الفَراغُ أو انتخابُ رئيسٍ جديد.. ماذا يعني كِلاهُما بالنسبة للبنان؟ و لماذا فشِلَ البرلمان في انتخاب الرئيس؟

news image

تقرير - مروة شاهين - بث: 
لثلاث مرات على التوالي، فشل مجلس النواب اللبناني في انتخاب رئيسٍ جديد للجمهورية خلال جلسة عقدها يوم الخميس الماضي برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه برّي.
وحضر داخل القاعة العامة 119 نائباً عند الساعة 11 صباحاً، ما يعني أن النصاب المطلوب لبدء عملية الانتخاب والذي يتحدّد بـ86 نائباً على الأقل قد تأمن حُكماً، علماً أن أيّ مرشح للرئاسة ينال 65 صوتاً، يُصبح يفوز حُكماً في الانتخابات، وبالتالي يُصبح رئيساً للجمهورية.
وإثر ذلك، جرى توزيع الأوراق على الحاضرين وقد جاءت النتيجة على النحو التالي: ميشال معوض: 42 صوتاً، أوراق بيضاء: 55 ، لبنان الجديد: 17، أوراق ملغاة: 4 وميلاد بو ملهب: 1
واختار حزب الله وحركة أمل وحلفاؤهم التصويت بورقة بيضاء بسبب عدم تأمين النصاب المطلوب لإنجاح مرشحهم المرجح، رئيس تيار المردة، سليمان فرنجيه، والذي يرفضه رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل.
وبسبب تلك النتيجة، فإنّ اسما من الأسماء التي طُرحت لم ينل 65 صوتاً. وهنا، فإنّه من المفترض بحسب الدستور اللبناني أن تعقد دورة ثانية للانتخاب، إلا أن الجلسة فقدت نصابها، أي أنه لم يبق داخل القاعة العامة 86 نائباً، الأمر الذي دفع برئيس مجلس النواب نبيه برّي لتحديد جلسة انتخاب ثانية يوم الاثنين 24 تشرين الأول 2022.

