أن تكون موجوداً يعني نسيان ما حَفظْتَهُ .. تعليق لـ BETH
ترجمة: د. رفيف رضا صيداوي*
"أن تكون موجوداً يعني نسيان ما حفظْناه"، هو عنوان مقالة للصحافيّة الفرنسيّة غوليميت فور Guillemette Faure، نُشرت في مجلّة Sciences Humaines - العدد 381/ أيلول - سبتمبر الفائت، تُشير فيها إلى أنّ ثمّة ذُعراً اجتماعيّاً حيال الذكاء الاصطناعيّ، الذي سينتهي معه الأمر بأن يُنسينا كيف نَقرأ، وكيف نَكتب ونُفكّر...قَبل أن تعود لتَسأل ما إذا كان نسيان ما حفظناه ضروريّاً للتطوُّر؟
في حزيران/ يونيو من العام الجاري 2025، أظهرتْ دراسةٌ أجراها "معهدُ ماساتشوستس للتكنولوجيا" (MIT) بعنوان: "دماغكَ على ChatGPT"، أنّه بعدما تمّ استخدامهم الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مكثَّف للكتابة، لم يعُد بمقدور 80 في المائة من الطلّاب تذكُّر ما قاموا بكتابته. الأسوأ من ذلك، أنّه بعد مرور 4 أشهر على الاستعانة بـ "شات جي بي تي" في عملهم الكتابيّ، تدنّى مستوى الكتابة لديهم عن مثيله لدى الشباب الذين لم يستخدموه يوماً. لقد راكَمت أدمغتُهم نوعاً من "الديون المعرفيّة": بمعنىً آخر، وباسمِ راحةٍ فوريّة، تخلّوا عن قدراتهم العقليّة على المدى الطويل. هذه الصورة تَجعلنا نَستحضر إلى حدٍّ ما شخصاً مُعيّناً يَستخدم المصعد بشكلٍ دائم: فهو يَصل بسرعة، لكن بعد بضعة أشهر، نلحظه وقد فَقَدَ عضلاته وباتَ يَصعد الدرج ببطءٍ أكثر.
لم نَنتظر "شات جي بي تي" حتّى نلْحَظ آثار الأدوات التي تُسهِّل لنا حياتنا. فلو لم نكُن قد فَقدنا جزءاً من مرونتِنا أو سرعتِنا في الحساب الذهنيّ بفعْلِ استخدامِنا الآلات الحاسبة، لكنّا قد أصبحنا أقلّ عرضةً للوقوع ضحايا الإعلانات التي تسعى إلى بيْعِنا هواتف مُقابل صفر يورو، بالإضافة إلى ثمانية يورو شهريّاً لمدّة عامَيْن... مؤخّراً، أظهرَت دراسةٌ نُشرت في العام 2020 لباحثتَيْن من جامعة مكغيل McGill الكنديّة، أنّ الأشخاصَ الذين يَستخدمون نظامَ تحديد المواقع (GPS) بانتظام، لديهم ذاكرة مكانيّة أقلّ جودة من تلك التي يَمتلكها أولئك الذين يتحرّكون بأنفسهم ومن دون الاعتماد على أيّ شيءٍ آخر.
هل من السيّئ أن نتخلّى عمّا تعلَّمناه؟ في النهاية، يتطلَّب الكثير ممّا تعلّمناه التخلّي عنه في البداية. لنأخذ الرياضة والموسيقى كمثالٍ. في حال بدأتَ بمُمارستِهما بمفردكَ وتَرغب في التقدُّم من طريق المُساعدة، فسوف يُشير إليك المُعلِّم أو المدرِّب أوّلاً إلى ما تَحتاج للتخلُّص منه في هذا الصدد. الدكتور في علوم التربية جاك ماربو Jacques Marpeau يتناول حالة الطفل الذي يتعلّم السباحة (وليس الرضّع أو أطفال السباحة): "يُطلب منه إلغاء بنية الأمان خاصّته، وهي الإبقاء على الجسم بوضْعٍ عموديّ أو رأسيّ، بغية تبنّي الوضع الأفقيّ؛ يتعلّق الأمر بتفكيك المعرفة المُكتسَبة من أجل البقاء". يُعطي أيضاً مثالاً عن تسلُّق الصخور: المتسلِّق المُبتدِئ، العالِق على جُرفٍ (أو منحدر صخريّ شاهِق)، عليه التخلّص من التوتُّر. يتمّ الشرح له أنّ الأفضل بالنسبة إليه هو أن يُرخي ذراعَيْه ويَستريح من خلال الاستلقاء إلى الخَلف. هو يتفهَّم ذلك ويَستوعبه، لكن على بعُد 5 أمتار نحو الأعلى، يعود به ردُّ الفعل الانعكاسي للبقاء (أو ردّ الفعل اللّاإراديّ حيال مُحفِّزٍ خطير) في وضعيّة العموديّة أو الرأسيّة.
