الذكاء الاصطناعيّ بين ضفَّتَيْ العقل والروح

news image

 

د. حسن زين الدّين*

دخلَ العالَمُ عصرَ الذكاء الاصطناعي بقوّة، مُستنِداً إلى ثورةٍ تكنولوجيّة غير مسبوقة غيّرت ملامح الحياة بتجلّياتها وظواهرها المُختلفة، وأَحدثت تحوّلاتٍ عميقة في أنماط التفكير وأساليب العيش. غير أنّ هذا المَسار العلميّ المُنصرِف كليّاً إلى تسريع وتيرة التطوُّر وإشباع حاجات الواقع المادّي، نادراً ما يَلتفت إلى دروس الماضي وعِبَرِهِ أو إلى احتياجات الإنسان غير الماديّة من قيَمٍ روحيّة وثقافيّة وتراثيّة، وهي مقوّمات لا تقلّ أهميّة عن إشباع الحاجات المعيشيّة، بل تفوقها في قدرتها على صوْن التوازُن النفسيّ والاجتماعيّ.

هنا تَبرز أسئلةٌ مُقلِقة: هل يَضمن هذا التحوّلُ رخاءَ الإنسان وسعادتَه الحقيقيّة؟ ما المَخاطر المُترتّبة على الارتهان الكامل له؟ أَلَسنا مُهدَّدين بأن نَجِدَ أنفسَنا، بعد بهوتِ نشوة الانبهار العِلمي، أمام فراغٍ روحيّ يولِّد أزماتٍ نفسيّة ووجدانيّة تمسّ عُمقَ الذّات البشريّة وتُفرغ منجزاتِ العِلم من معناها الإنساني؟ وكيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يَتعامل مع أبعادنا الأخلاقيّة والوجدانيّة، أو أن يُحافظ على منظومة قيَمِنا وهويَّتِنا الثقافيّة والعقائديّة في وسطِ هذا السيل الجارف؟ وما الخَطر الذي يَتهدّد الإنسانَ حين يختلط وهْجُ التقنيّة بمكوّنات روحه وعقيدته وتراثه؟

عبقريّة الإنسان مُقابل ذكاء الآلة

من هنا يَبدأ التحدّي الحقيقي: أن نُواجِه هذه الأسئلة بوعيٍ ومسؤوليّة، لإعادة إنتاج منظومة قيميّة وثقافيّة تُواكِب العصرَ من دون أن تُخِلّ بتوازُنِ الإنسان، وتحول دون هيْمَنَةِ القوانين العلميّة الصارمة على حساب المشاعر والأحلام والخيال. فمهما بلغتْ قدراتُ الذكاء الاصطناعي في حلِّ أعقد المسائل العلميّة، سيبقى عاجزاً عن الإجابة عن أسئلة الوجود والمعرفة وعن حسْمِ القضايا الفلسفيّة التي شَغلتِ العقولَ منذ أفلاطون والغزالي وابن رشد وحتّى يومنا هذا. فالذكاء الاصطناعي قادرٌ على المُحاكاة والتعلُّم، لكنّه يَفتقر إلى التجربة الوجدانيّة التي تُكسِب الإنسانَ تفرُّدَه. فلو استعانَ مايكل أنجلو بآلةٍ ذكيّة ليُعبِّرَ عن إعجابه بصنيعه الشهير "موسى"، لَما أجابته بأن يَطلب من المنحوتة أن تتكلّم كما فعلَ حين غمرته نشوةُ النجاح وصرخَ "تكلّم"، لأنّ العِلمَ لا يقرّ بأنّ الحَجَرَ يَنطق، لكنّ العاطفة تتجاوز منطق العِلم. هذا المثال يُلخِّص جوهرَ الفارق بين عبقريّة الإنسان وذكاء الآلة: فالعِلم يَكتشف، لكنّ الإحساس يُبدع.

ضرورة التكامُل بين العلوم الإنسانيّة والعلوم البحتة

هنا تَبرز ضرورة ألّا نستسلم لسطوة التكنولوجيا، ولا نَرمي جانباً ما راكمَتْهُ الإنسانيّةُ عَبْرَ القرون من أدبٍ وفنٍّ وشعرٍ ولغاتٍ وعلومٍ إنسانيّة، فهذه المجالات هي الوعاء الذي يَحفظ التجربة البشريّة ويُهذِّب منجزات العِلم. لذلك يجب ألّا تُهمَل العلوم الإنسانيّة مقابل التكنولوجيا، بل لا بدّ من وضعِهِما في مَوقِع التكامُل لتحقيق الهدف الأسمى: إسعاد الإنسان ورفْع مستوى حياته الماديّة والروحيّة معاً. إنّ الفصلَ بين العلوم البحتة والعلوم الإنسانيّة لَهُوَ خطأ جسيم. فالعِلم من دون قيَم طاقةٌ بلا اتّجاه، والروح من دون معرفة عاطفة بلا أداة. لقد كانت العلومُ الإنسانيّة عَبْرَ التاريخ مَنبعَ التفكير النقدي والذكاء العاطفي، والمَصدرَ الأعمق لإشباع الحاجات الروحيّة للمُجتمعات. إلّا أنّ الواقع المعاصر يَكشف عن تراجُعٍ خطير في الإقبال عليها في معظم الدول العربيّة؛ ففي لبنان مثلاً، انخفضَ عددُ المتقدّمين لشهادة الثانويّة العامّة في فرع الآداب والإنسانيّات خلال عقدٍ واحد بنحو 90%، ولم يَتجاوز عددُ الناجحين هذا العام بضعَ مئاتٍ مقابل الآلاف في فروع العلوم العامّة. هذا التراجُع يُنذِر بإغلاق أقسامٍ كاملة في كليّات الآداب والعلوم الإنسانيّة، بما يشير إلى تآكُل منظومتنا القيَميّة، ووأدِ الإبداع الفكري، وتراجُعِ خطابنا الثقافي والإنساني، وصولاً إلى اضمحلال القيَم التي تَحفظ توازُنَنا الحضاري.

