منصّات التواصل… من المرآة الاجتماعية إلى معامل السلوك الرقمي
مقال تحليلي
: إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH الإعلامية
──────────────────────────
المقدمة
قبل عشر سنوات، كانت منصّات التواصل تُقدَّم للجمهور بوصفها ساحات حرّة تعبّر عن المجتمع، وتسمح له بنقاشات واسعة وشفافة.
أما اليوم، فقد تحولت إلى نظام سلوكي عالمي تديره شركات التكنولوجيا الكبرى، تتقاطع فيه السياسة مع الذكاء الاصطناعي، ويتداخل فيه الاقتصاد مع المزاج الجماهيري، ويهيمن عليه “ضجيج” لا يمتّ للواقع بصلة.
هذا التقرير يقدّم قراءة علمية جديدة لطبيعة المنصّات، مستخدِمًا أدوات التحليل السلوكي والاتصال السياسي والمقاربات النفسية.
ويكشف ما الذي حدث؟ من يدير المشهد؟ وما البديل؟
أولًا: منصّات التواصل… ماذا أصبحت فعلاً؟
لم تعد منصّات التواصل مجرد أدوات اجتماعية، بل تحوّلت إلى:
1) مختبر عالمي للسلوك البشري
الشركات لا تراقب “صدق” المشاركات، بل تراقب:
ما الذي يثير الناس؟
متى يغضبون؟
ما حجم الاستفزاز المطلوب لتحريكهم؟
من يتأثر بسرعة؟ ومن يقود الآخرين؟
وتستخدم نتائج ذلك في:
الإعلانات → السياسة → برمجة الذكاء الاصطناعي → إدارة الرأي العام.
2) بنك المشاعر العالمي
المشاعر أصبحت “عملة”.
الغضب، الخوف، الانفعال، الضحك…
كلها بيانات تُباع وتُشترى وتُستغل.
3) محرك خوارزمي لا يعترف بالقيم
ما يظهر للناس هو ما يربح الشركة… لا ما يفيد المجتمع.
الخوارزمية لا تكافئ الجودة… بل “التفاعل”.
والتفاعل في العالم الرقمي أسهل مع:
الجهل
الشتائم
المؤامرات
الإثارة
المعلومات غير الدقيقة
وهكذا…
أصبحت المنصات آلة تضخيم للضجيج وليست منصة للرأي.
ثانيًا: العقول الخمسة التي تسيطر على المشهد الرقمي
1) عقل الترفيه السريع
يدخل ليهرب من واقعه.
لا موقف ولا مبدأ.
يتفاعل مع أي شيء يضحكه أو يشتم منه.
2) عقل القطيع
يتبنى رأي من يثق بهم أو يقلّدهم بلا وعي.
يتغيّر موقفه تبعًا للموجة.
3) عقل الغريزة
يُستفز بسرعة… يغضب بسرعة… ينساق بسرعة.
وهو الأفضل للخوارزميات التجارية.
4) عقل الوهم الافتراضي
يظن نفسه مؤثرًا.
يعيش دور البطولة خلف الشاشة.
لكن أثره الحقيقي صفر.
5) العقل الواعي — الأقلية
هادئ، منطقي، مفكر.
لكنه يُغرق بين أمواج السطحيين.
هذه التصنيفات تُظهر حقيقة:
المنصات لا تمثل المجتمع… بل تمثل من يصرخ أكثر.
ثالثًا: هل هذه المنصات مفيدة للشركات؟
نعم.
مفيدة بشكل غير مسبوق عالميًا.
الشركات تستفيد من:
جمع البيانات
بناء نماذج الذكاء الاصطناعي
دراسة المشاعر
بيع الإعلانات
مراقبة اتجاهات المجتمعات
تحسين الخوارزميات السياسية والاقتصادية
أما استفادة المستخدم؟
فهي وهم تسويقي… مجرد إدمان رقمي مخطط له.
رابعًا: الذباب الإلكتروني… من يصنعه؟ ولماذا يستمر رغم انكشافه؟
1) تعريف
الذباب الإلكتروني:
كيانات منظمة — حكومية أو خاصة أو تجارية — تعمل عبر حسابات مزيفة لإنتاج تأثير وهمي يبدو كأنه “رأي عام”.
2) مهامه
رفع هاشتاق
إسقاط موضوع
تشويه شخصيات
خلق صورة رأي جماعي وهمية
تضليل الرأي العام
التلاعب بالمشهد السياسي
3) لماذا لا يختفي رغم فضحه؟
لأن قوته ليست في الإقناع…
بل في التكرار.
التكرار يخلق “وهم الانتشار”.
وهو الأداة الأخطر في علم النفس السياسي.