مَن هو ميشال معوض؟ و لماذا يُعارضُ حزب الله ترشيحه للرئاسة؟

و ميشال معوض و هو المرشح الذي نال أعلى عدد من الأصوات في جلسة الخميس الماضي، هو سياسي ونائب حالي في البرلمان اللبناني، و هو مؤسس حركة الاستقلال التي انطلقت في العام 2005 وتحديداً إبّان ثورة الأرز، وهو رئيسها الحالي، و نشأت الحركة حينها على شكل مبادرة شعبية وسرعان ما تحوّلت إلى حركة سياسية منظّمة تهدف إلى الدفاع عن السيادة الوطنية والاستقلال والديمقراطية ومؤسسات الدولة والحريات. 
و هو أيضاً عضو مؤسس في لقاء قرنة شهوان الذي تشكّل في العام 2001 كتجمّع للمعارضة السياسية في وجه الوصاية السورية في لبنان آنذاك. وقد انضمّت إلى اللقاء الكنيسة المارونية للمطالبة بالانسحاب السوري، وتأييد استقلال لبنان التامّ وسيادته، فضلاً عن تطبيق اتفاق الطائف الذي أبرم في العام 1989.
كما انضمّت إلى لقاء قرنة شهوان شخصيات مسيحية بارزة، منها الوزير السابق بيار أمين الجميل والنائبان جبران تويني وأنطوان غانم وقد اغتيلوا ثلاثتهم بسبب مواقفهم المعارضة. 
و في العام 2005، كان معوض أيضاً عضواً مؤسساً في لقاء البريستول الذي اعتُبر تكتّل المعارضة الأكبر في تاريخ لبنان في ذلك الوقت، نظراً لاحتوائه أعضاء من طوائف مختلفة، وقد تأسس هذا اللقاء على إثر التمديد غير الشرعي لولاية رئيس الجمهورية اللبنانية السابق إميل لحود الذي فرضه النظام السوري آنذاك. وشملت المجموعات السياسية التأسيسية الرئيسة كلّاً من لقاء قرنة شهوان والتيار الوطني الحر ( قبل تحالفه مع حزب الله) والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل. 
و هو أيضاً نجل رئيس الجمهورية اللبنانية السابق رينيه معوض الذي اغتيل في 22 تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1989.
و يضطلع ميشال معوّض في العديد من المبادرات الاجتماعية والمدنية التي تهدف إلى تحفيز الشباب اللبناني وتحسين أوضاع الفئات المهمّشة في البلاد. كما أنّه عضو مؤسس والمدير التنفيذي لمؤسسة رينيه معوض.
و يواصل ميشال معوض بانخراطه في السياسة الدور التاريخي لعائلته، فوالده رينيه معوض كان أول رئيس للجمهورية اللبنانية يُنتخب بعد اتفاق الطائف في العام 1989 الذي وضع حدّاً للحرب الأهلية في لبنان. غير أنه اغتيل بعد 17 يوماً من تولّيه الرئاسة، في يوم عيد الاستقلال، في 22 تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1989. وعمَّ الاعتقاد أن من ارتكب جريمة اغتياله هو النظام السوري، إلا أنه لم يجرِ أي تحقيق في هذه الجريمة حتى يومنا هذا. كما شكّل اغتيال رينيه معوض ضربة قاصمة للسلم الأهلي والسيادة اللبنانية، ومهّد لاستمرار الوصاية السورية مدة خمسة عشر عاماً. 
بعد نهاية جلسة الانتخاب.. معوض يؤكد على ضرورة إعادة ربط لبنان بمحيطه العربي و أصدقائه الدوليين لتأمين إعادة ازدهاره و تعزيز سيادته:
و بعد نهاية الجلسة البرلمانية التي حظِيَ فيها معوض بأعلى عدد من الأصوات، أكد على أنه لا ينتظر التسويات والمساومات الاقليمية والدولية، والكلام عن حرق اسمه غير صحيح على الرغم من كل الحملات التي يتعرض لها، قائلا: “يوم حرقوني ويوم اشتروني ويوم باعوني”، إلا أنني المرشح الجدي الوحيد وأعلن ترشحي بشكل واضح وكتلتي لا تخجل بترشحي”.
وأوضح أنه “بالرغم من محاولات القصف، تبيّن أن الترشيح الجدّي الوحيد الموجود هو ترشيحي”.
وقال في تصريح من مجلس النواب بعد فقدان النصاب في الدورة الثانية للجلسة الرئاسية: “هناك فريق جدّي يشارك بانتخاب رئيس للجمهورية وهناك فريق آخر يحضر إلى مجلس النواب ليس لانتخاب رئيس بل ليظهر بصورة غير المعطّل”.
وتابع: “حققنا تقدمًا نوعيًا وانتقلت من 36 الى 42 صوتا في غياب نائبين هما شوقي الدكاش وايهاب مطر كانا سيصوتان لصالحي”.
وشدد معوض على “ضرورة توحيد المعارضة والسماح بخلق وفاق وطني حقيقي”.
ورأى أن “لبنان بحال من الانهيار ويحتاج إلى وقف التكاذب ويريد الوفاق الحقيقي على أسس اعادة ربطه بالعالم والعالم العربي والقبول بالحياد الايجابي وعودة الجميع إلى الدولة وسيادتها”، مؤكدا أن طرحه انقاذي واضح ورأيه واضح في الملفات كافة.
كما أشار إلى أنه “إذا أصرينا على رئيس بأكثرية الثلثين فهذا يعني أننا نريد رئيساً خاضعاً لا رأي له بشيء وهذا معناه استمرار انهيار الليرة أما الأمور الباقية كتعديل جملة على قانون وغيرها ستبقى أموراً استعراضية”.
وتوجه معوّض لقوى المعارضة، قائلا: ” اذا فعلا أردنا التغيير علينا أن نجمع المعارضة، وبعض التبريرات التي قُدّمت فيها الكثير من الازدواجية وليس هكذا نقوم بالتغيير بل نبدأ بتوحيد المعارضة”.
و كان معوض قد صعّد لهجته تجاه حزب الله في وقت سابق إذ قال أن مواجهتنا لـ"حزب الله" تزعجه والإرهاب علينا "ما بيمشي" و"فشروا" أن نرضخ ونحن ندافع عن القضية اللبنانية وحقنا أن ندافع عنها في المحافل الدولية و"يلي مش عاجبوا يبلّط البحر". 
جدلٌ بين القوى البرلمانية حول ترشيح معوض.. و بولا يعقوبيان تقول أنه لا يمكنه الوصول إلى سُدّة الرئاسة:


تعليقاً على مسألة ترشيح ميشال معوض لرئاسة الجمهورية قالت النائب في البرلمان اللبناني بولا يعقوبيان أن تكتلها قد صوت ل لبنان الجديد، باستثناء النائب ميشال دويهي، والبلد بانهيار كامل وللأسف لا أحد ذاهب باتجاه اصلاحات، مشيرة إلى أن أحزاب السلطة مضحكين لتحميلها المسؤولية للنواب التغييريين والبلد في انهيار ولا نزال نعيش مسرحية "سمجة" وقمنا بمبادرة وضحّينا فيها من رصيدنا لنحذّر من الفراغ ولنطالبهم بعدم الوصول إليه".
وذكرت في كلمة لها من مجلس النواب، انه "من طرح النائب ميشال معوّض يعلم أنّه لا يمكنه تحصيل 86 صوتًا والكلّ يراهن على الفراغ لتحسين وضعه"، مضيفة أنه "لا يوجد معارضة في البلد ومن يسمون أنفسهم معارضة اتفقوا جميعاً عام 2016 "وبعد شوي رح يحملونا مصايب البلد كلها".

فيما قال عضو “تكتل الجمهورية القوية” و هو التكتل التابع لحزب القوات اللبنانية، النائب زياد الحواط، أننا “نطالب بانتخاب رئيس جمهورية في أسرع وقت ممكن لأن البلد لا يتحمل الفراغ، كما وقد حددنا مرشحنا وما زلنا ننتظر الفريق الآخر لطرح مرشح، و مرشحنا هو النائب ميشال معوض، ولكننا منفتحون على التشاور للتوصل إلى اتفاق على مرشح قادر على تأمين حضور الثلثين”، مضيفا “ما بدنا نجيب رئيس ما الو لون ولا ريحة”.
وأضاف: “أنا تغييري ومعارض وسيادي، ولدي مجموعة إنجازات، وعلى النواب التغييريين التعاطي مع الكتل الأخرى في تواضع وبليونة، وألاينسوا أن ثمة حزبا دافع عن لبنان ولديه تاريخه وشهداؤه”.

فيما أكد النائب في البرلمان اللبناني وائل بو فاعور ( و هو عضو اللقاء الديمقراطي التابع للحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة وليد جنبلاط) إن كتلته تدعم النائب ميشال معوض كونه يعبر عن قناعاتهم السياسية وتحديدا بموضوع استقلال البلد وسيادته، و انه شاركهم بالكثير من النضالات المشتركة في فترة 14 آذار، و قال أن ترشيحه اليوم هو يعبر عن وجهة نظرهم . سائلا: "اين مبادرة الفريق الآخر وباقي الكتل النيابية الموجودة في المجلس؟".
واضاف: "نحن مرشحنا ميشال معوض ونخوض معركته، باقي الكتل من مرشحها؟ فحتى اللحظة مرشحها الورقة البيضاء، ان لم يكن هناك من حراك محلي او مبادرة داخلية فعادة ننتظر  الخارج. صحيح هناك دول تتدخل ودول تحاول أن تساعد وتجري مشاورات، ولكن أين المبادرة الوطنية المحلية الداخلية التي يمكن على اساسها أن يبنى الخيار الرئاسي، ولماذا الموضوع الرئاسي مهم واساسي، نحن قناعتنا كحزب تقدمي اشتراكي ان استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية او بالاحرى بدون عناوين كبرى هو ان شخص ومواصفات رئيس الجمهورية المقبل هي النقطة الحاسمة التي ستحسم مسار هذه  البلاد، اما مزيد من الانهيار او بداية التعافي".

