الخوف من الانقراض
الخوف من أن تصبح بائدًا
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
إشراف: عبدالله العميره
قد يبدو النظام الإيراني وروسيا كحالتين مختلفتين في التاريخ والجغرافيا والقوة.
لكن النظرة الأعمق تكشف تشابهًا لافتًا بينهما:
كلاهما لا يخاف الهزيمة فقط.
بل يخاف أن يتحول إلى “نظام بائد”.
روسيا لا تخشى خسارة معركة بقدر ما تخشى تكرار لحظة تفكك الاتحاد السوفيتي.
أما النظام الإيراني، فلا يخشى اتفاقًا نوويًا بقدر ما يخشى أن يصبح مصيره شبيهًا بالنظام الملكي الذي أسقطته الثورة.
هنا لا نتحدث عن خلافات سياسية عابرة.
بل عن ذاكرة رعب عميقة تحكم القرار.
روسيا تعلم أن الغرب لم يهزم الاتحاد السوفيتي بحرب مباشرة.
بل هزمه بالتآكل الطويل:
اقتصاد مرهق.
سباق تسلح.
عزلة فكرية.
فشل داخلي.
وتصدع في الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولهذا تبدو موسكو اليوم وكأنها تقاتل شبح الماضي قبل أن تقاتل خصوم الحاضر.
هي لا تريد أن تُحذف من معادلة العالم كما حُذف الاتحاد السوفيتي من الخريطة السياسية.
أما النظام الإيراني، فيقرأ التاريخ من زاوية مختلفة.
هو لا ينسى أن نظامًا ملكيًا راسخًا سقط حين تراكم الغضب الداخلي، وتبدلت موازين الشارع، وفقدت السلطة قدرتها على إقناع الناس ببقائها.
لذلك يتعامل النظام الإيراني مع أي تنازل خارجي كأنه احتمال انهيار داخلي.
فالتراجع عنده ليس سياسة فقط.
بل كسر لصورة الثورة.
وهنا تحضر فكرة “التقية” بمعناها السياسي لا المذهبي الضيق.
أي إظهار خطاب في العلن، والاحتفاظ بحسابات أخرى في العمق.
في المفاوضات، قد يقول النظام الإيراني إنه يقبل التهدئة.
لكنه في الحقيقة يحاول شراء الوقت، وحماية البنية، وإعادة ترتيب أوراقه.
ليس لأنه يريد السلام بالضرورة، بل لأنه يريد البقاء.
وهذا ما يجمعه جزئيًا مع موسكو.
كلاهما يستخدم السياسة أحيانًا بوصفها استراحة داخل الصراع، لا نهاية له.
المشكلة أن النظامين يملكان عقلًا تاريخيًا مأزومًا.
عقلًا لا يرى في التسوية فرصة، بل فخًا.
ولا يرى في التراجع حكمة، بل بداية سقوط.
ولهذا يصبح السلام صعبًا مع أنظمة تفكر بهذه الطريقة.
لأنها لا تفاوض لتغادر الصراع.
بل تفاوض كي تعود إليه بشروط أفضل.
روسيا تخشى أن تتحول إلى دولة عادية بعد أن كانت إمبراطورية.
والنظام الإيراني يخشى أن يتحول إلى صفحة مغلقة بعد أن قدّم نفسه كـ”ثورة أبدية”.
وفي الحالتين، يصبح الماضي سجنًا للمستقبل.
السؤال العميق هنا:
هل تتعلم الأنظمة من التاريخ لتتجنب الانهيار؟
أم تتعلم منه فقط كيف تؤجل الانهيار؟
روسيا تحاول أن تمنع تكرار تفكك الاتحاد السوفيتي بالقوة.
والنظام الإيراني يحاول منع تكرار سقوط الشاه بالمراوغة والتشدد.
لكن الخطر أن من يحارب التاريخ بعقلية الخوف، قد يعيد إنتاج أسبابه دون أن يشعر.
فالبقاء لا يتحقق بالحرب وحدها.
ولا بالمناورة وحدها.
ولا برفع الشعارات حتى آخر لحظة.
البقاء الحقيقي يحتاج إلى:
شرعية داخلية.
اقتصاد قابل للحياة.
علاقة طبيعية مع العالم.
وقدرة على إنهاء الصراع لا إدارته فقط.
وهنا تكمن نقطة الضعف الكبرى في موسكو وطهران معًا.
كلاهما يجيد إطالة الصراع.
لكن السؤال: هل يجيدان إنهاءه؟
فالعقيدة التي ترى العالم كله خصمًا لا تصنع استقرارًا.
والنظام الذي لا يعيش إلا وسط التهديد، يصبح محتاجًا إلى التهديد كي يبرر وجوده.
وهذا ما رأيناه أيضًا في تجارب سياسية أخرى، ومنها حكومات إسرائيلية متعاقبة صنعت بقاءها داخل منطق الصراع الدائم، لا داخل مشروع سلام نهائي.
في النهاية، التشابه بين روسيا والنظام الإيراني ليس في حجم القوة.
بل في الخوف من المصير.
خوف روسيا من أن تصبح أثرًا إمبراطوريًا قديمًا.
وخوف النظام الإيراني من أن يصبح ثورة بائدة.
لكن التاريخ لا يرحم من يظن أن القوة وحدها تمنع السقوط.
فأحيانًا تسقط الأنظمة لا لأنها هُزمت في الحرب، بل لأنها عجزت عن فهم معنى البقاء.
كيف يمكن لهذين البلدين الاستمرار دون خوف؟
عبر:
التركيز على بناء الإنسان في الداخل،
وبناء علاقات خارجية مطمئنة،
واقتلاع ثقافة:
الحروب،
والعبث،
والثورة الدائمة،
من قاموس الدولة.
أي:
التحول إلى نظامين يصنعان البناء،
لا يعيشان على الهدم.
وربما يبدو هذا التحول ممكنًا في روسيا أكثر من نظام الملالي في إيران.
__________
المقصود بـ “البائد” هنا ليس فقط:
حضارة انتهت واختفت من الوجود.
بل قد يعني أيضًا:
نظامًا،
أو مشروعًا،
أو قوة،
تقترب من نهايتها التاريخية،
حتى وإن حاولت البقاء بأي وسيلة.
فالتاريخ لا يتحدث فقط عن:
حضارات سادت ثم بادت،
كا لحضارات:
الإغريقية،
والفرعونية،
والفارسية القديمة،
وثمود،
والأحقاف.
بل يتحدث أيضًا عن قوى ظنت أن استمرار القوة وحده يكفي للبقاء،
ثم اكتشفت متأخرة أن الخوف،
والحرب،
والتمسك بالماضي،
لا يمنع السقوط إلى الأبد.
BETH (بث B) – All rights reserved