الإعلام السعودي أمام المرآة… ماذا كشفت زيارة ولي العهد؟

news image

 ✍️ عبدالله العميره
مدير وكالة BETH

هذه ليست قراءة تبحث عن إدانة… بل عن تطوير؛ لأنها تقف على أرض وطن يصنع المستقبل.

 

مقدمة: حين تكشف الزيارة ما لا يراه الإعلام عن نفسه

كانت زيارة ولي العهد التاريخية إلى الولايات المتحدة حدثًا استثنائيًا على جميع المستويات: سياسيًا، اقتصاديًا، استراتيجيًا، وتقنيًا.
لكن الحدث الأكبر لم يكن في واشنطن…
بل في المرآة التي وُضعت أمام الإعلام السعودي.

فبينما كانت الدولة تعمل برؤية استباقية عميقة، ويتحرك ولي العهد بعقلية قائد يقفز على الزمن… بدا إعلامنا — في لحظات كثيرة — مترددًا، أو غير قادر على التقاط جوهر الحدث كما يليق.

بين إنجازات واضحة… وقصور لا ينبغي تجاهله.

 

أولاً: لماذا لم يصل الإعلام السعودي إلى مستوى الحدث؟

1) غياب الاستراتيجية الإعلامية الموحدة

كل مؤسسة تغرد بلغتها…
وكل صحفي يتصرف كأنه في سباق شهرة.
لا غرفة عمليات إعلامية وطنية بمعايير حديثة، ولا رسالة موحدة، ولا توزيع أدوار، ولا تصور لما قبل الحدث أو ما بعده.

2) ضعف قراءة الإعلام الأميركي

الإعلام الأميركي منظومة متعددة الطبقات، وليس قناة أو صحيفة.
ومع ذلك تعاملنا معه كـ “كتلة واحدة”…
وهو خطأ منهجي يضعف التأثير.

3) غياب العقلية الأزمويّة

إعلام الأزمات مدرسة كاملة:
كيف نواجه؟
كيف نغطّي؟
ماذا نقول؟
ولِمَن نوجه الرسائل؟
هذه الأدوات غير موجودة.

4) غياب أدوات قياس ردود الفعل

لا يكفي أن نقول: إيجابي — محايد — سلبي.
السؤال الأهم: لماذا؟
ولا توجد أدوات أو تحليلات منهجية للإجابة.

 

ثانياً: الفارق بين الإعلام السعودي والإعلام الأميركي

الإعلام الأميركي ليس مؤسسة…
إنه قارة كاملة تصنع الوعي وصناعة القرار.

خارطته باختصار:

الشبكات الكبرى: CNN / Fox / MSNBC / Bloomberg / CNBC…

الصحف الوطنية: NYT / WSJ / Washington Post…

الوكالات: AP / Reuters / Bloomberg News

مجلات الفكر: Foreign Affairs / The Atlantic

إعلام الكونغرس: POLITICO / Axios / The Hill

الرقمي: Vox / Insider…

الإذاعات: NPR / CBS

مراكز التفكير: Brookings / RAND / CFR

هذه المنظومة تصنع “الإيقاع الإعلامي”…
وفي المقابل، الإيقاع في الرياض غير مُدار وفق نموذج مؤسسي متكامل.

 

ثالثاً: قواعد التعامل مع الإعلام الأميركي (باختصار مهني)

1) فهم مركز الجاذبية

الإعلام الأميركي ينقسم إلى حزبي–اقتصادي–نخبوي–جماهيري، بالإضافة إلى “إعلام واشنطن” الأكثر تأثيرًا.

2) استراتيجية النوافذ المتعددة

لا يوجد مسار واحد للدخول.
وهنا تمتلك وكالة BETH — بشهادتي المهنية — رؤية فريدة عربيًا.

3) التحكم في الرسالة قبل الحدث

في أميركا…
الرسالة أهم من الحدث.
وهنا يقع الخلل الأكبر.

 

رابعاً: مخاطبة كل نافذة أميركية (خريطة مختصرة)

Fox News: أمن – إيران – تحالفات – لغة القوة

CNN/MSNBC: تقنية – الطاقة النظيفة – رؤية 2030

Bloomberg/WSJ: مؤشرات – أرقام – صفقات

POLITICO/The Hill: رسائل للكونغرس – تشريعات

Foreign Affairs: جيوسياسة – مستقبل النظام العالمي

NPR/PBS: قصص إنسانية – تحولات اجتماعية

هذا علم… لا ارتجال.

 

خامساً: أين يكمن الخلل الحقيقي؟

1) غياب “مدرسة بناء الأسئلة”

الأسئلة المطروحة في المؤتمرات ما زالت تقليدية، تبدأ بـ “هل”، وتنتهي بلا معنى.
لا تصنع خبرًا… ولا تحرك مشهدًا… ولا تكشف معلومة.

2) ضعف الاستعداد قبل وبعد الحدث

لا تحضير… لا إدارة لحظة… لا تحليل لاحق.

3) غياب الإعلام التحليلي

عمق المشهد يُغتال يوميًا.

4) تغطيات بلا نتائج

القيادة تقفز…
لكن الإعلام لا يلحق.

ولهذا، حين تسأل صحفيًا خارجيًا:
“ماذا تعرف عن السعودية؟”
تأتي الإجابة نمطية… لأن الرسالة غير موحدة.

 

سادساً: لماذا يُكتب هذا المقال؟

لأن السعودية اليوم في لحظة تاريخية…
ولأن الإعلام يجب أن يرتقي لمستوى الدولة لا أن يبقى حبيس الطرق التقليدية.

هذا ليس جلدًا للذات — فأنا جزء من الصحافة —
بل محاولة لضبط البوصلة، وفتح باب نقاش مهني، وبناء مدرسة جديدة:
مدرسة التأثير… لا مجرد التغطية.

وهو ما أسعى لتطبيقه في وكالة BETH… رغم العوائق.

 

خاتمة: الطريق يبدأ من هنا

النهضة الإعلامية علم… ومنهج… واستراتيجية.
ولكي تُعرّف السعودية العالم برؤيتها وتحولها، فلا بد من بناء إعلام سعودي جديد…
إعلام بمستوى دولة في مقدمة دول العالم.

الإعلام الحقيقي ليس “هياطًا”، ولا مرآة تمدح ذاتها…
بل وعيٌ وفهمٌ وقدرة على قراءة الواقع.
وواقع السعودية اليوم أكبر بكثير من أن يُختزل بخطاب تقليدي.

ومن لا يرتقِ… سيبقى خارج التاريخ.