اللعب في الوقت الضائع

news image

 

ماذا تريد إيران من التلاعب بالوقت؟

تحليل إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B

إيران لا تفاوض اليوم من موقع البحث عن حل كامل، بل من موقع البحث عن بقاء أطول.
والوقت بالنسبة للنظام الإيراني ليس هامشًا دبلوماسيًا، بل سلاح سياسي يُستخدم لتخفيف الضربة، وإرباك الخصم، واختبار صبر واشنطن، وامتصاص الغضب الداخلي.

تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لا تبدو مجرد وصف للأزمة الاقتصادية والضغط الشعبي، بل محاولة لصناعة مشهد مزدوج:
إظهار المعاناة أمام الخارج، وتهيئة الداخل لتحمّل مرحلة أطول من الضيق.

إيران تريد من التفاوض ثلاثة أشياء رئيسية:

أولًا: منع الضربة الكبرى أو تأجيلها.
ثانيًا: إبقاء النظام حتى لو تهدمت أجزاء من الدولة.
ثالثًا: تحويل الضغط الأميركي إلى مسار تفاوضي طويل يخفف الخسائر ولا يفرض الاستسلام.

أما الولايات المتحدة، فتريد اتفاقًا واضحًا ومكتوبًا يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد حربًا مفتوحة بلا نهاية. لذلك تبدو واشنطن حادة في خطابها، لكنها حذرة في اندفاعها العسكري.

السؤال الأهم

هل تعجز أميركا فعلًا عن فرض حل لا يخضع لحسابات إيران ومناورات الوقت؟
أم أن واشنطن تدرك أن أي حسم كامل قد يفتح فوضى أخطر من بقاء النظام نفسه؟

إدارة الوقت أم إدارة الحرب؟

فالمشهد لم يعد مجرد تبادل تهديدات أو تفاوض تقليدي، بل معركة أعصاب طويلة، يحاول فيها كل طرف استنزاف توقيت الآخر قبل استنزاف قوته.

إيران تراهن على عامل الزمن، وعلى تغيّر الحسابات الدولية، وعلى خوف واشنطن من الانزلاق إلى فوضى إقليمية شاملة.
وأميركا تراهن على أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية والنفسية ستدفع طهران في النهاية إلى قبول ما كانت ترفضه سابقًا.

لكن المفارقة الأعمق ربما تكمن هنا:

هل تخشى واشنطن سقوط النظام الإيراني أكثر من بقائه؟

فانهيار دولة بحجم إيران، بتعقيداتها القومية والطائفية والعسكرية، قد لا يعني نهاية الخطر، بل بداية فوضى أكبر يصعب التحكم بها، خصوصًا مع انتشار السلاح، وتشابك الأذرع الإقليمية، واحتمالات الصراع الداخلي.

السؤال المسكوت عنه

ثمة سؤال يطرحه الرأي العام بقوة:
إذا كان الحرس الثوري خطرًا بهذا الحجم، فلماذا تُركت إيران تتمدد في العراق ولبنان واليمن وسوريا لسنوات طويلة؟

الإجابة لا تقوم على سبب واحد.
جزء منها يعود إلى أخطاء الحسابات الأميركية، وجزء إلى الانشغال بملفات أخرى، وجزء إلى الاعتقاد بأن إيران يمكن احتواؤها أو استخدامها ضمن توازنات المنطقة، بدل دفعها إلى انفجار شامل.

أما إسرائيل، فقد تعاملت طويلًا مع التمدد الإيراني كخطر قابل للإدارة، لا كخطر وجودي فوري، طالما أن المواجهة بقيت خارج حدود الانفجار الكبير، وطالما أن الأذرع الإيرانية تُستنزف وتُراقب وتُضرب عند الحاجة.

ودول الخليج، من جهتها، كانت ترى الخطر مبكرًا، لكنها اصطدمت ببرود دولي، وتردد أميركي، وحسابات عالمية لا تنظر دائمًا إلى أمن المنطقة بعين أهلها.

اليوم تغيّر السؤال:
لم تعد المشكلة في “قوة إيران” فقط، بل في أن الحرس الثوري تحوّل إلى بنية عابرة للدولة، قادرة على تهديد الطاقة والملاحة والأمن الإقليمي، وربما ابتزاز العالم كله.

