اللغة المتورمة
كتب: عبدالله العميره
ليست كل لغة قوية .. عميقة.
وليست كل جملة طويلة .. ذكية.
وليست كل صياغة صاخبة .. مؤثرة.
في عالم الإعلام توجد مشكلة قديمة تتكرر بصور مختلفة، لكن كثيرين لا ينتبهون لها. وهي:
“اللغة المتورمة”.
لغة تبدو ممتلئة، لكنها أحيانًا فارغة من المعنى الحقيقي.
لغة تحاول أن تبدو:
عميقة
وثورية
وفكرية
وصادمة.
لكنها في أحيان كثيرة تتحول إلى:
ضجيج لغوي يستهلك المعنى بدل أن يخدمه.
النص الإعلامي لا ينقل المعلومات فقط.
بل ينقل أيضًا:
بيئة الكاتب
وثقافته
وزاوية نظره
وطريقة تشكّل وعيه السياسي والإعلامي.
ولهذا يستطيع الصحفي المحترف، أو القارئ الذكي، أن “يشم” الخلفية الثقافية للنص حتى قبل معرفة اسم كاتبه.
بعض المدارس الإعلامية القديمة، خصوصًا المتأثرة:
بالحزبية
والخطابات الثورية
واليسار التقليدي
والشعارات التعبوية.
تميل إلى:
اللغة المتورمة
والتحليل المتخم
وإعطاء الجملة أكثر مما تحتمل.
فتتحول الأخبار أو التحليلات أحيانًا إلى:
خطابات
أو بيانات
أو استعراض عضلات لغوية.
ليس بهدف الإفصاح والتوضيح.
بل عبر أسلوب متقعّر ومتكرر يتخفّى خلف ادعاء الفلسفة، بينما هو في الحقيقة:
سفسطة لغوية أكثر منه عمقًا حقيقيًا.
وتظهر هذه الروح بوضوح حتى في:
عناوين الصحف
وشريط الأخبار التلفزيوني
وطريقة نطق الكلمات
واختيار المفردات.
حتى طريقة كتابة بعض الكلمات، تكشف أحيانًا الخلفية الثقافية أو السياسية للكاتب.
فمثلًا:
هناك من يكتب “أميركا”
وهناك من يكتب “أمريكا”.
قد تبدو المسألة بسيطة لغويًا، لكنها في أحيان كثيرة تحمل أثر المدرسة الإعلامية والثقافية التي خرج منها النص.
بعض البيئات الصحفية المتأثرة بالخطاب الحزبي أو اليساري القديم، تميل إلى استخدام “أميركا” بوصفها جزءًا من إيقاع ثقافي وسياسي متوارث.
بينما تميل مدارس أخرى إلى:
اللغة الأبسط
والصياغة الأقل تسييسًا
والأقرب إلى النفس الصحفي الدولي الهادئ.
المشكلة ليست في الكلمة نفسها.
بل فيما تحمله أحيانًا من:
نبرة
وخلفية
وأسلوب تفكير
وطريقة تقديم للعالم.
أحيانًا تستطيع من سطر واحد فقط أن تتوقع:
من أي بيئة خرج النص
وما الهدف الحقيقي خلفه.
ليس لأن اللغة العربية مختلفة.
بل لأن طريقة استخدام اللغة مختلفة.
هناك من يستخدم اللغة:
لشرح الواقع.
وهناك من يستخدمها:
لإخافة القارئ
أو تعبئته
أو تمجيد الذات
أو صناعة بطولة وهمية.
وهنا تبدأ الخطورة.
حين تتحول البلاغة إلى قناع، ويتحول التضخم اللغوي إلى محاولة لإخفاء:
السطحية
أو التحيز
أو الارتباك الفكري.
بعض المؤسسات الإعلامية لا تصنع تأثيرًا حقيقيًا.
بل تصنع:
“إحساسًا بالتأثير”.
والفرق بين الاثنين هائل.
فالإعلام الناضج لا يحتاج أن يصرخ كي يبدو قويًا.
تمامًا كما أن العقل الحقيقي لا يحتاج أن يتورم ليبدو ذكيًا.
بل إن أخطر أنواع التضخم هو ذلك الذي يجمع بين:
لغة متورمة
وعقل متورم.
حين يصبح الكاتب مشغولًا:
بالتضخيم
والاستعراض
والشخصنة
والإيحاء بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة.
أكثر من انشغاله:
بالفهم
والتحليل
والوصول إلى المعنى الحقيقي.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة جدًا:
أحيانًا يتم فرض “الأسوأ” ليغطي على الجمال الحقيقي.
ليس فقط في اللغة.
بل حتى في الأداء والصورة والشكل الإعلامي.
فتُضاف الزينة فوق الزينة، والمؤثرات فوق المؤثرات، حتى تتحول العملية كلها إلى حالة من:
التقزز البصري واللغوي.
وكأن بعض الإعلام لم يعد يثق:
بالعقل
ولا بالمعلومة
ولا بهدوء الحقيقة.
فيبالغ في كل شيء:
الصوت
والكلمات
والتعليق
والأداء
والعناوين.
حتى يفقد تأثيره الحقيقي.
العالم اليوم يتجه إلى نوع مختلف من الإعلام:
إعلام هادئ .. لكن عميق.
لغة تبدو بسيطة.
لكنها دقيقة.
تحليل لا يتورم.
لكنه يصل.
وهذا ربما هو التحدي الأصعب في الصحافة الحديثة:
كيف تقول الكثير .. دون أن تتورم اللغة.
حتى نبرة الصوت في الإعلام ليست تفصيلًا عابرًا.
بعض الأصوات هادئة .. لكنها واثقة.
وبعضها حاد وجاف، وكأن صاحبه يعوّض ضعف الفكرة بقوة النبرة.
هناك من يتحدث بهدوء .. لكنه مستفز، لأن خلف صوته سطحية واضحة.
وهناك من يجمع بين هدوء النبرة وذكاء المعنى، فتشعر أنك أمام عقل يفهم ما يقول.
وفي المقابل، توجد شخصيات شديدة الذكاء، حتى إن بعض الناس قد لا يفهمها بسهولة..
الصوت، ونبرته، وطريقة الإلقاء .. كلها تكشف أكثر مما يتخيل البعض:
عمقك
وثقتك
وفهمك
وأحيانًا سطحيتك أيضًا.
اللغة العربية بحر واسع .. وثروة حضارية بحجم محيط.
المشكلة ليست في العقول التي تبحث عن إضافة حقيقية إلى عقل القارئ أو المشاهد.
المشكلة في عقول متورمة.
ليست ممتلئة بالمعرفة المفيدة، بل منتفخة:
بالعبارات المتقعّرة،
والاستعراض اللغوي،
والثقافات العتيقة التي توقفت عن التطور،
بينما تظن أنها ما زالت تقود الوعي.
وهنا يتحول الإعلام من:
وسيلة فهم،
إلى:
ضجيج .. بقليل من الأثر.