وقال نبيه بري في تصريحات له بعد نهاية الجلسة إن مساعي الوصول إلى رئيس توافقي مازالت متوقفة، وأنه ينوي الدعوة إلى جلسات متقاربة لإنتخاب مرشحٍ يتوافق عليه الجميع لسُدة الرئاسة. 
وشدد بري على ضرورة أن يكون الرئيس موحدا للمكونات اللبنانية من خلال الحفاظ على اتفاق الطائف الذي يعد دستورا للبنان بحسب تعبيره.
وغالبا ما يتم انتخاب رئيس للبنان بعد توافق الكتل الرئيسية على اسم مرشح في بلد تقوم سياسته الداخلية على التسويات بين القوى المختلفة.
وفي الجلسة الأولى التي تأمن فيها النصاب، اقترع 66 نائبا بورقة بيضاء بينما حظي النائب ميشال معوض، المدعوم من القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع وكتل أخرى بينها كتلة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، بـ36 صوتا.
ويشهد لبنان منذ العام 2019 انهيارا اقتصاديا صنفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم، خسرت معه العملة المحلية نحو 95 في المئة من قيمتها في السوق السوداء، وبات أكثر من 80 في المئة من سكانه تحت خط الفقر.
ويضغط المجتمع الدولي من أجل انتخاب رئيس جديد ضمن المهل الدستورية لتجنب تعميق الأزمة التي تتطلب إصلاحات ضرورية.
وبموجب النظام السياسي المعمول به في لبنان والقائم على التوزيع الطائفي، ينبغي أن يكون الرئيس مسيحيًا مارونيًا.
و يشار إلى أن مسلمي لبنان ومسيحييه اتفقوا عام 1943 بموجب الميثاق الوطني -وهو اتفاق غير مكتوب- على توزيع السلطات، بأن يتولى الرئاسة مسيحي ماروني لولاية تمتد 6 سنوات غير قابلة للتجديد، مقابل أن يكون رئيس الوزراء مسلما سنيا ورئيس البرلمان مسلما شيعيا، ولا يزال هذا العرف الدستوري ساريا حتى الآن.
و منذ قرب نهاية الفترة الرئاسية للرئيس الحالي ميشال عون، تسعى كل الفرق السياسة إلى البحث عن مرشح يتناسب مع تطلعاتها و أفكارها، و قد ذكرنا سابقاً أن الأحزاب السيادية و التغييرية المعادية للنفود الإيراني على لبنان و أهمها حزب القوّات اللبنانية و الحزب التقدمي الاشتراكي، تدعم ترشيح ميشال معوض كونه معادٍ للمحور الإيراني، بينما تعارض حركة أمل الشيعية التي يترأسها نبيه بري و معها حزب الله و حليفه التيار الوطني الحر ترشيح معوض. 
و يتبني حزب الله و حركة امل و هما الحزبين اللذان يمثلان الطائفة الشيعية في لبنان ترشيح سليمان فرنجية المقرب من النظام السوري، بينما يسعى التيار الوطني الحر و هو الحليف المسيحي الأقرب لحزب الله أن يُوصِل رئيسه جبران باسيل إلى سُدّة الرئاسة، الأمر الذي يُعتبر بعيداً إلى حد كبير، كون باسيل خاضع للعقوبات الأمريكية و محسوب على المحور الإيراني و بالتالي لا قبول له من جانب الولايات المتحدة الأمريكية و الدول العربية و خصوصاً المملكة العربية السعودية التي تعتبر الدولة العربية الأكثر تأثيراً و فاعلية في المشهد السياسي اللبناني.

