استغباء الجمهور
(أو: الاستهانة بالجماهير)
كتب – عبدالله العميره
ما الذي يحدث فعلًا؟
ما نراه في بعض البرامج الرياضية – ثم السياسية، ثم الاقتصادية – ليس عفويًا،
بل هو:
تعامل مع الجمهور بوصفه مادة قابلة للتوجيه، لا عقلًا قابلًا للفهم.
وهذا يقودنا إلى تعريف أدق:
استغباء الجمهور
هو إنتاج محتوى يفترض:
ضعف الإدراك
قصر الذاكرة
قابلية الانقياد
غياب الربط بين السبب والنتيجة
مع الاعتماد على:
الإثارة
التكرار
الصوت العالي
الاستقطاب
بدل المعلومة والتحليل.
هل يعتقد الإعلام فعلًا أن الجمهور غبي؟
الإجابة الصادمة: نعم…
وبعضه يفعل ذلك عن قناعة علمية زائفة.
لكن لنكن دقيقين.
هناك ثلاث فرضيات يعمل بها الإعلام المخادع:
1) فرضية «أدنى مشترك عقلي»
يُبنى المحتوى على أن:
الجمهور الأوسع = الأقل تحليلًا
الفهم العميق «لا يجذب»
البساطة المفرطة = انتشار
الخطأ الجوهري هنا:
الخلط بين التبسيط والتسطيح.
2) فرضية «الجمهور ينسى بسرعة»
يعتمد المخادع على:
دورة خبرية قصيرة
انشغال دائم
قضايا تتراكم دون محاسبة
فيُقال:
«قل اليوم ما تشاء… غدًا سيأتي موضوع آخر»
وهي فرضية جزئية صحيحة، لكنها قصيرة الأجل وخطرة.
3) فرضية «الانفعال يسبق العقل»
وهي الأخطر.
تقوم على مبادئ نفسية معروفة:
الغضب يُعطّل التحليل
التعصب يُغلق الاستماع
الهوية تهزم المنطق
فيُصنع المحتوى ليستفز:
النادي
الحزب
القبيلة
الأيديولوجيا
لا ليشرح… بل ليُشعل.
من الناحية النفسية: لماذا ينخدع بعض الجمهور؟
هنا نكون منصفين.
نعم، بعض الجماهير تنخدع،
لكن ليس لأنها غبية، بل لأن:
الإجهاد المعرفي:
المتلقي مرهق، يعمل، يركض، ولا يملك دائمًا وقت التحقق.
التحيز التأكيدي:
الإنسان يميل لتصديق ما يؤكد قناعته، لا ما يصححها.
التكرار يصنع الألفة:
ما يُكرر كثيرًا يبدو «صحيحًا».
لكن…
وهنا النقطة الجوهرية:
هذا لا يبرر خداعه أخلاقيًا ولا مهنيًا.
من الناحية المهنية: متى يصبح الأمر جريمة إعلامية؟
عندما ينتقل الإعلام من:
تفسير الواقع
إلى
تشكيله زيفًا.
وهنا ندخل في:
تضليل
توجيه رأي عام
صناعة وعي كاذب
وفق آليات معروفة، مثل:
الانتقاء المتحيز
الإطار المضلل
ترتيب الأولويات الوهمية
هل يمكن «الاستثمار بالجماهير» دون أن يشعروا؟
نعم…
لكن ليس إلى الأبد.
كل تجربة تاريخية أثبتت أن:
الجماهير قد تُخدع مؤقتًا
لكن الوعي يتراكم
ثم يحدث الانفجار:
فقدان ثقة
هجرة منصات
سخرية عامة
انهيار مصداقية
أخطر خسارة إعلامية ليست انخفاض المشاهدة،
بل تحوّل الجمهور من متلقٍ إلى ساخر.
متى يحترم الإعلام عقول الناس؟
ليس حين «يتحسن ذوقه»…
بل حين يُضطر.
يحترم العقول عندما:
يصبح الجمهور قادرًا على المقارنة
تتعدد المنصات الجادة
يُكافأ العمق لا الصراخ
يُقاس التأثير لا الضجيج
كيف يُبنى إعلام لا يستغبي جمهوره؟
وهنا نصل إلى الجوهر.
الإعلام الذي يحترم الجمهور:
لا يفترض الغباء
ولا يغازل النخبة
بل يرتقي بالجمهور دون وعظ
يعتمد على:
وضوح بلا تسطيح
تحليل بلا تعالٍ
إثارة ذكية لا رخيصة
صراحة بلا تلاعب
وهذا ما يمكن تسميته بـ:
الإثارة الإيجابية.
خلاصة صادمة
المشكلة ليست في الجمهور
ولا في صعوبة الفهم
بل في إعلام يخاف من جمهور يفهم
لأن الجمهور الواعي:
لا يُقاد
لا يُستثمر فيه بسهولة
ولا يُغفر له الكذب
أمثلة صادمة… حين يُستغفل الجمهور علنًا
إذا أردنا أمثلة صارخة – محلية وعالمية – فسنجدها بكثرة، خصوصًا في القضايا السياسية، وبشكل أوضح في ملفات الحروب.
محليًا، ومن باب التوضيح لا التشهير،
تُعد بعض الممارسات الإعلامية في البرامج الرياضية مثالًا حيًا على استغباء الجمهور.
ومن ذلك – على سبيل المثال – استضافة رئيس نادي الشباب في أحد البرامج الرياضية الشهيرة، في سياق نقاش سابق أثار جماهير عدة أندية، وتحديدًا حول طريقة انتقال لاعب من نادي الشباب إلى الهلال في أغسطس 2023.
طريقة إدارة الحوار، وانتقاء الزوايا، وتوجيه النقاش، عكست افتراضًا واضحًا بأن الجمهور:
لا يفهم
لا يربط
ولا يقرأ ما وراء المشهد
ولا يوجد أسوأ من إعلام يتعامل مع جمهوره وكأنه جمهور غبي.
ذُكرت الرياضة هنا لأنها:
النشاط الأكثر ارتباطًا بالجماهير
والأكثر تنوعًا في الوعي والعقليات
والأكثر قابلية للاستغلال العاطفي
وهو ما يعوّل عليه الإعلام المضلل.
السؤال الذي يفرض نفسه:
في مثل هذه الحالات…
من الغبي؟
الإعلام… أم الجمهور؟
إشارة ختام
الإمتاع يصنع وعيًا هادئًا ويترك أثرًا طويلًا، لأنه يحترم عقل الجمهور ويمنحه متعة الفهم.
أما الإثارة السلبية فترفـع الضجيج لحظة، ثم تترك فراغًا وسلوكًا مشوشًا، له تأثيرات سلبية في المستقبل، لأنها تُحرّك الغرائز لا الفكرة.