لماذا لا يتم ضرب إيران؟

news image

كتب: عبدالله العميره

حين يطرح كثير من الناس سؤال:
لماذا لا تُحسم المواجهة مع إيران؟
فإن الإجابات التقليدية تبدأ فورًا بالظهور:

التوازنات الدولية،
الخوف من الحرب الكبرى،
أسعار النفط،
موقف الناتو،
حسابات الخليج،
الاقتصاد العالمي،
والخشية من الفوضى.

لكن بعد أكثر من ثمانين يومًا من التصعيد،
وبعد الجولة الأولى من الضربات الأمريكية والإسرائيلية،
بات من الواضح أن جزءًا كبيرًا من هذه التفسيرات لم يعد مقنعًا لكثير من المتابعين.

فما حدث ميدانيًا أثبت بوضوح:
أن النظام الإيراني تلقى ضربات قاسية،
وأن جزءًا مهمًا من قدراته العسكرية والأمنية تعرض للاهتزاز،
وأن ميزان القوة الحقيقي ليس متكافئًا كما يحاول إعلام طهران تصويره.

المشهد اليوم لا يبدو:
قوة تواجه قوة،
بل:
قوة كبرى تتعامل بحذر شديد مع خصم أضعف منها بكثير.

وهنا تبدأ العقدة الحقيقية.

المشكلة ليست في قدرة أمريكا وحلفائها على الضرب،
بل في:
طريقة إدارة الضرب.

فالضربات المحدودة،
والمفاوضات المفتوحة،
والرسائل المترددة،
منحت النظام الإيراني مساحة ذهبية لإعادة إنتاج صورته أمام الداخل الإيراني والعالم.

النظام الإيراني فهم مبكرًا أن مجرد بقائه واقفًا بعد الضربات،
يمنحه فرصة الادعاء بأنه:
“ما زال يواجه أمربكا الند بالند”.

بينما الواقع مختلف تمامًا.

الحرس الثوري وما تبقى من منظومة الملالي،
أضعف بكثير من أن يهزموا الولايات المتحدة أو حلفاءها عسكريًا.

نعم،
قد يسببون خسائر،
وقد يفتحون جبهات فوضى،
وقد يستخدمون الأذرع والميليشيات،
لكن الفارق بين:
القدرة على الإزعاج،
والقدرة على الانتصار،
فارق هائل.

ومن يعرف طبيعة النظام الإيراني جيدًا،
يدرك أن المشكلة أعمق من ملف نووي أو مضيق بحري.

النظام الإيراني لا يقوم فقط على السلاح،
بل على:
العقيدة الثورية،
والتقية السياسية،
وصناعة الهيبة،
وتصدير الأزمات،
وخلق عدو دائم يُبرر بقاءه.

ولهذا،
فإن المهادنة الطويلة لا تُنتج تغييرًا حقيقيًا،
بل تمنح النظام وقتًا إضافيًا لإعادة التموضع.

الملالي لا ينظرون إلى المفاوضات بوصفها نهاية للصراع،
بل كمرحلة لإدارة الخسائر،
وشراء الوقت،
والبحث عن فرصة جديدة.

ولهذا أيضًا،
فإن أي اتفاق لا يمس:
بنية الحرس الثوري،
وفكر الثورة،
وشبكات النفوذ العابرة للحدود،
قد يتحول إلى هدنة مؤقتة أكثر منه حلًا جذريًا.

المشكلة الأكبر أن بعض العواصم الغربية ما زالت تتعامل مع إيران بعقلية:
“كيف نُضعف الخطر؟”
وليس:
“كيف ننهي جذور الخطر؟”

وهنا يظهر الفارق بين:
احتواء الأزمة،
وحسم الأزمة.

إيران الحالية ليست مجرد دولة تقليدية لديها خلافات سياسية مع الغرب،
بل مشروع أيديولوجي يعتبر التراجع هزيمة وجودية.

ولهذا،
فإن رفع الراية البيضاء بالنسبة للملالي،
لا يعني خسارة سياسية فقط،
بل انهيار الرواية التي بُني عليها النظام منذ الثورة.

ومن هنا يمكن فهم هذا الإصرار الإيراني على:
المراوغة،
والمكابرة،
وإطالة الوقت،
حتى في أشد لحظات الضعف.

السؤال الأخطر اليوم ليس:
هل تستطيع أمريكا ضرب إيران؟

بل:
هل تريد فعلًا إنهاء المشروع الإيراني بالكامل؟
أم إدارة الخطر ضمن حدود محسوبة؟

لأن الفرق بين الخيارين…
يصنع مستقبل الشرق الأوسط كله.

السؤال الكبير في هذه المرحلة:
بماذا يفكر ترامب؟.. وماذا يريد بالضبط؟

BETH (بث B) – All rights reserved