وهنا يبدو أن واشنطن وتل أبيب اكتشفتا متأخرًا أن المكاسب قصيرة المدى من ترك إيران تتحرك لا تساوي الخطر الطويل الذي صنعته.
فالعدو الخبيث قد يخدم توازنًا مؤقتًا، لكنه لا يصلح شريكًا في استقرار دائم؛ لأنه قادر في أي لحظة على قلب الطاولة على الجميع.

الخلاصة الصادمة

لم تُترك إيران لأنها قوية فقط، بل — على ما يبدو — لأن الآخرين ظنوا أن إدارتها أسهل من كسرها.
لكن ما يحدث اليوم يكشف أن إدارة الخطر طويلًا قد تتحول في النهاية إلى صناعة خطر أكبر.

ولهذا، تبدو بعض التحركات الأميركية وكأنها تستهدف:
تعديل سلوك النظام،
لا إسقاط الدولة بالكامل.

وفي المقابل، تبدو إيران وكأنها انتقلت تدريجيًا من مشروع توسع إقليمي إلى مشروع نجاة سياسي.
فبعد سنوات من الخطاب الثوري والتمدد عبر الأذرع، أصبح الهمّ الأول للنظام اليوم هو:
كيف يبقى؟
وكيف يمرّ من العاصفة بأقل الخسائر الممكنة؟

إيران لا تفاوض لتنتصر، بل لتبقى.
وأميركا لا تضغط لتحارب، بل لتنتزع خطرًا بأقل انفجار ممكن.
والوقت بينهما لم يعد ظرفًا، بل سلاحًا.

السؤال الأخطر

هل الخلافات داخل النظام الإيراني حقيقية؟

قد يكون بعضها حقيقيًا بفعل الضغط والخسائر، لكن النظام الإيراني بارع تاريخيًا في صناعة صورة الخلاف حين يحتاج إلى المناورة. يظهر التباين أحيانًا بين السياسي والعسكري، وبين الحكومة والحرس، وبين المرشد والرئيس، لكنه في اللحظات المصيرية يعود دائمًا إلى قاعدة واحدة: بقاء النظام أولًا.

حتى لو استند ذلك إلى تفاهمات هشة، أو تعاون غير معلن مع “العدو” بمختلف أشكال التعاون غير المباشر.
فهذه ربما تكون الحالة الوحيدة التي قد تُرضي العدوين الظاهرين أمام العالم، طالما أن النتيجة النهائية تمنع الانهيار الكامل وتُبقي الصراع تحت السيطرة.

لذلك لا ينبغي قراءة تصريحات بزشكيان كاعتراف بريء بالضعف فقط، بل كجزء من إدارة الأزمة. فهو يقول للشعب: تحمّلوا. ويقول للخارج: نحن تحت ضغط إنساني. ويقول لأميركا: أي انهيار شامل قد يفتح فوضى لا تريدونها.

كيف تنتهي معركة التفاوض؟

الأرجح أنها لن تنتهي باستسلام إيراني كامل، ولا بانتصار أميركي نظيف.
قد تنتهي بصيغة قاسية ومبهمة: تعهدات مكتوبة، رقابة أشد، تنازلات مؤلمة، وهدنة مشروطة قابلة للانفجار عند أول خرق.

وكيف تنتهي الحرب؟

الحرب لا تنتهي بمجرد وقف النار.
تنتهي حين يزول مصدر الخطر أو يُحاصر. والخطر هنا ليس في إيران كدولة أو شعب، بل في بنية النظام التي جعلت المواجهة عقيدة، والتصعيد وسيلة بقاء، والحرس الثوري دولة داخل الدولة.

القضاء على ما تبقى من إيران ليس حلًا، بل كارثة.
أما تحييد رؤوس الخطر داخل النظام، وتفكيك أدوات الحرس الثوري، وتجفيف شبكات النفوذ والتمويل والتسليح، فقد يكون الطريق الأقرب لإزالة التهديد دون تدمير الدولة.

الخلاصة المباشرة

إيران لا تلعب من أجل الفوز، بل من أجل عدم السقوط.
وأميركا لا تضغط من أجل الحرب فقط، بل من أجل اتفاق يمنع الخطر دون أن يشعل المنطقة.
وبين الطرفين، يتحول الوقت إلى ساحة معركة: من يملك أعصابه أكثر، يفرض شروط النهاية.

BETH (بث B) – All rights reserved