حين يُستثمر الجهل… من يدفع الثمن؟

news image

النقد ليس تهديدًا… بل نظام إنذار

✍️ عبدالله العميره

 

مقدمة قصيرة شارحة

ليست كل معركة تُخاض في الميدان… بعض المعارك تبدأ في العقول.
وحين تُستبدل الكفاءة بالضجيج، ويُطرد النقد لصالح المديح، يصبح الجهل “استثمارًا” سريع الربح… لكنه عالي التكلفة. هذا المقال ليس شكوى، ولا جلد ذات، بل قراءة في مسار يتكرر: كيف يتوقف الإنسان حين يفقد المعنى، وكيف تتهدد المؤسسات حين تتعامل مع النقد كعدو، وتتعامل مع التزلّف كحليف.

 

سؤال الإنسان حين يقف وحده

سأسميه: سؤال الإنسان حين يقف وحده.
ليس فلسفة مجرّدة… بل خبرة حياة مكثّفة.

ما الذي يجعل الإنسان يتوقّف عن العمل؟

ليس التعب… فالتعب يُحتمل.
وليس الفشل… فالفشل يُعلِّم.

الذي يُوقف الإنسان حقًا هو فقدان المعنى.
حين يشعر أن ما يفعله:

لا يُرى،

لا يُقدَّر،

أو يُستَخدم ضده،

يتوقّف… لا لأن قدرته انتهت، بل لأن روحه انسحبت بهدوء.

وما الذي يُشعله؟

ثلاثة أشياء فقط:

الإيمان بأن ما يفعله صحيح… حتى لو لم يصفّق أحد.

إحساس داخلي بالرسالة… لا وظيفة، لا منصب، لا مكافأة… بل معنى.

كرامة الفعل… أن يعمل لأنه يرفض أن يكون أقل من نفسه.

 

الإحباط الذي يصنع الأمل

الإحباط نوعان:

إحباط يُكسرك،

وإحباط يوقظك.

الثاني يقول لك:

إذا لم يفهموني… سأصبح أوضح.

إذا لم يدعموني… سأصبح أقوى.

إذا أغلقوا الأبواب… سأصنع نافذة.

كثيرون لم ينجحوا رغم الإحباط… بل بسببه.

 

حين لا يفهمك أحد… أو لا يريد أن يفهمك

هنا يجب التمييز:

من لا يفهمك → يمكن الشرح له.

من لا يريد أن يفهمك → لا تُهدر طاقتك معه.

الذي لا يريد أن يفهمك غالبًا:

يرى فيك تهديدًا،

أو مرآة تُحرجه،

أو فكرة خارج سيطرته.

والتعامل معه يكون بـ: الهدوء + المسافة + الاستمرار.
ليس كل من خالفك عدوًا… لكن بعضهم لا يصلح أن يكون رفيق طريق.

 

الوعود الكاذبة… تخدير لا اتفاق

الوعود الكاذبة تُواجه بـ:

ذاكرة يقظة،

حدود واضحة،

وأفعال مستقلة عن وعود الآخرين.

تعلّم أن:
الوعد الذي لا يُدعمه فعل… ليس وعدًا، بل تخديرًا مؤقتًا.

ماذا نسمي من يعد ولا يفي؟

ببساطة:

إن تكرّر الأمر → غير موثوق.

إن كان يعلم عجزه ويعدك → مُضلِّل.

إن وعد لمصلحته ثم اختفى → انتهازي.

والحكمة ليست في تسميته… بل في عدم الاعتماد عليه مرة أخرى.

 

هل يمكن أن يتحوّلوا؟

أحيانًا نعم… لكن ليس بسببك.
الناس يتغيرون عندما:

تتغير مصالحهم،

أو يُهددهم الفقد،

أو يصطدمون بالواقع.

نادراً ما يتغيرون لأنك أقنعتهم.

 

هل نتغير لتكون معهم؟

هنا السؤال الأخطر:

هل التغيّر تطوير؟ → افعل.

أم تنازل عن الجوهر؟ → لا تفعل.

التغيّر الذي يجعلك أكثر وعيًا → نضج.
والتغيّر الذي يجعلك أقل صدقًا → خيانة للذات.