4) هل يتقاضون أموالًا؟
بعضهم نعم — مدفوع ومنظم.
بعضهم يعمل بلا مقابل — بدافع الحقد أو الحمية أو التعصب الأعمى.
5) وهل يشبه من يدير الذباب بعض العقول الإعلامية الضعيفة؟
للأسف… نعم.
لأن الطرفين يتشاركان الوهم نفسه:
أن الضجيج = تأثير.
وأن الترند = رأي عام.
لكن الواقع غير ذلك تمامًا.
خامسًا: لماذا لا تمثل المنصات المجتمع الحقيقي؟
لأنها تعتمد على ثلاث حقائق غير علمية :
1) الصوت المرتفع أقوى من الصوت العاقل
المنصّة تكافئ الغضب… لا الحكمة.
2) المشاركة لا تعكس المجتمع
من يكتبون في المنصات هم أقلية…
ومن يفكرون بصمت هم الأغلبية.
3) السلوك الرقمي ليس السلوك الواقعي
الإنسان خلف الشاشة = كائن مختلف.
يصبح أكثر:
جرأة
كذبًا
تطرفًا
مبالغة
تناقضًا
ولهذا لا يصلح استخدام المنصات لقياس الرأي العام الحقيقي.
سادسًا: ما البديل؟
كيف نقرأ المجتمعات إذن؟
1) رصد ميداني حقيقي
المقابلات
التحقيقات
الوجود على أرض الحدث
2) إعلام مهني
صحافة تحليلية لا تركض وراء الضجيج.
مثل منهج BETH.
3) تحليل البيانات + الذكاء الاصطناعي
لكن بوعي… لا اعتمادًا على الضوضاء الرقمية.
4) منصات وعي لا منصات صراخ
تقدّم محتوى يرفع العقل… بدل أن يستثمر ضعفه.
5) بناء مجتمع نقدي
يعرف كيف يكشف الوهم.
ويفرّق بين “الرأي” و”الترند”.
الخلاصة الكبرى — توقيع BETH
منصّات التواصل لا تكشف المجتمع… بل تكشف أمراضه.
والذباب الإلكتروني ليس مؤثرًا… بل مجرد صدى لعُقدٍ وأصوات صغيرة.
والرأي الحقيقي يعيش على الأرض… لا على الشاشة.
✨ الخلاصة المختصرة
لا، الذباب الإلكتروني لا يقدّم فائدة حقيقية.
هو استهلاك بلا إنتاج… وصرف بلا عائد… وضجيج بلا تأثير مستدام.
✔ الذباب الإلكتروني يعمل كـ مكبر صوت للفوضى وليس كأداة وعي.
✔ كل “نجاحه” مؤقّت… لأن ما يبنى على الزيف يسقط عند أول احتكاك بالواقع.
✔ الحكومات التي تعتمد عليه تظن أنه يصنع رأيًا عاماً، بينما هو يصنع فقط فقاعة.
✔ أما الدراسات البحثية، فهي تعلم أن هذه الحسابات لا تمثل المجتمع، بل تمثل أنماط السلوك تحت القناع.
أما الآراء التي تظهر في منصات التواصل فهي فعلًا كما قلت:
🔸 شائعات طائرة
🔸 معلومات غائصة تُرمى لقياس ردود الفعل
🔸 هياط عابر لا يغيّر واقعًا ولا يصنع وعيًا
🔸 وموجات تتلاشى قبل أن تستقر
الواقع فقط هو الذي يثبت… أما الذباب فيسقط لأن جناحه مصنوع من هواء.
ما البدائل الأفضل لتحقيق أهداف إيجابية مستدامة؟ ولماذا لا تُوجد؟
أولًا: ما البديل الحقيقي؟
البديل ليس «أدوات جديدة»… بل نظام تفكير جديد.
البديل باختصار:
1) منظومة إعلام استراتيجي – لا إعلام رد فعل
إعلام يفكر: ماذا نريد أن يعرف العالم؟
لا: بماذا نرد اليوم على فلان؟
منظومة مبنية على:
تحليل → تصميم الرسالة → توزيعها → قياس أثرها.
2) منصات بحث ورصد حقيقية
لا يمكن صناعة رأي عالمي عبر تجميع تغريدات مزعجة.
يجب أن تكون لدينا:
وحدة تحليل بيانات اجتماعية
وحدة رصد اتجاهات رأي عالمي
مختبر لسلوك الجمهور
قسم ذكاء إعلامي (Media Intelligence)
3) محتوى يحتكر العقل… لا الضجيج
البديل عن الذباب هو المحتوى الذي يُربك العدو… ويُحبّه الجمهور.
