الوجه الآخر للأرض

قوانين الحيوان… وقوانين الإنسان
كتبه عبدالله العميره
في الركن الآخر من هذا الكوكب، حيث لا ضجيج ولا ادّعاء، تتحرك الحياة وفق إيقاع صامت ودقيق.
غابات تموج بالأخضر… أنهار تنساب بطمأنينة… طيور تحلّق كأنها تعرف طريقها منذ الأزل…
وحيوانات برية وبحرية وحشرات تبدو في ظاهرها عشوائية، لكنها في حقيقتها محكومة بقوانين صارمة لا تحيد عنها.
هناك، في "الوجه الآخر من الأرض"، تبدو الطبيعة أكثر انضباطًا من المدن التي صنعها البشر.
قانون الغريزة… وعدالة الحاجة
النحل لا يبني خلاياه عبثًا،
النمل لا يخرج من بيته دون سبب،
وحتى المفترسات لا تقتل إلا عندما تجوع.
حياة كاملة تُدار بلا ضوضاء، بلا صراع على نفوذ، وبلا رغبة في الهيمنة.
قوانينها بسيطة:
احفظ توازنك… وارزق بقدر حاجتك… ولا تفسد ما حولك.
هذه المخلوقات خُلقت “مُسيَّرة”، لا خيار لها إلا أن تكون جزءًا من نظامٍ خلقه الله بحكمة ودقة.
أما الإنسان… فشيء آخر
الإنسان وحده خُلق بين المسير والمخير:
مُسيّر فيما لا يملك تغييره:
نبض القلب، جريان الدم، التنفس، الشيخوخة…
كلها قوانين لا يتدخل فيها العقل ولا الإرادة.
ومُخيّر فيما يصنع به بيئته ومجتمعه:
يفتح باب الخير أو يمد يده إلى الشر،
يعمر الأرض أو يفسدها،
يبني أو يهدم.
في داخله “خير أصيل”، لكنه يميل — إن غاب العقل — إلى الشر،
بعكس الحيوان الذي لا يعرف فسادًا… ولا يعرف طغيانًا… ولا يعرف إسرافًا.
قوانين الحيوان… وقوانين الإنسان
قوانين الطبيعة تسير باتجاه واحد: الإثمار.
قوانين الإنسان — إن غاب عنها العقل — تسير باتجاهات كثيرة… بعضها يصنع الحياة، وبعضها يطفئها.
وهنا، يصبح “الوجه الآخر من الأرض” مرآة حقيقية:
مرآة تقول لنا إن الخالق واحد،
لكن الاختبار مختلف…
والمسؤولية أكبر…
والعقل هو الفارق بين الفطرة والفساد.
رسالة المقال
الإنسان لا يُطلب منه أن يعيش كالنمل أو النحل،
ولكن يُطلب منه أن يتأمل تلك القوانين:
كيف تتحرك الطبيعة بلا فوضى؟
كيف تنتج بلا خراب؟
كيف تتوازن بلا صراع؟
وحين يتأمل… يدرك أن أعظم ما ميزه الله به ليس القوة، ولا السلطة، ولا العقل المجرد…
بل القدرة على الاختيار.
اختيار يُصلح وجه الأرض…
أو يشوّهها.
⭐ **أيهما تختار أيها القارئ؟
الإنسان الذي يبدو بريئًا… أم الحيوان الذي تظنه متوحشًا؟
وهل يوجد إنسان يبدو متوحشًا… لكنه بريء في جوهره؟**
الحيوان يتصرّف بما علّمته الغريزة،
بينما الإنسان يتصرّف بما يخفيه الضمير.
ولهذا…
قد يكون “المتوحّش” بريئًا لأنه لا يعرف طريقًا آخر،
وقد يكون “البريء” وحشًا لأنه يعرف… ثم يختار.
إنها المفارقة التي وهبت الإنسان عقله،
وألزمته بأن يكون صادقًا مع نفسه… قبل أن يحاكم العالم.