لا توافقَ على مرشّحٍ للرئاسة.. فهل يذهبُ لبنان نحو الفراغ الرئاسي؟

إن عدم التوافق بين القوى السياسية اللبنانية هو القاعدة و ليس الاستثناء، بدءًا من الهوية اللبنانية إلى علاقات لبنان الخارجية و شكل الحكم و مبتغاه وصولاً إلى اسم الرئيس الذي سيصل إلى سُدّة رئاسة الجمهورية، و لا سيما اليوم في ظل الأزمة السياسية و الاقتصادية التي تعصف بالبلاد ما زاد من حدّة الانقسام السياسي و الشعبي، و دفع إلى تقسيم القوى السياسية اللبنانية بين فريقين أساسيين أولهم فريق سيادي معارض للنفوذ الإيراني و لسلاح حزب الله و سلوكه، و الثاني حليف لحزب الله و مقرب من نظام الأسد و معارض للدول الغربية و الدول العربية و خصوصاً الخليجية منها. 
و بالتالي فإن معركة اختيار رئيس للجمهورية اللبنانية لا تعدو كونها مواجهة بين هذين الفريقين، ففريق يسعى لإيصال مرشح سيادي يُحجّم نفوذ حزب الله و المحور السوري الإيراني، و فريق حزب الله و حلفائه الذين يسعون إلى إيصال رئيس مؤيد لسلاح حزب الله و لا يعارض نفوذه و لا النفوذ السوري الإيراني على لبنان. 
و في ظل عدم رجوح ميزان القوى في لبنان إلى فريق دون الآخر، تشير كل المؤشرات الحالية إلى توجه لبنان إلى فراغ رئاسي، في حال لم يحصل توافق على رئيس يرضى به مختلف القوى السياسية. 
و تجدر الإشارة إلى أن الفراغ الرئاسي ليس ظاهرةً بعيدةً عن المشهد السياسي اللبناني، ففي العام ٢٠١٦ انتخب البرلمان اللبناني ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية بعد مرور عامين من الفراغ الرئاسي، و لا يُستبعد أن يشهد لبنان بعد نهاية الفترة الرئاسية لميشال عون عودة إلى حالة الشغور الرئاسي.

هل يكون قائدُ الجيش هو الحلّ:

تختلفُ معظمُ القوى السياسية اللبنانية على كل شيئ تقريباً و لكنها تُجمع – و معها الشعب اللبناني- على كون المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تحظى بثقة الشعب اللبناني نظراً لوحدتها و مهنيتها العالية و المساهمة الكبيرة للجيش في الحفاظ على الأمن و الاستقرار و وحدة الأراضي اللبنانية، و قد سبق أن تم اختيار قادةٍ للجيش اللبناني ليكونوا رؤساء للجمهورية عند وجود خلافات كبيرة حول المرشحين تجنباً لحالة الفراغ الرئاسي. 
و لكن الوضع اليوم في لبنان مختلف، إذ يعارض رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل ترشيح قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون لأسباب تتعلق بطموح باسيل للوصول إلى سُدّة الرئاسة، كما يُعارض حزب الله وصول أي مرشح يعتبره معادياً المحور الإيراني، لا سيما أن القائد الحالي للجيش اللبناني معروف بمواقفه السيادية و الوطنية و تمسكه باستقلال لبنان المادي و المعنوي. 
كما يُدرك حزب الله أيضاً أن وصول مرشح ذو خلفية عسكرية إلى سُدّة الرئاسة سيجعل الرئيس المقبل أكثر اهتماماً بدور الجيش اللبناني و مستوى تسليحه ما يعتبره حزب الله خطراً عليه و على سلاحه الغير شرعي، إذ يعتبر الجيش اللبناني هو القوة العسكرية الوحيدة القادرة على لجم النفوذ العسكري لحزب الله على الأراضي اللبنانية.