المحتوى الذي يفتح عيون الناس… لا آذانهم فقط.
4) بناء «سردية وطنية» واضحة
السردية هي العمود الفقري لأي قوة ناعمة.
بدون سردية → سنبقى في ردود الفعل.
ومع السردية → الإعلام يصبح سلاحًا… وليس صدى.
5) تدريب جيل من الصحفيين على علوم الإعلام الحديثة
التحليل
علم السرد
العلاقات الإعلامية
قراءة المؤسسات
الاتصال السياسي
الإعلام الصامت
الإعلام الذكي
وتقنيات التأثير غير المباشر
هذه هي «الإدارة» في الإعلام.
ثانيًا: لماذا لا توجد هذه البدائل؟
1) لأن الابتكار صعب… والضجيج سهل
الذباب أرخص، أسرع، أسهل…
لكنّه بلا أثر.
2) لأن بعض الإدارات تعيش في عقل 2010 وليس 2030
يعتقدون أن «الملايين من التغريدات» تصنع رأيًا.
والحقيقة:
العالم كله تجاوز هذه المرحلة.
3) لأن صناعة المحتوى الذكي تحتاج عقليات لا تُشترى
ولا تُطلب عبر مناقصة.
ولا تُدار بالعصا.
هذه صناعة تحتاج تفكيرًا… وموهبة… ونَفَس طويل.
4) لأن كثيرًا ممن يقود تلك الجيوش لا يؤمنون بالتحليل
بل يؤمنون بـ:
«اضغط – أرسل – اهجم»
هذه ليست إستراتيجية…
هذه «حالة خوف» تُدار بالأصوات العالية.
5) لأن الذباب يقدم وهْمًا جذابًا للإدارات
يشعرون أنهم «يفعلون شيئًا».
لكن الحقيقة؟
إنهم يصرفون… ويضرون… ويُضعفون صورة البلد.
ثالثًا: البديل العملي الذي يمكن تطبيقه فورًا
✓ منصة استراتيجية للتحليل الإعلامي والاتصال الدولي
(مثل ما تفعله BETH الآن)
✓ إنتاج محتوى نوعي متعدد اللغات
(كما تفعل BETH الآن)
✓ بناء شبكة علاقات مع إعلام دولي
(لا علاقة لها بالصراخ المحلي)
✓ تحويل الإعلام من «رد فعل» إلى «بصمة»
أن نضع مواقف… لا أن ننتظر هجومًا حتى نردّ عليه.
✓ بناء نظام تقييم وقياس تأثير
مقاييس حقيقية… لا عدد الريتويت.
الإشارة الختامية (الذكية جدًا كما طلبت):
✨ ملخص الحقيقة
لا توجد «فوائد» للذباب الإلكتروني…
هو مجرد استهلاك بلا إنتاج، وصوت بلا معنى، وميزانيات تُهدر لأن من يديرها لا يملك بديلًا أفضل.
والآراء العشوائية في منصات التواصل
لا تُمثّل مجتمعًا… ولا تصنع وعيًا…
هي شائعات طائرة، أو «بالونات اختبار» تُطلقها بعض الجهات…
سرعان ما يسقطها الواقع.
ويبقى ما ينفع الناس… لا ما يصرخ.
🔸 وفي العالم العربي يسمونها: «الهياط الطائر».
صوت بلا وزن… واندفاع بلا عقل… وتأثير عمره دقائق.
أما الحقيقة…
فهي أن البديل ليس الذباب… ولا الصراخ…
بل عقلٌ يعرف ماذا يقول، وكيف يقول، ولمن يقول.
🔻 وتذكّر…
من يحاول تقليد الفكرة دون فهم صاحبها…
لن يُنجب إلا نسخة مشوّهة.
ولذلك…
في عالم الذباب الإلكتروني، من الطبيعي أن يقلّدوا…
لكنهم في النهاية لا يخرج منهم إلا:
🪳… «صراصير إلكترونية»
أكثر إزعاجًا… وأقل منفعة… بل أكثر ضررًا.
🔸 وقد ينطبق على صانعي الذباب الإلكتروني ذلك المثل الشعبي :
«الذي يحتار في قرشه… يشتري حمامًا ويُطيره».
فالعبرة لم تعد في «الإقناع» ولا في «الأثر»…
بل في ألّا يطير منهم القرش نفسه.
قانون الفشل الذهبي
حين تُسند مهمة إعلامية إلى عقلٍ لا يفهم الإعلام…
يتحوّل «تحسين الصورة» إلى استنزاف للميزانيات،
ويتبدّل «التأثير» إلى هياط إلكتروني لا يسمعه أحد…
إلا من صنعه.
✦