 

كيف سيُقرأ هذا المقال… ولماذا لا يجب أن يُساء فهمه؟

1) هل هو تنفيس عن حالة نفسية؟

للقارئ السطحي: نعم.
لأن السطحي يرى النصوص من زاوية واحدة: كاتب متأثر – غاضب – محبط.
لكن هذا ليس عيب النص… بل محدودية القارئ.
النصوص العميقة تُتّهم بأنها شكوى؛ لأنها تضع القارئ أمام مرآة لا يحبها.

2) أم “روشتة” طبيب في علم نفس الإعلام؟

للقارئ الواعي: نعم وبقوة.
فهو في جوهره:

تشخيص لسلوكيات مؤسسية،

تحليل لعلاقة القرار بالوعي،

كشف لآلية خطيرة: كيف يُستثمر الجهل حتى يتحوّل إلى أزمة.
وهنا يصبح المقال: ليس رأيًا… بل إنذارًا مبكرًا.

3) أم مثال لحالات ينتجها العقل؟

هو الثلاثة معًا… لكن بالمعنى المهني:
تجربة إنسان يفهم اللعبة، وعقل يربط بين الفكرة والسلوك والنتيجة.
قراءة لما يحدث عندما:

يُترك الجهل بلا تصحيح،

ويُمنح الصوت بلا وعي،

ويُستبدل النقد بالمجاملة.

 

لماذا يجب أن يُقرأ كأولوية لأصحاب القرار؟

هنا الفارق الحقيقي بين مسؤول وشاغل منصب:

المسؤول الواعي سيقرأه كـ مذكرة غير رسمية لإدارة المخاطر الإعلامية.

وغير الواعي سيقرأه كـ تشكيك، أو هجوم، أو “كلام فلسفي”.

وهنا نقطة المقال:
الإعلام ليس ترفًا…
والجهل حين يُكافأ يتحول إلى كارثة…
والصمت عن الخطأ أخطر من الخطأ نفسه.

 

حين يُترك الجهل حتى يتمادى

اليوم تُشاع قصص عن إيقاف مذيع يلعب في ساحات الإعلام الرياضي… تُرك حتى تمادى، ولم ينتفع من الملاحظات والدروس.
القضية هنا ليست شخصًا… بل نمطًا:

جهلٌ يُترك،
ملاحظاتٌ تُهمل،
تمادٍ يُبرَّر،

ثم صدمة… ونهاية فاضحة،
قد تبدأ بشائعة، لكنها تقع لا محالة.

وفي منطق العمل الصحفي،
ليست الشائعة بذاتها هي الخطر،
بل البيئة التي تسمح لها بالتحقق؛
فالخبر – صادقًا كان أو زائفًا –
لا يتحول إلى واقع إلا حين تتوافر له الظروف،
ويغيب الوعي،
ويُترك الخطأ بلا تصحيح.

وهنا مربط الفرس:
الانسياق خلف الجهل والاستثمار فيه لا ينتهي إلا بخسارة الجميع:
(الفرد – المؤسسة – الثقة – الجمهور).
هذا ليس شماتة… بل درس مهني.

 

لماذا يكره بعض المسؤولين النقد؟ ولماذا يحبون النفاق؟

لأن النقد:

يُقلق السلطة الهشّة،

يُسائل القرار الكسول،

ويُربك من بنى مكانته على الصمت لا الكفاءة.

بعضهم لا يكره النقد لأنه خاطئ… بل لأنه:

يكشف ضعفًا،

أو يهدد صورة مصطنعة،

أو يفرض مسؤولية لا يريدها.

أما النفاق والتزلّف، فلأنه:

مريح،

لا يطلب تغييرًا،

لا يفتح ملفات،

ولا “يوجع الرأس”.

المديح الزائف يقول: أنت ممتاز… لا حاجة للمراجعة.
بينما النقد يقول: توقف… هناك خلل.
والفرق بينهما:

الأول يؤخر الانفجار،

والثاني يمنعه.

 

خاتمة: هذا النص لا يطلب تصفيقًا… بل مراجعة

هذا المقال ليس شكوى،
بل قراءة في مسار يتكرر:
حين يُقصى الوعي،
ويُحتفى بالضجيج،
ويُكافأ الجهل…
تكون النهاية دائمًا مؤلمة… مهما تأخر المشهد.

هذا النص لا يطالب بتصفيق… بل بمراجعة.