يَذكر جاك ماربو أيضاً والدَهُ ويَستحضره شارحاً له كيف أنّه من الأفضل، لدى عبور نهر اللّوار، أن يستلقي المرءُ على ظهره تاركاً نفسه للتيّار كي يحملَهُ بدلاً من مُحاوَلَتِهِ مُحارَبتَهُ.
نسيان ما حفظناه أو ما تعلّمناه يعني التكيُّف المُفرط مع المُلِحّ والفوريّ، وهو الأمر الذي يَستلزم الثقةَ بالشخص الذي يَصوغ النصائح ويقدّمها.
عدم الاستسلام للأتْمَتَة
نرى هنا أنّ التخلّي المتعمَّد أو المقصود عمّا تعلّمناه أصعب بكثير من النسيان. فقدان قدرتي على نُطق بعض الجمل باللّغة الألمانيّة بعد عشرين عاماً من دراستي، لم يتطلَّب منّي أيَّ جهدٍ خاصّ. في حين أنّ التخلُّص من الأشياء القديمة يتطلَّب من المرء التخلّي عن ردود الفعل التلقائيّة، وتقبُّل المرحلة الانتقاليّة التي يَشعر خلالها أو يكون، بفعل التغيير، أقلّ جودة قَبلَ أن يُصبحَ أفضل حالاً. وهذا يتطلَّب أيضاً عدم الخوف من ارتكاب الأخطاء أو من نظرة الآخرين أو ممّا يعتقدونه. عندما يقوم سائقٌ اعتاد على قيادة سيّارة بنظامٍ يدوي بقيادة سيّارة بنظامٍ أوتوماتيكي، يتعيَّن عليه خلال الكيلومترات القليلة الأولى، أن يتخلّى عن الإيماءات التلقائيّة (نسيان الدبرياج، التوقّف عن البحث عن ناقل الحركة أو عصا نقْل الحركة levier de vitesse في الفراغ). العادة التي كانت تُسهِّل عليه حياته تغدو عقبةً.
جاك ماربو، الذي دَرَسَ كثيراً عملَ معلِّمي أو مربّي أطفال الشوارع، لاحَظَ أنّ التخلُّصَ من التعلُّم قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشباب غير الآمنين. وهذا ما يُلاحَظ أيضاً في عالَم العمل. "التخلّي عمّا تعلّمناه هو التخلّي عن مجالات اليقين والقوّة والراحة". هذا ما كتبته إيزابيل بارث Isabelle Barth الباحثة في علوم الإدارة في مجلّة الإدارة والاستراتيجيّة Revue de Management et de Stratégie (2016). التخلّي عمّا نعرفه، تُضيف الباحثة، "يعني مُغادرتكَ/ كِ الشخص الذي كنتَ تعتقد أو كنتِ تعتقدين أنّكَ كُنتَه أو أنّكِ كُنتِه. وهذا ما يُثير الخوف، وما يدعو إلى الرفض والمقاوَمة. فكما هو معروف، تُشكِّل ظاهرةُ فقدان الهويّة المهنيّة مَصدرَ العديد من المخاطر النفسيّة والاجتماعيّة".
ما يصحّ على الأفراد يصحّ أيضاً على المنظّمات. "من أجل تفادي الأزمات التنظيميّة، تخلَّصوا من التعلُّم" يقول الباحثان المختصّان بالإدارة وليم ستاربوك William Starbuck وبول نيستروم Paul Nystrom، مُشيرَيْن إلى أنّه خلال الأزمات الكبرى، تقوم غالبيّة المؤسّسات باستبدال كبار إداريّيها المُعتبَرين كعقباتٍ تحول دون التخلُّص من العادات السيّئة ودون الانفتاح على طُرقٍ جديدة للقيام بالأمور. أعمالُ هذَيْن الباحثَيْن تعود إلى عقْدِ سنوات 1980، وهذه الرؤية التعاقبيّة التسلسليّة (التخلُّص ممّا تمّ تعلُّمُه ثمَّ إعادة تعلُّمه) أَفسحتِ المجال منذ ذلك الحين لأعمالٍ تُظهِر أنّ التعلُّمَ والتخلُّصَ منه يُمكن أن يكونا مُتزامنَيْن.
