباء عن بعضهما البعض بصورة أفضل".
وقال ماكرون إنه يعتزم العمل من أجل إعداد برنامج لتحمل ديون أوروبية بشكل مشترك، غير أن شولتز يرفض هذه الخطوة، فيما يقول المستشار الألماني إنه لا تزال تتوفر الكثير من الأموال من برنامج الدعم الذي تم إنشاؤه إبان أزمة كورونا. 
و يُعتبر التوتر في العلاقات بين ألمانيا و دول الاتحاد الأوروبي عامةً و فرنسا على وجه الخصوص، مسألة عادية بالنسبة لدول الاتحاد التي اعتادت الاختلاف فيما بينها على مسائل عديدة من بينها سياسات الضرائب و الإنفاق و سياسات التعامل مع اللاجئين، و لكن الخلاف الحالي يعكس حالة خاصة و غير مسبوقة، خصوصاً أن الخلاف الحالي يعكس حالة التنافر و التنافس التي تعيشها دول الاتحاد الأوروبي لا سيما في ظل الظروف الدولية التي يعيشها العالم بأسره و الظروف الخاصة بالحرب الدائرة في بوابة أوروبا الشرقية، مما يجعل الحاجة إلى الوفاق و الانسجام في العلاقات الأوروبية حاجة ضرورية و ملحة أكثر بكثير من ذي قبل. 
و إنّ تداعيات هذه الحرب التي ألقت بظلالها على القارة الأوروبية و خصوصاً أزمة الطاقة و الغذاء جعلت من كل دولة من دول الاتحاد تفكر في كيفية إنقاذ نفسها من وبال الحرب الدائرة في أوكرانيا و ما تبعها من تداعيات مدمرة على الأمن الغذائي و أمن الطاقة في القارة الأوروبية. 
و هذا ما أدى إلى الخلاف الحالي داخل الاتحاد الأوروبي بين دول تعتبر نفسها قادرة على استيعاب أزمة الطاقة و تحمل تكاليفها المالية و دول أخرى ترى إنها لاتستطيع تحمل التكاليف الاقتصادى الباهظة لأزمة ارتفاع أسعار الطاقة بسبب قطع إمدادات الغاز الروسي عن المنطقة الأوروبية. 
و تعتبر فرنسا أن قيام ألمانيا بدعم أسعار الطاقة َ خصوصاً الغاز الطبيعي المستخدم لإنتاج الكهرباء بمثابة خطوة خطيرة على اقتصاد المنطقة الأوروبية التي ستجعل كفة التنافس غير عادلة بيت ألمانيا و باقي دول الاتحاد الأوروبي، إذ أن دعم أسعار الطاقة في ألمانيا سيؤدي إلى خفض تكاليف الإنتاج بالنسبة للمصانع الألمانية، ما يجعل البضائع الألمانية منافسة بشكل كبير لباقي البضائع الأوروبية التي ارتفعت تكلفة إنتاجها بشكل هستيري بسبب ارتفاع أسعار الطاقة مما يجعل مسألة التنافس بين البضائع الألمانية و البضائع الأوروبية تأخذ منحى غير عادل في الميدان الاقتصادي الأوروبي. 
و بالتالي فإن هذه المسألة تعتبر خطراً إستراتيجياً على وحدة و ترابط الاتحاد الأوروبي في ظل الظروف الاقتصادية و الأمنية الصعبة التي تعيشها القارة الأوروبية بسبب تداعيات الحرب في الأوكرانية، فهل تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى زعزعة دعامات الإتحاد الأوروبي و تفكيكه؟
إن أزمة الطاقة و الغذاء و على الرغم من كونها مسألة كبرى تؤثر بشكل كبير على الأوضاع الاقتصادية و السياسية في أوروبا الا انها ما زالت إلى حد الآن أزمة محدودة التأثير في ظل سعي الأطراف الأوروبية إلى التوصل إلى حلول مشتركة بإمكانها إنقاذ القارة من تداعيات الحرب، لذا فإن الخلافات الحالية بين الدول الأوروبية حول كيفية التعامل مع أزمة ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي لا زالت خلافات داخلية منطقية قد تحدث بين اي دولتين متقاربتين، و لا تُنذِر إلى حد الآن بتهديد وحدة الروابط الأوروبية أو إحداث تفكك محتمل في بنية الإتحاد. 
و لكن هذه الأزمة اذا ما استفحلت في ظل إصرار روسيا على استخدام إمدادات الطاقة الروسية كسلاحٍ فعّال ضد القارة الأوروبية للضغط عليها بهدف حملها على رفع العقوبات عن روسيا بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، و إصرار بعض الدول الأوروبية على إنتهاج سياساتٍ خاصة بها للتعامل مع أزمة الطاقة بدون التنسيق مع باقي دول الاتحاد، فإن ذلك سيؤدي مع مرور الوقت إلى تعزيز النزعة الفردية و غياب المسؤولية الجماعية عن ميدان السياسات الأوروبية، و بالتالي فإن هذا سيؤدي شيئاً فشيئاً إلى تفكيك الدعامات التي قام عليها الإتحاد الأوروبي و القائمة على اعتبار الدول الأوروبية العضوة في الاتحاد ككتلة واحدة تتعاون فيما بينها في الاستفادة من الموارد الأوروبية و توجيهها لتعزيز مصلحة جميع دول القارة إضافة إلى التعاون داخل الإتحاد في مواجهة جميع المشاكل التي قد تواجه الإتحاد الأوروبي في جميع الأصعدة الساسية و الأمنية و الاقتصادية.