عندما تلتقي التجربة مع الأكاديمي…

news image

 

كيف يولد وعي إعلامي ناضج؟

✍️ عبدالله العميره

لا تأتي الأفكار الكبرى دائمًا من الكتب،
ولا تولد الرؤى العميقة بالضرورة في قاعات المحاضرات.

أحيانًا…
تولد من صورة.

صورة تختصر مسارًا،
وتفتح سؤالًا،
وتستدعي ذاكرة مهنة كاملة.

 

صورة قالت أكثر مما كتب

قفزت هذه الفكرة إلى ذهني بعد أن تلقيت رسالة من الصديق الدكتور تركي العيار، أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود بالرياض، مرفقة بصورة تجمعه بالصحفي القدير الأستاذ عبدالله الضويحي، أحد رموز الصحافة الرياضية السعودية، وصاحب تجربة مهنية ثرية وخلق رفيع.

لم تكن الصورة عادية.
كانت لقاء علمٍ بتجربة،
وأكاديمية بممارسة،
وتاريخٍ نظري بمسارٍ ميداني.

وفي رسالته – التي غرد بها – كتب الدكتور العيار:

«سعدت كثيرًا صباح اليوم السبت باللقاء الذي أعاد إلى الذاكرة مسيرة إعلامية رياضية مشرفة، مع الزميل أ. عبدالله الضويحي، أحد القامات البارزة في الإعلام الرياضي السعودي، ورئيس القسم الرياضي سابقًا في جريدة الرياض.
لقد قدّم نموذجًا مهنيًا راقيًا في العمل الصحفي الرياضي، جمع فيه بين العمق التحليلي، والطرح المسؤول، والالتزام بأخلاقيات المهنة، فكان قلمه حاضرًا بموضوعيته، ونقده مؤثرًا بتوازنه، وإدارته نموذجًا يُحتذى.
تاريخ حافل بالعطاء، وإنجازات تركت أثرًا واضحًا وبصمة لا تُنسى في مسيرة الصحافة الرياضية السعودية، وسيبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة المهنة كأحد صنّاعها الحقيقيين.»

هذه الكلمات لم تكن مجاملة.
كانت تشخيصًا مهنيًا لمعنى أن تكون التجربة جزءًا من صناعة المعرفة.

 

سؤال يتكرر… لكن الإجابة نادرة

عندما قرأت الصورة والرسالة معًا،
عاد السؤال الذي كتبته مرارًا في مقالات سابقة:

ماذا يحدث عندما تتوافق الخبرة مع العلم في الإعلام؟

الجواب ليس نظريًا…
بل نراه حيًا في مثل هذه اللقاءات.

 

نظريات الإعلام… من يرسمها حقًا؟

وجهة نظري – التي أكررها عن قناعة – أن:

نظريات الإعلام يرسمها الممارسون… ويحدّدها الأكاديميون.

فلا نظرية إعلامية وُلدت في فراغ،
ولا ممارسة مهنية ناضجة يمكن أن تستغني عن الإطار العلمي.

واضعو نظريات الإعلام لم يكونوا فئة واحدة،
بل مزيجًا من:

باحثين

أكاديميين

مفكرين

وممارسين من خلفيات متنوعة

جميعهم ساهموا في تفسير:
دور الإعلام،
وسلوكه،
وتأثيره في المجتمعات.

ومن أبرزهم:

مارشال ماكلوهان (الوسيط هو الرسالة)

جورج جيربنر (نظرية الغرس الثقافي)

ألبرت باندورا (التعلم الاجتماعي)

ريتشارد دافت وروبرت لينجيل (نظرية ثراء الوسائط)

لكن السؤال الجوهري:
هل كانت هذه النظريات لتولد لولا ملاحظة الواقع الإعلامي كما هو؟
وهل كانت لتستمر لولا اختبارها في الميدان؟

 

حين لا يتعالى العلم… ولا تتيه التجربة

الخلل لا يحدث عندما يلتقي الأكاديمي بالممارس،
بل حين ينفصل أحدهما عن الآخر.

أكاديمي بلا ممارسة… قد يُجيد الشرح لكنه يفتقد النبض.

ممارس بلا علم… قد ينجح مؤقتًا لكنه يكرر نفسه.

أما حين يلتقيان:

يتوازن التحليل

ينضج الخطاب

ويُبنى إعلام لا يلهث خلف الإثارة، ولا يختبئ خلف التنظير

 

قراءة أعمق للمشهد

ما رأيته في تلك الصورة،
وما قرأته في كلمات الدكتور تركي العيار عن الأستاذ عبدالله الضويحي،
ليس مجرد إشادة بشخص.

بل رسالة أوسع تقول:
إن الإعلام لا يُبنى بجيل واحد،
ولا بعقلية واحدة،
ولا بمنهج منفصل عن الواقع.

هو تراكم:

تجربة تحترم المهنة

علم يضبط الاتجاه

وأخلاق تحمي التأثير

 

الخلاصة

عندما تلتقي التجربة مع الأكاديمي في الإعلام،
لا نكتب مقالًا أفضل فقط…
بل نصنع وعيًا أكثر نضجًا.

وعي:

يفهم متى يتكلم

ولماذا يصمت

وكيف يؤثر دون أن يضلل

وهذا، في تقديري،
هو الإعلام الذي يستحق أن يُبنى…
ويُحترم…
ويُورَّث.