قرار انتخاب الرئيس.. خليطٌ ما بين الداخل و الخارج:

إن لبنان بتعدده الثقافي و ما يتبع ذلك من تعدد الروابط التي تجمعه مع الكثير من الدول العربية و غير العربية، يُشكل محط اهتمام العديد من القوى العالمية سواءً الدول العربية و الإسلامية او الدول الغربية نظراً لكون لبنان البلد العربي الوحيد الذي يرأسه شخص مسيحي، و أيضاً إيران التي تحظى بنفوذ في لبنان عبر الطائفة الشيعية الموجودة فيه، و إن تداخل نفوذ هذه الدول في لبنان يجعل من القرارات اللبنانية الداخلية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحراك الدبلوماسي الخارجي و القرارات الخارجية. 
و بالتالي فإنه لا يمكن اعتبار مسألة حسم اختيار رئيس للجمهورية اللبنانية بالقوى السياسية الداخلية، إذ أن تلك القوى أغلبها إن لم يكن جميعها، تتحرك بإيعاز من أطراف خارج لبنان، و بالتالي فإن تنشيط مسألة انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية في أروقة السياسة الخارجية للدول التي تتمتع بالنفوذ في الداخل اللبناني و لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية و المملكة العربية السعودية و فرنسا و إيران، إذ تعتبر هذه الدول هي الدول الرئيسية المؤثرة بشكل كبير على عملية صنع القرار في لبنان.

الفراغ او انتخاب رئيسٍ جديد.. ماذا يعني كِلاهُما بالنسبة للبنان:

إن الفراغ يعني و قبل كل شيء، تراجع الإهتمام الدولي بالملف اللبناني، فلو كان الإهتمام بالمسائل و المشكلات اللبنانية في صلب اهتمام المجتمع الدولي لكانت الدبلوماسية الخارجية أدت إلى حمل القوى الداخلية إلى التوافق على إسمٍ مُعيّن لرئاسة الجمهورية، و بالتالي فإن حالة الشغور الرئاسي التي قد يعيشها لبنان سوف تعني أن الملف اللبناني قد تم تأجيل البحث فيه بالنسبة للقوى الدولية و الإقليمية المؤثرة و الفاعلة في السياسة الداخلية اللبنانية.
بالإضافة إلى ذلك، إن حالة الفراغ الرئاسي التي قد يشهدها لبنان سوف تؤدي إلى عرقلة أي إصلاحات محتملة على الصعيد الاقتصادي للبنان، بالإضافة إلى عدم إمكانية توصل لبنان إلى أية اتفاقات مع المؤسسات المالية الدولية بما فيها صندوق النقد الدولي، ما يعني إطالة أمد الأزمة الاقتصادية القائمة. 
أما في حال انتخاب رئيس، فإن هذا يعني أمران، إما انحدار لبنان أكثر فأكثر نحو مستنقع النفوذ الإيراني في حال وصول رئيسٍ مُوالٍ لحزب الله إلى سُدّة الرئاسة، و اما بداية خروج من مرحلة السيطرة الإيرانية على القرار الداخلي و الخارجي اللبناني عبر انتخاب رئيسٍ سيادي يعمل على تعزيز سيادة لبنان و استقلاله و مواجهة النفوذ الخارجي الطاغي على لبنان. 
و إنه لمن الخطأ القول بأن القوى اللبنانية السيادية الداخلية قادرة وحدها على كبح و مواجهة نفوذ حزب الله على لبنان و إيصال رئيس جمهورية سيادي دون دعم من أصدقاء لبنان العرب و الدوليين، عبر الضغط على حزب الله و إيران بكافة الأدوات الدبلوماسية و السياسية الممكنة لمساعدة القوى الداخلية على المُضيّ قُدُماً في طريق الإصلاح و تعزيز حياد لبنان و هويته العربية و استقلاله.