بين الشك واليقين
كتب: عبدالله العميره
يقول الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن رحمه الله:
كانها الفرقا .. طلبتك حاجتين
لا تعلّمني .. ولا تكذب عليخلّني ما بين شكٍّ ويقين
السكوت رضاك عني .. وازعلِ
بيتان ـ ضمن أبيات ـ ممتلئان بحرارة الحب، وقلق الحبيب، وخوف الإنسان من لحظة الفقد.
لكن اللافت في الشعر الحقيقي، أنه لا يبقى حبيس دائرة العاطفة فقط.
بل يمتلك قدرة غريبة على السفر نحو:
السياسة،
والإعلام،
والحروب،
والنفس البشرية.
وهنا تظهر عبقرية بدر بن عبدالمحسن -رحمه الله.
فهو كتب للحب، نعم.
لكنه كتب أيضًا لحالة إنسانية يعيشها البشر في تفاصيل كثيرة من حياتهم.
في الإعلام مثلًا:
كم مرة يشعر الجمهور أن هناك حقيقة مخفية، لكن لا أحد يقولها كاملة؟
وكم مرة يصبح الناس بين:
الشك،
واليقين،
والتأويل،
والصمت؟
هنا يتحول البيت:
لا تعلّمني .. ولا تكذب علي
إلى وصف دقيق لعلاقة الإنسان بالحقيقة.
أي:
لا تصدمني بحقيقة قاسية دون حكمة،
ولا تخدعني بدعاية رخيصة.
دعني أقترب من الحقيقة بوعي،
لا بصدمة،
ولا بخداع.
أما قوله:
خلّني ما بين شكٍّ ويقين
فهو يشبه تمامًا حالة المجتمعات أثناء:
الحروب،
والأزمات،
والتضليل الإعلامي.
حيث يعيش الناس داخل منطقة ضبابية:
يشعرون أن هناك شيئًا غير طبيعي،
لكنهم لا يمتلكون الحقيقة كاملة.
ولهذا يصبح الصمت أحيانًا:
لغة سياسية،
ولغة إعلامية،
ولغة نفسية أيضًا.
والأخطر أن بعض الأنظمة، وبعض وسائل الإعلام، تتعمد إبقاء الناس:
“بين الشك واليقين”.
لأن الإنسان حين لا يمتلك يقينًا كاملًا، يبقى:
مترددًا،
وخائفًا،
وقابلًا للتوجيه.
بل حتى في العلاقات الدولية، يمكن إسقاط البيتين بصورة مدهشة.
فبعض الدول لا تريد:
الحرب الكاملة،
ولا السلام الكامل.
بل تفضّل إبقاء الجميع داخل منطقة رمادية:
تهديد دون حسم،
وتفاوض دون ثقة،
وحقيقة ناقصة،
وصمت مليء بالرسائل.
وهنا يصبح الشعر أكبر من قصة حب.
يصبح:
تشريحًا للنفس البشرية،
وللسياسة،
وللإعلام،
ولطريقة إدارة البشر أحيانًا.
لكن رغم كل هذه التأويلات، يبقى القلب الحقيقي للبيتين:
الحب.
حب يخاف من الفراق.
وقلب لا يحتمل الحقيقة كاملة، ولا يقبل الكذب.
ولهذا طلب الشاعر شيئًا شديد الإنسانية:
أن يبقى معلّقًا بين:
الأمل،
والوجع،
والشك،
واليقين.
فبعض الأحبة لا يريدون نهاية واضحة، لأن وضوح النهاية يعني:
انطفاء الحلم.
وهنا تكمن عبقرية بدر بن عبدالمحسن رحمه الله:
أنه لم يكتب الحب بوصفه فرحًا فقط، بل كتلك المسافة المؤلمة بين:
الخوف من الرحيل،
والتعلق بمن نحب،
والرغبة في تأجيل الحقيقة،
ولو بالصمت.
وختامًا..
من يمتلئ قلبه بالحب والحياة، يصعب أن يتعايش مع القتل، أو ينسجم مع مشاهد الحروب والخراب.
فالإنسان حين يمتلئ من الداخل:
حبًا،
ووعيًا،
وإنسانية،
يصبح أكثر ميلًا إلى الحياة،
وأقل قدرة على التصالح مع القسوة.
وهنا ربما ينتصر الحب، لا بوصفه قصة عاطفية فقط، بل كقيمة تجعل الإنسان أكثر رحمة بالعالم.