علوم القوم
كتب | عبدالله العميره
في الموروث الشعبي يقال:
«خذ علوم القوم من سغاهها»
أي إن أردت أن تفهم ما يفكر به قوم، فلا تنظر إلى خطابات حكمائهم، بل إلى ما يردده صبيانهم في الأزقة.
هذه الحكمة البسيطة، لو أُعيد تأملها، لوجدنا أنها لا تنطبق على المجتمعات فقط… بل على الدول.
إذا أردت أن تعرف ما تفكر فيه دولة، وما تخشاه، وما تحاول إخفاءه، فلا تراقب بياناتها الرسمية وحدها، بل راقب:
سفهاء إعلامها
طبيعة البرامج التي تُدفع للواجهة
اللغة التي تُلوك يوميًا بلا مضمون
الموضوعات التي يُعاد تدويرها حتى الملل
هنا تبدأ علوم القوم بالظهور.
الإعلام مرآة اللاوعي الجمعي
في علم نفس الإعلام، لا يُنظر إلى الخطاب بوصفه أداة إقناع فقط، بل بوصفه كاشفًا.
الإعلام، خصوصًا حين ينحدر، لا يعكس ما تريد السلطة قوله، بل ما تخافه.
كل خطاب متكرر، كل نبرة دفاعية، كل تبرير زائد عن الحاجة، هو إشارة إلى خلل أعمق:
إما فقدان ثقة
أو خوف من انكشاف
أو عجز عن إقناع بالفعل… فيلجأ إلى الصوت
ولهذا قيل:
قل لي ماذا تُعلّم… أقول لك أي شعب أنت.
لكن الأخطر:
قل لي كيف تُعلّم، وبأي لغة، وبأي استخفاف بالعقل.
من يشكّل الرأي العام؟
السؤال الساذج يقول: الإعلام.
أما السؤال الحقيقي في علم الخطاب فيقول:
من يملك القدرة على تحديد ما يُقال وما لا يُقال؟
الرأي العام لا يُشكَّل فقط عبر الأخبار، بل عبر:
ما يُهمَّش
ما يُسخر منه
ما يُعاد تأطيره كـ «تفاهة»
وما يُدفع للترند قسرًا
وهنا لا يكون الإعلام صانعًا للرأي العام فقط،
بل مُفكِّكًا له حين يُفرغه من المعنى.
الذباب الإلكتروني: عرض مرضي لا أداة قوة
في المجتمعات المتخلفة سياسيًا أو معرفيًا، يظهر ما يُسمّى بـ «الذباب الإلكتروني».
وهو ليس ظاهرة قوة… بل عرض مرضي.
الذباب:
لا يقنع
لا يحاور
لا يبني سردية
بل يطنّ فقط
مهمته:
المديح الأعمى
الدفاع عن الخطأ
الهجوم على النقد
تحويل النقاش إلى ضجيج
ومن السهل جدًا، تقنيًا، مراقبة آلاف بل مئات الآلاف منهم.
لكن المستحيل هو جعل الناس تصدّق ما يقولونه،
وهي ترى الفعل السيئ معلنًا، موثّقًا، ومتكررًا.
وهنا تحدث المفارقة الكبرى.
لماذا ينتج الذباب نتيجة عكسية؟
السؤال الكبير:
لماذا يعتقد صانعو الذباب أنهم ناجحون،
بينما هم عمليًا ينتجون مضادًا لما يدافعون عنه؟
الجواب في علم النفس:
لأنهم يقيسون النجاح بالضجيج، لا بالأثر.
وبالانتشار، لا بالإقناع.
وبعدد الحسابات، لا بتغيّر القناعات.
هم يخلطون بين:
السيطرة على الفضاء الرقمي
والسيطرة على العقل
ولا يدركون أن:
كل طنِين زائد
يعني فقدان ثقة إضافية.
السؤال الأعظم: هل يصدقون أنفسهم؟
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر:
هل يشعر صانعو الذباب فعلًا أنهم صادقون؟
في كثير من الحالات… نعم.
لكن ليس لأنهم يؤمنون بالحقيقة،
بل لأنهم يعيشون داخل فقاعة خطابية مغلقة.
هم:
يسمعون بعضهم
يكررون بعضهم
ويصفقون لبعضهم
حتى يظنوا أن العالم كله يردد ما يقولون.
وهذا أخطر أشكال التضليل:
أن تُضلَّل أنت أولًا… ثم تحاول تضليل غيرك.
ما العلاقة بين الذباب الإلكتروني والشائعة؟
الذباب هو وسيلة النقل، والشائعة هي المادة المنقولة.
الذباب يضخّ الشائعة، يكرّرها، ويمنحها ضجيجًا مصطنعًا، لكنه لا يخلقها من فراغ؛ بل يستثمر ثغرة نفسية أو فراغًا معرفيًا موجودًا أصلًا.
أيهما أطول عمرًا وتأثيرًا؟
الشائعة أطول عمرًا.
الذباب يختفي بتوقف التمويل أو التوجيه، أما الشائعة فتبقى لأنها تعيش في الشك والخوف والفضول داخل عقل الإنسان.
لماذا الشائعة؟
لأنها لا تخاطب العقل…
بل تُطمئن الخائف، وتُبرّر الغاضب، وتُغري المتردد.
ولهذا تنتشر حين يغيب الوضوح، ويضعف الفعل، ويُستبدل الصدق بالضجيج.
محاربة الشائعة بالذباب تُطيل عمرها وتمنحها شرعية التداول.
الشائعة تُهزم بالفعل والوضوح… لا بالضجيج.
خاتمة
«علوم القوم» لا تُقرأ في البيانات،
ولا تُفهم من الشعارات،
بل تُستخرج من:
طريقة الحديث
نوعية البرامج
مستوى الذكاء المفترض للجمهور
وحين يكثر الذباب،
فاعلم أن هناك خوفًا…
وحين يعلو الطنين،
فاعلم أن الفعل أضعف من أن يُدافع عنه بالعقل.
في النهاية،
العقول لا تُقنعها الأصوات العالية،
بل الأفعال الصادقة.
ومن لا يملك فعلًا…
سيظل يطن.
___________________
الصورة:
حين تُضاء المنصات قبل أن يولد المعنى،
يتحول الكلام إلى ضجيج… حتى وإن خلا المكان.