التعلُّمُ والتخلُّصُ منه، أو التعلُّم ونسيانه هُما دوماً عمليّة واحدة، وهي التعلُّم! وقد سبقَ للباحث في عِلم الأعصاب ألبرت مخيبر Albert Moukheiber أن أشارَ في بودكاست جيل افعَل ذلك بنفسك Generation do it yourself: "نحن نتحدّث في كثيرٍ من الأحيان عن تعلُّم كيفيّة التعلُّم، ولكن في كثيرٍ من الأحيان يكمن التحدّي في تعلُّم كيفيّة التخلّي عمّا تعلّمناه". وأضاف مخيبر شارحاً "إنّ الأصعب في الأمر يكمن في نسيان العادات السيّئة وهو ما يصحّ أيضاً على الآراء. إذا كان لديّ أيّ رأي قويّ بشأن خَيارٍ ما، ينبغي عليّ أن أتمكَّن من فكّ الارتباط به بغية اكتساب رأيٍ آخر". وهذا هو السبب الذي دفعه إلى بذْلِ قصارى جهده لمقاوَمة الرغبة في إبداء آراء قويّة أو صارمة حول موضوعاتٍ لا يعرفها... وذلك لكي لا يترتّب عليه التخلُّص منها.
استيعابُ فكرةٍ جديدة يتطلَّب من الشخص أن يتحدّى أنماطَ تفكيرِه المُعتادة، وأن يفكِّرَ خارج الصندوق. وهذا يعني بقدرٍ كبير المُحترِفَ الذي يُسائل مناهجَه أو طُرُقَ عملِه بقدر ما يَعني الوالدَ الذي يُراجِع يقينيّاته التربويّة أو التعليميّة. ولتنميةِ ذهنيّة الاستكشافِ هذه، يُمكننا بدلاً من سؤال الطفل "ماذا تعلَّمتَ اليوم؟"، أن نسأله عمّا لم يتعلّمه اليوم. وفي تجاهلٍ لـ ChatGPT، يَتساءل الباحثون في الذكاء الاصطناعي أيضاً عن كيفيّة دمْج القدرة على النسيان في الآلات كي لا تُصبح حبيسة أنماطها الخاصّة!
الابتكار يُفقدنا في جميع الحالات عدداً من القدرات: إنّه دائماً حلٌّ وسط بين ما نكتسبه من راحة أو كفاءة وما نضحّي به من معرفة. يَعرف عددٌ أقلّ بكثير من الناس في الوقت الحاضر، كيفيّة خياطة الأزرار أو زراعة الطماطم، مُقارَنةً بما كانوا عليه بعد الحرب، لكون هذه الخدمات قد أَصبحت مُتاحةً بطُرقٍ أخرى.
لكنْ لكي لا نُعاني من تبعاتِ التخلُّص من معارفنا بشكلٍ سلبيّ، يغدو السؤال هنا سؤالاً عن نيّتنا أو توجّهنا حيال ذلك: هل نحن نَعي ما سنتخلّى عنه وكيف سنُعوِّض عنه؟ حين سَمحت لنا العجلةُ بالتنقُّل بشكلٍ أسرع على حساب عضلاتِ مقدَّمة الفَخذ، والتضحية بما يوفّره لها السير على الأقدام من صلابةٍ وقوّة، لم نتخلَّ عن التنقُّل، ورحنا نتّجه إلى صالات الرياضة وإلى احتساب خطواتِنا. فكيف سيبدو تدريبُ أدمغتنا إذا سمحنا للذكاء الاصطناعي بالتفكير والكتابة نيابةً عنّا؟
*مؤسّسة الفكر العربي
____________________________________________________
التعليق الفني – BETH
هذا المقال يطرح معضلة جوهرية في عصر الذكاء الاصطناعي:
هل التقدّم يعني أن نتعلم أكثر… أم أن ننسى أكثر؟
يبيّن المقال أن الإنسان، منذ بداية الحضارة، لم يتطور عبر تراكم المعرفة فقط، بل عبر التخلص من المعرفة القديمة التي لم تعد تخدمه.
الذكاء الاصطناعي ليس تهديدًا للذاكرة، بل اختبار لقدرتنا على فكّ الارتباط بما نعرفه كي ننتقل إلى مستوى معرفي جديد.
الدرس العميق في المقال:
التعلّم ليس عملية إضافة… بل عملية حذف أيضًا.
وكل ابتكار يحوّل جزءًا من مهاراتنا إلى عضلات خاملة ما لم نتحرك بوعيٍ لتعويضها.
هدف المقال
ليس التحذير من الذكاء الاصطناعي، كما يفعل كثيرون، بل دعوة إلى وعي جديد:
وعيّ يفرّق بين التعلّم والاعتماد، بين التطوّر والكسل المعرفي، بين استخدام الذكاء الاصطناعي… وتركه يفكر بالنيابة عنا.
إنه مقال يقول باختصار:
التقدم ليس أن نعرف أكثر… بل أن نعرف ماذا نتخلى عنه.
ولذا يسأل سؤالًا مخيفًا وجميلًا في الوقت نفسه:
إذا فكّر الذكاء الاصطناعي نيابة عنّا…
فمن سيدرّب عقولنا على البقاء في حالة يقظة؟