لقد أَدركت قوى الهيْمنة العالميّة هذا الخَلَلَ فاستغلَّت ضَياعَنا الفكري لتثبيتِ نفوذها؛ إذ بَعد تفوّقها العسكري والتقني راحت تتسلَّل إلى أعماقنا الثقافيّة لتفكِّكَ منظوماتنا الأخلاقيّة وتغرس فينا عقدةَ النقص أمام أنموذجها الحضاري. ومع انبهارنا الأعمى بالتقنيّات الحديثة، انجرفْنا وراء ثقافة التفاهة التي تَدعمها وسائل التواصل وتَختبئ وراء شعارات الانفتاح والحريّة، حتّى باتت مُجتمعاتُنا مُهدَّدةً بفقدان هويّتها الروحيّة وبإغراق أجيالنا في الاستهلاك واللّهو على حساب الفكر والإبداع.

الطريق نحو التوازُن الإنسانيّ والتقنيّ

إنّ الابتعاد عن مواقع قوّتنا الحضاريّة سيؤدّي حتماً إلى سقوطنا أمام القوى الطامعة. لذلك علينا أن نُعيد الاعتبار لعلومِنا وثقافتنا ولغتنا العربيّة التي تتعرَّض لتهميشٍ خطير، وأن نَرفع مستوياتنا الفكريّة واللّغويّة والقيَميّة، ونُعزِّزَ معرفَتَنا بتاريخِنا المضيء منذ فجر الحضارة العربيّة - الإسلاميّة حتّى العصر الحديث. كما يجب أن نُرسِّخ ثقافةَ العيش المُشترَك والألفة بين شعوبنا وسائر الأُمم؛ وعليه نرى أنّ القيَم الإنسانيّة التي تَجمعنا هي أوسع من كلّ الفوارق. وأُولى الخطوات نحو هذا الهدف تكون بإعادة التوازُن بين مَن يتّجهون إلى العلوم التطبيقيّة ومَن يَنخرطون في العلوم الإنسانيّة، وتشجيع الشباب على دخول ميدان الإنسانيّات الحيوي وتأمين فرص عمل تليق بخرّيجيه. وإذا توهَّمنا أنّنا قادرون على مُنافَسة الغرب في مجالات الذكاء الاصطناعي الصلبة والتكنولوجيا نكون قد ضَلَلْنا الطريق. فمجال تفوّقنا الطبيعي هو في بناء الشخصيّة العربيّة المُستنيرة القائمة على العِلم والإبداع الأدبي واللّغوي والفنّي والإعلامي والتراثي - وهي المجالات التي تُشكِّل هويّتَنا الحضاريّة وتَمنحنا تميُّزَنا الإنساني. وليس المقصود بالاهتمام بالعلوم الإنسانيّة الانغلاق على العصر، بل إدخال العصر الرقمي إلى صلبها نفسها؛ إذ يُمكن أن تتحوَّل الفلسفة النظريّة إلى فلسفةٍ تطبيقيّة تُعالِج قضايا الأخلاق والسياسات العامّة، تماماً كما انتقلتِ الرياضيّاتُ والفيزياء من النظريّة إلى التطبيق فانطلقت الثورة الخوارزميّة والابتكارات الكبرى. كما يُمكن ربْط عِلم النَّفس واللّغة، ولاسيّما اللّغة العربيّة، والفنون بالتقنيّات الحديثة لبلورةِ مساحاتٍ جديدة للإبداع والمعرفة وإيجادِ فُرصٍ جديدة للعمل.

التكامل بين العلوم الإنسانيّة والعلوم البحتة ليس تَرفاً فكرياً، بل هو شرطٌ أساسي لحماية المُجتمعات من التفكُّك وضمان مستقبلٍ مُتوازنٍ ومُستقرّ. فالمَسار العلمي وحده، مهما بَلَغَ من تطوُّر، لن يُحقِّق للبشريّة رفاهَها واستقرارَها ما لم يُرافقه مسارٌ إنسانيّ يُهذِّب منجزات العِلم ويعيدها إلى حضن الإنسان. بذلك فقط نحيا في عالَمٍ يُطوِّع الطبيعة لا بدافع الجشع المادّي والأنانيّة، بل انطلاقاً من قيَم الأخوّة والتكامُل بين البشر. إنّ الذكاء الاصطناعي بقدراته الخارقة قد يُغيِّر وجهَ العالَم، لكنّه لن يستطيع أن يحلّ محل الفلسفة والفنّ والخيال والشعر والوجدان. فالمُعادَلة الحقيقيّة تقوم على بناء توازنٍ خلّاقٍ بين العقل الخوارزمي والعاطفة الإنسانيّة. عندها فقط نُحافِظ على إنسانيّتنا في زمنٍ تحكمه الآلات، ونُبقي للعالَم روحَه التي تتغذّى من الحوار والتنوُّع والاختلاف.

*عميد سابق لكليّة العلوم - الجامعة اللّبنانيّة 

مؤسسة الكر العربي